أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

تطرقنا في الحلقة الأولى عن التجارة في العراق عامة والموصل خاصة، لنستطلع في هذه الحلقة هل كان العراق والموصل (خاصة) قبل مئة عام يصدر بضائع وسلع ومنتوجات الى مدن العراق والى الدول العربية والأجنبية، كما سنعرض إحصاءات عن حجم التصدير، لنرى كيف كان العراق ومدنه ومنها (الموصل انموذجا) قبل مائة عام ؟ !
أولا – الصادرات داخل العراق :
كانت الموصل تصدر ما تنتجه من السلع، حيث كانت تجهز مدن وقصبات المنطقة الشمالية باحتياجاتها من السلع والبضائع والمواد الغذائية كالحنطة والشعير وأنواع أخرى من الحبوب بالإضافة الى الفواكه والخضروات والفواكه المجففة.
صدّرت الموصل إلى بغداد والبصرة سنة ١٩١٠م من الحبوب حوالي (١٠٠٠٠) طغار من الحنطة و (٦٠٠٠) طغار من الشعير وسائر أنواع الحبوب، علاوة على كميات من الدهن والجبن والتبغ والجلود والزيتون ومواد أخرى متنوعة، وكانت تلك الصادرات تنقل بواسطة الأكلاك عن طريق نهر دجلة الى بغداد.
كما صدّرت الموصل الى بغداد الصوف، وقد بلغت قيمة صادرات الموصل من الصوف سنة ١٩١٢م (٧٩٠٠٠) جنيه إسترليني، فضلا عن الموهير – خيوط مصنوعة من شعر الماعز – الذي تستورده من المناطق الكردية ثم تعيد تصديره الى بغداد والبصرة كما اشتملت صادرات الموصل الى بغداد على جلود الماعز المدبوغة والتي تعرف بـ (سختيان)، إضافة الى الفحم.
وصدّرت الموصل إلى بغداد كذلك حجر الحلان والمرمر إضافة الى بعض المصنوعات الحديدية والنحاسية كالطناجر وأباريق الماء والقهوة والأواني والتي كانت تنقل عن طريق نهر دجلة الى بغداد والبصرة.
ومن المفيد تسليط الضوء على أعداد المحال التجارية والخانات والدكاكين إبان تلك الفترة ليتبين نشاط الموصل التجاري آنذاك.
فقد أوردت سالنامات – تقويمات سنوية – ولاية الموصل أرقاما تفصيلية عن أسواق الموصل وخاناتها التجارية في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، فقد ورد في سالنامة الموصل لسنة (١٣١٢هـ / ١٨٩١م) أن في المدينة ثلاثة وعشرين خانا و (٢٦٧٧) دكانا ومحلا تجاريا، وارتفع الرقم لاحقا إلى (٢٨٥٢) ودكانا و (١١٠) متجرا وأربعة وثلاثين خانات.
ثانيا- صادرات الموصل الى الدول العربية المجاورة :
اشتهرت الموصل بعلاقات تجارية مع الأقطار العربية مثل سوريا وفلسطين ومصر والمجاورة كإيران وغيرها.
أ- الصادرات الى الدول العربية :
اشتهرت الموصل بعلاقات تجارية مع الدول العربية وخاصة سوريا وفلسطين ومصر، حيث كانت تصدر لهم الحيوانات الحية كالأغنام، وكانت تجارة الأغنام هذه تعرف بـ (البرخانات) حيث يقود التجار قطعان الأغنام في فصل الربيع ويجتازون نهر الفرات بواسطة (الشخاتير) – والشختور هو قارب واحد كبير ترصف فوقه ألواح الخشب ويسير في الماء بأربعة مجاذيف كبار لكل اثنين من جهة وتتراوح حمولته ما بين مائة وعشرين ومائة وأربعين رأس غنم – وكانوا يجتازون نهر الفرات إلى بادية الشام وهناك يتم بيعها.
والمعروف ان معظم أهالي الموصل يشتغلون بتربية الأغنام وتصديرها، مما جعلها سوقا رئيسة لتصدير الأغنام الى سوريا.
ومن المفيد الإشارة إلى أن قيمة الأغنام التي صدرتها الموصل في سنة ١٩١٠م إلى سوريا حوالى (٨٠٠٠٠) جنيه إسترليني. وفي مطلع القرن العشرين تراوحت قيمة صادرات الموصل من الماعز الى سوريا ما بين (٣٠٠٠٠ – ٨٠٠٠٠) جنيه إسترليني سنويا.
كما كانت الموصل تصدر الحبوب والاقمشة القطنية، والدلاء – جمع دلو – الى سوريا، فضلا عن تصدير الدجاج والبيض بكميات كبيرة الى فلسطين.
ب – الصادرات الى بلاد الأناضول :
اشتملت صادرات الموصل الى بلاد الأناضول على الحبوب والمنسوجات القطنية والحمص والرز والقطن والمواشي، فعلى سبيل المثال في سنة ١٣٣٠هـ/١٩١٢م كانت صادرات الموصل الى بلاد الاناضول فضلا عن دياربكر وأرضروم وتبليس على الشكل التالي :
٢,٥٠٠ رأس غنم
٤,٠٠٠ رأس من الابل
١,٥٠٠ رأس من الجاموس
٢,٠٠٠. رأس من البغال
كما صدرت الى اورفه الجلود المدبوغة.

