توفر الانتخابات المقبلة فرصة لتغيير الوضع في العراق واحتواء إيران بهذه العملية.
شهدت بغداد مؤخرا تفجيرين انتحاريين مزدوجين في سوق مزدحمة أسفرت عن مقتل 32 شخصا وإصابة أكثر من 100 آخرين. كان هذا الهجوم هو الأكثر دموية منذ سنوات عديدة، ويأتي بعد يوم واحد فقط من تنصيب الرئيس الأمريكي جو بايدن، وهو تذكير بأن المخاطر التي يواجهها العراق من التطرف لا تزال حقيقية، وأن وضع البلاد لا يزال محفوفًا بالمخاطر من نواحِ كثيرة.
ويعد الهجوم أيضًا بمثابة تذكير بأن العراق يجب أن يكون على أجندة إدارة بايدن، على الرغم من أنه يبدو لا يمثل له أولوية على الإطلاق. علما أنه ستتم مراقبة كيفية تعامل بايدن وفريقه مع العراق عن كثب في الشرق الأوسط وخارجه. بسبب تأثيره الاستراتيجي على سياسات الشرق الأوسط والتداعيات التي يتركها نجاح أو فشل حكومة العراق على مكانة الولايات المتحدة في العالم .
يشهد العراق لحظات حرجة وهو يستعد للانتخابات الوطنية في تشرين الأول (أكتوبر) القادم والتي يمكن أن تساعد البلاد على الخروج أخيرًا من قبضة الأحزاب السياسية الطائفية الفاسدة، أو على الأقل تحجيم المكاسب التي حققتها.
يتولى فريق بايدن الحكم بعد مرور 10 سنوات على الانتفاضات العربية التي أساءت الولايات المتحدة إدارتها إلى حد كبير. في عراق اليوم أيضا هناك حركة ناشئة مهمة بين الشباب العراقي ترفض سياسات الهوية القائمة على الطائفية، التي لها تاريخ دموي من خلال استغلالها لتقسيم شعب العراق إلى سنة وشيعة وأكراد وغيرهم من الجماعات. إن أسوأ ما يمكن تصوره هو إذا عادت الإدارة الأمريكية الجديدة إلى المقترحات القديمة التي سبق وأن طرحها بايدن في الماضي لتعميق الانقسامات الطائفية في العراق كوسيلة لحكم البلاد. بدلاً من ذلك، يجب على واشنطن دعم السيادة العراقية والاستقرار والحكم الرشيد.
سيكون للكثيرين في الإدارة الأمريكية الجديدة إرث عراقي، حتى لو كانوا لا يريدونه، مثل بايدن الرئيس الجديد، الذي زار العراق عدة مرات كعضو في مجلس الشيوخ ونائب الرئيس الأمريكي.
لقد لعب بايدن سابقا، كرئيس للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، دورًا مهمًا في منح الرئيس آنذاك جورج دبليو بوش الإذن بحرب العراق عام 2002. في مقال رأي عام 2006 لصحيفة نيويورك تايمز، اقترح بايدن تقطيع أوصال العراق على أسس طائفية وعرقية. وبينما تقول مصادر مقربة من بايدن إنه تخلى عن هذا التفكير منذ فترة طويلة، إلا أنه لم يلغه تماما بعد.
كلف الرئيس باراك أوباما، في حينه، بايدن عندما كان نائبا للرئيس، بالإشراف على ملف العراق وكان ينظر إليه على نطاق واسع كونه صانع ملوك عندما ألقى بثقله وراء حصول نوري المالكي على ولاية أخرى كرئيس للوزراء عام 2010. ولكن في الوقت نفسه، بذلت إدارة أوباما قصارى جهدها لتجاهل التدخل الإيراني المدمر في العراق.
إن بايدن ليس هو الوحيد الذي له تاريخ مهم مع العراق، فمرشحيه لمنصب وزير الدفاع، لويد أوستن، ووزير الخارجية، أنتوني بلينكين، على دراية جيدة بالعراق. فقد خدم لويد أوستن كقائد في حرب العراق عام 2003 ثم ترأس لاحقًا القيادة المركزية الأمريكية، وأشرف على سحب القوات الأمريكية من العراق وعودتها لاحقًا لمحاربة تنظيم الدولة “داعش”. كذلك فإن بايدن، من خلال تسمية باربرا ليف كمديرة أولى لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مجلس الأمن القومي وبريت ماكغورك منسقًا للشرق الأوسط وشمال إفريقيا، قد جلب دبلوماسيين مخضرمين عملوا في العراق إلى قمة صنع القرار في مجلس الأمن القومي.
من الممكن أن تكون الخبرة والعلاقات الشخصية لهؤلاء المسؤولين في العراق، مفيدة أثناء الحوار الثنائي، لكن العراق قد تغير بشكل كبير منذ أن كانوا في مناصبهم سابقا. رئيس الوزراء العراقي الحالي، مصطفى الكاظمي، هو أول رئيس وزراء غير إسلامي منذ عام 2005. وقد دعا إلى حكم مدني غير طائفي في العراق. كما أن الرئيس برهم صالح هو أيضا من دعاة السياسة غير الطائفية والتقدمية. وبالتالي لا ينبغي تبديد فرصة العمل مع كليهما.
