نظير الكندوري
بعد انتهاء المعارك الرئيسية مع تنظيم داعش في العراق عام 2017، رجح العديد من المراقبين أن ما يسمى بـ”الحشد الشعبي” الذي تم أنشائه لغرض مقاتلة هذا التنظيم، والمُشكل من عدد من المليشيات المسلحة الموجودة أصلًا، ستعود لتتحارب فيما بينها، في ظل زوال العدو الوهمي المشترك لها. ورغم محاولات النظام الإيراني والعراقي لإحياء عدوٍ جديد، أو إعادة الحياة لنفس العدو السابق “تنظيم داعش” ليحقق لها دوام استمرار الحشد الشعبي، والمليشيات المنضوية تحت هذا العنوان، إلَّا أن جميع المحاولات باءت بالفشل. رافق ذلك انحسار الموارد المادية التي كانت المليشيات تستفيد منها في المناطق السنية، بعد سنوات من عمليات النهب والافقار المتعمد لأهالي تلك المناطق، ثم انخفاض أسعار النفط، بالإضافة إلى العقوبات الأمريكية القاسية على حليفها النظام الإيراني، كل ذلك جعل الدنيا تضيق على هذه المليشيات بما رحبت، وأصبح التنافس فيما بينها يظهر إلى العلن، حتى انطبق عليها وصف وزير المالية الحالي “علي عبد الأمير علاوي” حينما قال: “الوضع في العراق مثل مستنقع أفريقي تعرض للجفاف، عندها تخرج الأسماك عن السيطرة نتيجة نقص الأوكسجين”.
متى بدأ هذا التنافس؟
ما فجر هذا التنافس بينهما، هو غياب قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس اللذان كان لهما الدور الأكبر في توحيد هذه المليشيات، والحيلولة دون وقوع الاحتراب بينهما. وأول بوادر المفاصلة بين هذه المليشيات هو اعتراض ما يسمى بالفصائل التابعة لمرجعية رجل الدين الشيعي علي السيستاني، على اختيار “عبدالعزيز المحمداوي”، المعروف بـ”أبو فدك” أو “الخال”، بديلاً عن أبو مهدي المهندس. وهذه المليشيات هي (فرفة الإمام علي، لواء علي الأكبر، وفرقة العباس، ولواء أنصار المرجعية).
من جانب أخر، مع تنامي نفوذ مليشيات الحشد ومن خلفها المليشيات الولائية التي تحاول استنساخ تجربة الحرس الثوري الإيراني في العراق، شعرت مرجعية السيستاني بالخطر، وبدأت تحاول حماية نفسها من هذا التأثير المتنامي للمليشيات الولائية، وتتخذ من المليشيات الأربعة التابعة لها التي تُشكل أكثر من 40% من تعداد عناصر “الحشد الشعبي” كقوة خاصة لها، لتقف بوجه من يحاول المساس بنفوذها في العراق. ولأجل ذلك، قامت المرجعية في بداية شهر كانون الأول الجاري، برعاية مؤتمر للمليشيات الأربعة، تحت شعار “حشد العتبات حاضنة الفتوى وبناة الدولة”، وضعت فيه النقاط على الحروف، ولتميز نفسها عن المليشيات التابعة لإيران. ويتمخض عن جملة من القرارات العلنية وأخرى مخفية، تؤصل لنفسها هوية جديدة، وفي حشد ثاني جديد، يفتح الباب واسعًا لتشكيل حشود أخرى وفق عقيدة عسكرية ودينية غير التي يحملها الحشد الشعبي، أكدوا فيها بأن ما يسمى بـ”حشد النجف”، كان ولا يزال وسيبقى المدافع الأصيل والحامي للوطن وشعبه، وأن ارتباطهم بالقائد العام للقوات المسلحة. وهي بذلك تُعرّض بباقي المليشيات المنضوية ضمن الحشد الشعبي والموالية لإيران والمشكوك بولائها للعراق. ويمكن تلمس الخلاف المستحكم بين الحشدين، من خلال حرص حشد النجف على التأكيد، بأنه هو الوحيد من يجسد فتوى المرجعية عام 2014، عكس الحشد الشعبي الذي يتهم بولائه لدولة أجنبية مجاورة، في محاولة قوية لسحب الشرعية من الحشد الشعبي، وهذا ما سبب قلق قادة الحشد الشعبي بشدة، جعلتهم يقاطعون المؤتمر، لتبرز لنا صورة فيها حشدان مختلفان ومتنافسان من حيث تبعيتهم العقائدية وتوجهاتهم العسكرية.