الصادرات الى ايران :
صدرت الموصل الى ايران وخصوصا مدن (طهران العاصمة) وتبريز وكرمنشاه وهمدان ومشهد فضلا عن مدينتي كاشان ويزد اللتين اشتهرتا بصناعة الاقمشة والسجاد، الحبوب (الحنطة والشعير) والمواشي (أغنام وأبقار وجاموس وماعز) وكذلك العفص والتبوغ وجلود الثعالب والاحذية المحلية (الخفافين) و (الصيجان) لعمل الخبز.
ويعد طريق الموصل – أربيل – رايات الطريق الرئيسي للتجار العراقيين الى ايران.

ثالثا – الصادرات مع الدول الغربية والهند :
امتازت تجارة الموصل في فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى بالتوسع السريع بصادراتها الى الأسواق الغربية، وذلك بسبب افتتاح قناة السويس مما ييسر الأمر للوصول الى أسواقهم.
كانت بريطانيا هي أكثر الدول الغربية استيرادا تلتها ألمانيا فالنمسا ثم فرنسا والولايات المتحدة الامريكية فضلا عن الهند.
ومما يلحظ أن الفترة بين عامي ١٩٠٩ – ١٩١٢م شهدت ازدياد حجم صادرات الموصل الى الأسواق الغربية بحيث بلغت أكثر من ثلثي صادراتها.
ولغرض معرفة كيف كنا نصدر قبل مائة عام للعالم، سنتكلم بشكل مختصر عن كل دولة على حدة حتى تكون الصورة واضحة.

– الصادرات إلى بريطانيا :
ازدادت صادرات الموصل الى بريطانيا بين عامي ١٩٠٩ – ١٩١٢م، وظهر ذلك جليا من تقارير القنصلية البريطانية في الموصل أدناه
———— السنة —- المبلغ بالجنيه الاسترليني ————– النسبة المئوية من مجموع صادرات الموصل
١ – ١٩٠٩————– ١٦٤,٣٠٠ ————————————————- ٢٨ ٪
٢ – ١٩١٠—————– ١٧٦,٥٠٠ ————————————————– ٢٩ ٪
٣ – ١٩١١ —————- ١٩٥,٠٠٠ ———————————————– ٥٠ ٪

وهكذا بقيت بريطانيا تحتل المرتبة الأولى في الصادرات مع العراق بمدنه المختلفة وخاصة الموصل التي كانت تستورد منها وفي مقدمتها الحنطة، فقد بلغت قيمة الحنطة التي استوردتها بريطانيا من الموصل على سبيل المثال في عام ١٩١٠م (٢٠٠,٠٠٠) باون، أما الأصواف التي تستوردها فقد بلغت قيمتها في عام ١٩١٢م (٢٥,٠٠٠) باون فضلا عن استيرادها من الموصل، الصمغ وجلود الأغنام والماعز والابقار والعفص والقطن.

– الصادرات إلى المانيا:
كانت للعلاقات الوثيقة التي تربط الدول العثمانية وألمانيا أثر في نشاط تجارة الموصل، وفي مقدمة الصادرات الحبوب (الحنطة والشعير) والقطن، ويذكر الاقتصادي العراقي عبد الفتاح إبراهيم في مؤلفه الموسوم (على طريق الهند)، أن الالماني (روهرباخ) حول إمكانات العراق الاقتصادية الكبيرة: “إن العراق وحده يستطيع أن يمون المانيا بكل ما تحتاج اليه من قطن وحبوب …”،وقد تمثلت صادرات الموصل لألمانيا، الاصواف، الجلود، اللوز، الحنظل، ريش الطيور.

– الصادرات إلى فرنسا:
اتسمت العلاقات التجارية بين الموصل وفرنسا بالمتواضعة قياسا لعلاقاتها التجارية مع بريطانيا وألمانيا، وسبب ذلك تقليص فرنسا نفوذها في الموصل وتحويل اهتماماتها نحو بلاد الشام مع بدايات الحرب العالمية الأولى.
كانت فرنسا تستورد من الموصل جلود الأغنام والماعز والسمسم والصوف والعفص، وفي فترة كانت تستورد الورد (الجمد وأنواع أخرى) لصنع العطور، وخاصة (مرسيليا) التي اتسمت بعلاقات جيدة مع الموصل.
وكانت الموصل مشهورة بإنتاج نوع فاخر من الاقمشة عرف باسم (موسلين) نسبة الى (الموصل)، وقد عمل كثير من سكان الموصل في تجارة الاقمشة والمنسوجات القطنية أيضا، وكانت المنسوجات القطنية تصدر الى حلب حيث تباع هناك الى التجار الفرنسيين الذين يقومون بشحنها من هناك الى ميناء (مرسيليا).

