شاهو القره داغي

أعلن البنك المركزي العراقي يوم السبت (19 ديسمبر) عن خفض سعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار ليصبح 1450 دينارا لكل دولار بعد أن كان السعر السابق يبلغ 1119 دينارا، نتيجة الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد بسبب أزمة مرض فيروس كورونا الجديد (كوفيد-19).
وحدد البنك في بيان سعر شراء العملة الأجنبية من وزارة المالية العراقية ليكون 1450 دينارا. وأشار البنك إلى أنه سوف يبيع الدولار بسعر 1460 دينارا للمصارف العراقية، و1470 دينارا للمواطنين. وعزا البنك أسباب هذا القرار إلى الأزمة المالية التي تعرض لها العراق بسبب أزمة كورونا وما أسفرت عنه من تدهور أسعار النفط وتراجع الإيرادات النفطية، ما أدى إلى حدوث عجز كبير في الموازنة العامة واضطرار وزارة المالية للاقتراض من المصارف وإعادة خصمها لدى البنك المركزي وبمبالغ كبيرة لدفع الرواتب وتلبية الاحتياجات الإنفاقية .
وقد حاولت الحكومة العراقية أن تُبرر هذا القرار بأنه خطوة صحيحة لمواجهة الازمة المالية ولن يؤثر على المواطنين و الفقراء، حيث صرح وزير المالية العراقي (علي عبدالامير علاوي) بأن “الفئات الهشة (الفقيرة) لا تتأثر بشكل مباشر من قرار خفض قيمة العملة العراقية ، فهذا يعتمد على سلتهم الغذائية، فضلاً عن أن ايجار المنازل لا يتأثر بهذا القرار فهي أصول مسعرة بالدينار العراقي، وتلك الفئات ليس لديها وسائل نقل خاصة، وبالتالي فهي لا تتأثر بمسألة المواد الأولية، وسيكون هناك حوافز كبيرة في الموازنة المقبلة لدعم مثل تلك الفئات وتقليل أي آثار محتملة عليهم”.
بينما تحدث وزير الداخلية العراقي عن تحريك مفارز في كل المحافظات لضرب الفاسدين بيد من حديد وتطبيق القانون الصارم و قطع يد من يحاول استغلال قوت الشعب والإساءة للشعب العراقي.
الماكينة الإعلامية الحكومية و الكثير من الأطراف القريبة من الحكومة عملت جاهداً على تصوير هذه الخطوة كخطوة إصلاحية و ضرورية لإنقاذ الاقتصاد العراقي من الانهيار و حاولوا تقديم هذه الخطوة كإنجاز حكومي يُحسب للحكومة الحالية ، ولكن في نفس الوقت هناك تصريحات رسمية تدحض هذه الادعاءات الحكومية ، حيث أكد عضو اللجنة المالية النيابية النائب محمد صاحب الدراجي أن فرق سعر البيع بين البنك و السوق 110 دينار لكل دولار يعني الربح 25 مليار دولار في يوم واحد! و الأرباح تذهب لتجار العملة وليس للدولة والمواطن” حسب تعبير النائب!
ومن الواضح أن الدولة عاجزة عن محاسبة الأطراف السياسية التي ربحت المليارات من خلال الفساد في البنك المركزي و تجار العملة ، وبالتالي تلجأ إلى اتخاذ إجراءات أخرى لا تؤثر على ثروات السياسيين و الأحزاب السياسية بل تؤثر على الوضع المعيشي و تؤدي لزيادة الفقر في المجتمع العراقي الذي يعاني أصلا من المشاكل الاقتصادية في ظل الركود الذي حصل نتيجة لانخفاض أسعار النفط و انتشار فيروس كورونا .
اغلب المواد والسلع و المنتجات الأساسية في العراق تأتي من خارج الحدود ، واقتصاد العراق اقتصاد استهلاكي يعتمد على الخارج في توفير حاجياته الرئيسية ، و الاستيراد من الخارج غالباً يكون بالدولار الأمريكي ، وهذا يعني أن الأسعار ترتفع في السوق تدريجياً بعد هذا القرار ، حيث يحاول التجار تدارك الفرق الكبير الحاصل بصورة مفاجئة و لتجنب الخسائر الكبيرة يتم رفع الأسعار في السوق، وشهدت الأسواق العراقية ارتفاعاً في الأسعار على الرغم من الوعود الحكومية بمنع حدوث هذه الحالة، وهذا يؤكد ان الحكومة اتخذت هذه الخطوة دون دراسة كافية لتداعياتها السلبية على المواطنين او دون الاستعداد الكامل لرقابة كاملة و منع زيادة الأسعار الناجم عن هذا القرار، وهذا يعني أن المواطن الفقير سيكون أول من يدفع ثمن هذا القرار و يزداد معاناته في ظل الظروف الحالية.
في الدول التي تمتلك قادة أصحاب رؤية واضحة و دقيقة واستراتيجية بعيدة المدى، من الممكن استغلال هذه الخطوات عن طريق تفعيل الصناعة الوطنية و الاكتفاء الذاتي وعدم تأثير فرق العملة على المواد الأساسية التي يتم انتاجها من الداخل وتحويل التهديدات الى فرص حقيقية في ظل الإرادة الوطنية الحقيقية.
بينما في العراق ومنذ 2003 توقف أكثر من 90 بالمئة من المصانع و المعامل عن العمل ، ما دفع البلاد للاعتماد على الاستيراد من دول الجوار، وقد وصل نسبة الاستيراد سنوياً إلى 50 مليار دولار في ظل غياب أي استراتيجية للدولة لإعادة تشغيل هذه المصانع والمعامل المغلقة والتي يصل عددها إلى 140 ألف مصنع تم إغلاقها نتيجة لغياب التخطيط و الفساد و الإهمال و التهديدات الأمنية.
هذه الإجراءات الغير مدروسة و القائمة على ترضية الأطراف السياسية لإطالة عمر هذا النظام السياسي القائم على المحاصصة و حكم الميليشيات، يؤدي إلى زيادة الأعباء على المواطنين و ارتفاع أسعار الادوية و المواد الغذائية الرئيسية و زيادة البطالة و تراجع القطاع الخاص و اختفاء الطبقة الوسطى و زيادة الفقراء في المجتمع .
بدأ رئيس الوزراء الحالي مشواره بزيارة المعابر الحدودية و التعهد بإنهاء التهريب و زيادة إيرادات الدولة و محاسبة حيتان الفساد و إيقاف هدر الأموال وبشر العراقيين بتحقيق الرفاهية والعيش الكريم، ولكنه لم ينجح في تحويل هذه الوعود إلى ارض الواقع و تحقيقه للمواطنين، وبدل ذلك لجأ إلى إجراءات أخرى تصب في صالح حيتان الفساد و السياسيين و تُحول حياة العراقيين إلى جحيم من البطالة والبؤس و الفقر.

مقال خاص براسام