ما هو مغزى توقيت انعقاد المؤتمر؟
ويرجح مراقبون، أن انعقاد المؤتمر بهذا التوقيت، هي خطوة استباقية لإعلان الانفصال الكلي لحشد النجف عن الحشد الشعبي، وذلك من خلال القيام بتذويب تشكيلاتها داخل المؤسسة العسكرية بشكل تام، لتجعل الحشد الشعبي في وضع محرج. لكن الحقائق على الأرض لا ترجح حدوث مثل هذا السيناريو، فالحشد الجديد، سيكون حشدًا يأتمر بأوامر مرجعية النجف، وسيبقى أسيرًا للتناقضات بين أوامر القائد العام للقوات المسلحة من جهة، ورغبات المرجعية من جهة أخرى، كما هو الحال في الحشد الشعبي الذي يتناقض في تصرفاته ما بين مرجعيته إلى علي خامنئي ومرجعيته لرئيس الوزراء.
لكن أخرون ذهبوا إلى غير تلكما الوجهتين، وصرحوا بأن تشكيل هذا الحشد الجديد، هو نابع من حقيقة الصراع الخفي بين قم والنجف على زعامة الشيعة بالعالم، وترى مرجعية السيستاني بأن الحشد الشعبي والفصائل الولائيةـ تشكل تهديدًا جديًا عليها، وهي التي تجاهر بولائها للمرشد الإيراني علانيةً، وبالتالي فإن من الضروري وجود قوة كافية تحميه من هذه الفصائل الولائية.
السيستاني هو المسؤول عن تغول الحشد الشعبي
إن تشكيل “حشد النجف” برعاية من المرجع علي السيستاني، ينسف كل الآمال التي علّقها البعض، على تراجع السيستاني عن فتواه الشهيرة بالجهاد الكفائي، التي تم تشكيل الحشد الشعبي على أساسها. فالسيستاني قد سكت في بداية الأمر عن تحريف فتواه التي كانت تدعو الشباب الشيعي للتطوع في صفوف الأجهزة الأمنية لمواجهة داعش، بينما الذي حصل هو إنشاء قوة عسكرية بمعزل عن القوات المسلحة العراقية، لها قيادتها المستقلة وولائها المستقل لإيران. ثم لاذ السيستاني بالصمت إزاء الدعوات التي وجهت إليه بإبطال فتواه بسبب زوال سبب أصدراها حينما انتهت المعارك مع تنظيم داعش. ثم بدأت مليشيات الحشد تتوسع في عملياتها خارج الأراضي العراقية، لتشمل عمليات انقاذ النظام السوري من الثورة الشعبية السورية، ومع ذلك لم يحرك السيستاني ساكنا إزاء هذا الأمر. ثم انتقل الحشد لاضطهاد المتظاهرين، وتشكيل مليشيات خارج الحشد تسمى “الفصائل الولائية”، ومع ذلك لاذ السيستاني بالصمت إزاء كل هذا التغول للمليشيات، حتى وصل إلى المرحلة التي بدأ يتخوف على نفسه ومرجعيته ليقوم بإنشاء حشد جديد محسوب عليه سمي “حشد النجف”.
لكن هل سيكون هذا هو أخر المطاف؟ لا أحد يعلم، لان تشكيل مثل هذا الحشد الجديد، سيفتح الباب واسعًا أمام تشكيل حشود عسكرية غير رسمية جديدة، لكل من يشعر بالخطر، ولا غرابة إذا ما شهدنا حشودًا سنيَّة أو كردية وحتى تركمانية ومسيحية جديدة، غير الموجودة حاليًا في ظل الضعف الذي تعاني منه الحكومة. ودولة الحشود التي ستتشكل في العراق، سيكون السيستاني هو المسؤول الأول عنها بفتواه سيئة الصيت، ثم احجامه المذموم عن التراجع عنها.