– الصادرات إلى الولايات المتحدة الامريكية :
صدّرت الموصل إلى الولايات المتحدة الامريكية الأصواف وأنواع الجلود والمصارين التي حظيت بقبول واسع في أسواقها، أما عرق السوس فقد أنشأت الولايات المتحدة الامريكية معملا في الموصل سنة ١٩١١م لكبس وتصدير عرق السوس، الذي كان يستخدم في عدد من القرى كحطب ووقود، كما يستخدم ويباع شرابا في الموصل لاسيما في فصل الصيف، ولا تزرع هذه المادة بل تنمو في الطبيعة، وتكثر في الموصل على ضفاف الأنهار، وقد بلغت قيمة ما كان تصدره الموصل الى الولايات المتحدة الامريكية حتى قيام الحرب العالمية الأولى بـ (٢,٠٠٠ – ٣,٠٠٠) باون إسترليني.

– الصادرات الى الهند :
شهدت تجارة الموصل مع الهند تطورا ملحوظا وخاصة في مجال تصدير الخيول العربية الأصيلة التي كانت تصدر الى البصرة أولا ثم تشحن من هناك الى الهند، وقد احتلت تجارة الخيول المرتبة الأولى في الصادرات الموصلية الى الهند، فبرزت في الموصل عوائل معينة تخصصت في تصدير الخيول الى الهند مثل عائلة آل الطالب وعائلة الجومرد وعائلة الراوي، كما كان لقبيلة شمر أشخاص معينون يتعاطون هذه التجارة.
ومن الجدير بالذكر أن تجارة الخيول كانت تدر أرباحا طائلة، فقد كان للموصل النصيب الأكبر من المجموع الكلي للخيول التي كان يصدرها العراق والتي بلغ عددها سنة ١٩١٢م (١٤١٣) خيلا قدرت قيمتها بحوالي (٣٥,٣٢٥) جنيها إسترلينيا ثم ازدادت في العام التالي لتصل إلى (١٧٤٩) خيلا قدرت قيمتها بـ (٤٣,٧٢٥) جنيها إسترلينيا.
من خلال هذا العرض الموجز لصادرات العراق والتي اخترنا أحد مدنه (الموصل) انموذجا قبل مائة عام – يجعلنا نتوقف قليلا ونتساءل:
هل فعلا كان العراق يصدر قبل مائة عام ؟
واليوم يستورد كل شيء ؟!
لماذا ؟!
ومن السبب ؟!

للاستزادة الاطلاع على المصادر والمراجع الآتية :
١ – عبد الفتاح إبراهيم، على طريق الهند، ط٢، (بغداد، ١٩٥٣).
٢ – مير بصري، مباحث في الاقتصاد العراقي (بغداد، ١٩٤٨).
٣ – عبد الرحمن الجليلي، محاضرات في اقتصاديات العراق، (مصر، ١٩٥٥).
٤ – محمد سلمان حسن، التطور الاقتصادي في العراق (بيروت، ١٩٦٥).
٥ – سعيد الديوه جي، تاريخ الموصل، ج١، (الموصل، ١٩٨٢).
٦ – سعيد الديوه جي، صناعة النسيج في الموصل، (الموصل، ١٩٨٧).
٧ – سعيد عبود السامرائي، اقتصاديات العراق، (بغداد، ١٩٧٠).
٨ – طه الهاشمي، جغرافية العراق، (بغداد، ١٩٣٣).
٩ – إبراهيم خليل أحمد، ولاية الموصل دراسة في تطوراتها السياسية ١٩٠٨ – ١٩٢٢، (كلية الآداب، جامعة بغداد، ١٩٧٥).
١٠ – أياد علي ياسين سرحان، بواكير النشاط الأمريكي في العراق حتى عام ١٩٢١(كلية التربية، جامعة الموصل،٢٠٠١).
١١ – محمد داخل كريم السعدي، المصالح الأجنبية في الموصل١٨٣٤ – ١٩١٤، (كلية الآداب، جامعة الموصل، ١٩٩٩م).
١٢ – زهير علي النحاس، تاريخ النشاط التجاري في الموصل بين الحربين العالميتين ١٩١٩ – ١٩٣٩(كلية الآداب، جامعة الموصل، ١٩٩٥).
١٣ – خليل علي مراد، تجارة الموصل، موسوعة الموصل الحضارية، ج٤، جامعة الموصل، ١٩٩٢)
١٤ – خليل مراد، النظام المالي، موسوعة الموصل الحضارية، ج٤، (جامعة الموصل، ١٩٩٢).

مقال خاص براسام