هناك فرصة محدودة لكنها مهمة لتغيير الوضع في العراق، إلا أنها لن تكون سهلة. مع احتمالية حدوث انتخابات في تشرين الأول (أكتوبر)، فإن مساحة العمل مع الكاظمي وبرهم صالح ستكون مقيدة بأقل من تسعة أشهر. سيبذل قادة الميليشيات الفاسدون ووكلاء إيران في العراق، أثناء الانتخابات وتشكيل الحكومة المقبلة، كل ما في وسعهم لإبعاد الأحزاب السياسية والتقدمية العلمانية عن السلطة. لتجنب حدوث ذلك، يجب أن يكون للإدارة الأمريكية ثلاث أولويات في العراق:
أولاً: يجب أن لا تسمح واشنطن للعناصر المتطرفة، أياً كانت عقيدتها، بمهاجمة المصالح الأمريكية في البلاد. وأن لا تقتصر هذه المصالح على سلامة سفارة الولايات المتحدة وقواعد القوات الأمريكية فحسب، بل يجب أن تشمل استقرار العراق بشكل عام، بما في ذلك حكومته وبنيته التحتية ومنشآته النفطية وحدوده مع حلفاء الولايات المتحدة، ولا سيما المملكة العربية السعودية والأردن والكويت. يجب على الولايات المتحدة أيضًا أن تدعم الحكومة الحالية من خلال دعم قدرتها على توفير الأمن والخدمات الأساسية للشعب العراقي، ومساعدة الحكم العلماني والتقدمي على اكتساب المزيد من الشرعية.
ثانيًا: هناك معركة أفكار ومبادئ مشتعلة في الشرق الأوسط، والولايات المتحدة جزء من تلك المعركة. حيث يعمل الشباب، سواء في العراق أو لبنان، ضد الطائفية والفساد والمحسوبية.
خرج الشباب العراقي إلى الشوارع منذ أكثر من عام للمطالبة بمستقبل أفضل. ويجب ألا تقف الولايات المتحدة موقف المتفرج. يجب أن تشارك في المعركة العراقية والشرق أوسطية من أجل المثل العليا التقدمية ودعم الدولة القومية العلمانية ضد الميليشيات والحكم الطائفي.
ثالثًا: يجب على واشنطن التصدي لأجندة إيران التوسعية في المنطقة من خلال مساعدة العراق على استعادة سيادته والحد من التدخل الأجنبي في البلاد. إن ضمان سير العراق بثبات على الطريق الصحيح سيجعل منه جهة فاعلة أكثر حيادية وتأثيراً في المنطقة وهذا من شأنه أن يفيد المصالح الأمريكية ويحقق المزيد من الاستقرار في المنطقة.
ومن الملفت للانتباه أن واشنطن لم تذكر العراق حتى مع وجود شبه إجماع على أن إيران ستكون من بين أهم قضايا السياسة الخارجية التي ستعالجها إدارة بايدن في وقت مبكر. إن التعامل مع إيران وبرنامجها النووي بمعزل عن سياساتها التوسعية في المنطقة، وخاصة في العراق هو قصر نظر، حيث أن تلك السياسات هي جزء من المشكلة ويجب معالجتها والحد منها.
قال بلينكين في جلسة الاستماع في مجلس الشيوخ أن دول الخليج العربي والكيان الصهيوني ستشارك في محادثات محتملة مع إيران حول دورها في المنطقة. ولم يرد ذكر العراق، رغم أنه في قلب طموحات إيران التوسعية في المنطقة.
هناك مفهوم خاطئ شائع مفاده أن لإيران “دور طبيعي” في العراق، سواء بسبب الروابط الثقافية أو الطموحات الإمبريالية لطهران. ومع ذلك، لا يوجد سبب لأن يكون لإيران دور سياسي أو أمني في دول أخرى ذات سيادة. لا شك أن الروابط الثقافية مهمة. لكن وجود ميليشيات في العراق مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني وعبور القادة العسكريين الإيرانيين للحدود المشتركة بحرية يتجاوز التأثير الثقافي. يجب ألا يُنظر إلى العراق من منظور الأجندة الإيرانية فقط.
تمتلك الولايات المتحدة عددًا من أدوات التأثير القوية التي يمكنها استخدامها في العراق. إن الوجود المادي، سواء كان جنودًا أمريكيين أو طاقم سفارة، مطلوب لإظهار الالتزام والمساعدة في استقرار العراق. وبصرف النظر عن حلفاء إيران المتحمسين في بغداد، الذين يرغبون بإخراج الولايات المتحدة من العراق، فإن القادة السياسيون يفضلون الوجود الأمريكي الذي يخلق ثقلًا موازنًا لإيران. وهناك أداة أخرى هي العقوبات، التي استخدمتها إدارة ترمب بشكل متكرر.
إن تصنيف الولايات المتحدة لبعض الشخصيات كإرهابيين يمكن أن ينهي التطلعات السياسية لأي شخص يرغب في دخول الحكومة وممارسة السلطة.
إن السياسيين في العراق يدركون أن إدارة بايدن لديها القليل من الوقت والموارد لتبديدها في بلادهم. وهذا يُقلق أولئك الذين يأملون في رؤية دور مهم وعلاقات وثيقة للولايات المتحدة هناك. أما بالنسبة لأولئك المتحالفين مع إيران، الذين يرون في الولايات المتحدة تحديًا لخططهم، فإن هذا تطور مرحب به.
لذلك يجب ألا يحصلوا على ما يأملون فيه.
فورن بولسي /مينا العريبي
ترجمة وتحرير: راسام