باب الصراع بين الحشدين سيفتح سريعًا
إن اقدام السيستاني على تشكيل حشد خاص به، يفتح باب الصراع واسعًا بينه وبين الحشد الشعبي، من أجل الفوز في الشرعية المطلوبة لبقاء أيٍ منهما. فمن ناحيته يتمسك الأمين العام لـ«فرقة العباس القتالية” وهي أحدى الفصائل الأربعة الموالية للسيستاني، “ميثم الزيدي”، برؤيته القاضية بضرورة الانفصال عن “هيئة الحشد”، متسلّحاً بغطاء قانونيّ سبق أن نالته الفصائل الأربعة إبّان فترة حكم عادل عبدالمهدي. ويرى الزيدي (الذي يعتبر القائد الفعلي لحشد النجف)، بأن “حشد النجف” هو الممثل الحقيقي لـ”فتوى الجهاد الكفائي” التي أطلقها المرجع الديني علي السيستاني. ويرى مراقبون، بأن الشعار الذي رفعه مؤتمر المليشيات الأربعة التابعة للسيستاني، “حشد العتبات حاضنة الفتوى وبناة الدولة”، يدل على اعتراضهم على الحشد الحالي المعروف بولائه لإيران، ويسعون لتجريد مليشيات الحشد الشعبي من سلطتها وشرعيتها. رافق ذلك صمت حكومي لافت، فحكومة الكاظمي تجد نفسها، أضعف من أن تكون وسط هذا الخلاف الذي ربما يتحول بسرعة إلى صراع مسلح لا تُعرف أبعاده.
حشد ثالث في طريقه للتشكل
وفي خضم كل تلك الخلافات بين المليشيات الشيعية، لا ننسى أن هناك قوة ثالثة لا تمت بصلة للحشدين، هي القوة التي يمتلكها مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري، والذي لديه تاريخ حافل في تغيير مواقفه، فتارة تجده مع معارضة المليشيات الولائية، وتارة تجده متحالفًا معها. لكن يبقى للصدر طموحاته الخاصة باختطاف ثمرة الانتخابات القادمة ليشكل بها حكومته الصدرية الخاصة وبرضى إيراني.
حيث أن الفشل الذي واجه أحزاب السلطة وميلشياتها في القضاء على ثورة تشرين، جعلت من الصدر وتياره، الخيار الأمثل للقضاء على الثورة، بمقابل هذا يمنحون للصدر أغلبية في البرلمان ورئاسة الوزراء، ورغم أهمية وخطورة منصب رئاسة الوزراء، لكن الأحزاب والمليشيات الولائية لا تشعر بالقلق من ذلك، كونها قد وصلت للمرحلة التي سيطرت على مفاصل الدولة، بمعزل عن الحكومة ومؤسساتها، وهذا ما يفسر لنا سر فشل كل رؤساء الوزراء الذين جاءوا بعد تشكيل الحشد الشعبي.
من ناحية أخرى، وفي حال فشل الصدر في التصدي لثوار تشرين وخسارته لشعبيته في هذه المغامرة، فالأمر لن يضر تلك الأحزاب والمليشيات التي ستستفيد من هذه الخسارة، في إزاحة التيار الصدري وزعيمه مقتدى من المشهد السياسي. واستنادًا إلى هذا الاتفاق، قام الصدر بشن حربه على ثوار تشرين، وما أحداث الناصرية الأخيرة إلَّا شاهد على ذلك. لكن ما كان يحذر منه قد تحقق، وهو خسارتهِ لشعبيتهِ بعد اضطهاده لثوار تشرين، وفي سبيل إعادة شعبيته المهدورة، ومسكه لزمام الأمور مرة أخرى، قام بإطلاق مبادرة طائفية جديدة، دعا فيها لـ”ترميم البيت الشيعي” وهي دعوة طائفية بامتياز، ستكون تمهيدًا لخطوته اللاحقة المتوقعة، وهي قيامه بتشكيل حشدٍ جديد، تكون مليشيا “سرايا السلام” نواته الأولى. وقد طُرحت بالفعل دعوات لمثل هذا الحشد على مواقع التواصل، من خلال إعادة تشكيل “جيش المهدي”، ليكون الحشد الشعبي الثالث في العراق. ومن المؤمل أن يكون متحالفًا مع الحشد الشعبي حاليًا ضد حشد النجف، لكن ليس مستبعدًا أن يتركهم ويتحالف مع حشد النجف كما عرف بمواقفه المتناقضة، ليمارسوا مسرحية دموية هزلية على الشعب العراقي، لا يمكن انهاؤها سوى بزوال نظام هذه الأحزاب والمليشيات الإجرامية.
مقال خاص براسام

