أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

كان وقع نبأ اغتيال بكر صدقي (رئيس أركان الجيش) ومحمد علي جواد (آمر القوة الجوية) بالموصل وقع الصدمة المفاجئة على أعوان بكر صدقي من العسكريين وعلى حكمت سليمان (رئيس الوزراء نفسه) الذي أصيب بالذهول للوهلة الأولى. بل استقبل هؤلاء هذا النبأ بالاستياء الشديد وطالبوا بأخذ الثأر له، واتخذوا تدابير عدة بهذا الشأن. فقد تولى العميد إسماعيل حقي الآغا (نائب قائد الفرقة الأولى) زعامة الضباط الموالين لبكر للسيطرة على الموقف في بغداد، كما تولى العقيد شاكر الوادي (قيادة القوة الجوية) في حين غدا عبد اللطيف نوري (رئيسا لأركان الجيش) ومحمد علي محمود الشيخ علي (وكيلا لوزارة الدفاع). وبعد أن تداول حكمت سليمان مع هؤلاء بالأمر، ايّد أخيرا رغبة أعوان بكر في الاقتصاص من مدبري الحادث، بل هدد بإنزال أشد العقاب بهم. لاسيما ان حكمت سليمان أعلن رغبته هذه من خلال المكالمة الهاتفية مع اللواء محمد أمين العمري (آمر منطقة الموصل) الذي عرف عنه – العمري- معارضته الشديدة لسياسة بكر صدقي.
والعمري من مواليد الموصل العام ١٨٨٩م، أكمل دراسته ببغداد ودخل المدرسة الحربية في الاستانة. تخرج ضابطا في الجيش في العام ١٩٠٩، وعين في (اورفه)، ثم إلتحق بالجيش العراقي في العام ١٩٢١، وعين مدرسا في مدرسة الأركان، ثم معاونا لرئيس أركان الجيش في العام ١٩٣٦. كان من ضمن الضباط الذين أبعدهم بكر صدقي، حيث تم نقله الى الموصل آمرا لمنطقتها، ثم عين (رئيسا لأركان الجيش) في العام ١٩٤١، ثم استقال من منصبه، توفي في العام ١٩٤٦ ببغداد.
أبدى العمري تعاونه مع الكتلة القومية العسكرية – رغم عدم انتمائه إليهم- بتقديم المساعدة الممكنة – في حال نجاح خطة الاغتيال – بالسيطرة على لواء الموصل ومطالبة وزارة الانقلاب بالاستقالة.
إثر مقتل بكر صدقي بالموصل في ١١ آب ١٩٣٧ – كما ذكرنا سابقا – أعلن العمري عن تشكيل لجنة تحقيقية في محاولة من العمري لغلق القضية داخليا ولمنع أعوان بكر صدقي من الانتقام. لكن هذا الاجراء لم يحظ بموافقة بغداد، والتي أعلنت في ١٢ ١٩٣٧ آب عن تشكيل محكمة عسكرية ولجنة تحقيقية لمتابعة الحادث، ورفضهم القاطع للجنة التحقيقية التي شكلها (العمري) برئاسة حاكم جزاء الموصل ومدير الشرطة والمدعي العام.
اتصل حكمت سليمان (رئيس الوزراء) بأمين العمري (آمر منطقة الموصل) وطلب منه ارسال الموقوفين (المتهمين) الى بغداد لإجراء محاكمتهم أمام محكمة عسكرية خاصة. في حين كان من رأي العمري ارسال اللجنة التحقيقية الى الموصل خشية انتقام أعوان بكر من المتهمين في الحادث في بغداد. ولم تفلح محاولات العمري لإقناع سليمان بإجراء محاكمة المتهمين في الموصل من قبل اللجنة التي شكلتها الحكومة ببغداد والتي ترأسها العقيد الوقتي أنطوان لوقا نائب الاحكام بوزارة الدفاع وعضوية كل من الزعيم (العميد) إسماعيل حقي الأغا والعقيد شاكر الوادي، فضلا عن العقيد أحمد حمدي زينل (قائد الكتيبة الثالثة في الموصل – وهو من أنصار بكر -) وأجرت اللجنة تحقيقاتها الأولية.
وبعد التحقيقات الأولية التي تم إجراءها، أصدر (لوقا) أمرا باعتقال بعض الضباط المشتبه بهم في حين بقي (زينل) يواصل استجواباته ويتصل بجماعة بكر في بغداد ويتبادل المشورة معهم في هذه القضية.
وكان العمري بعد المكالمة الهاتفية (مع حكمت سلمان) قد أجرى اتصالات مع عدد من الضباط المتهمين وفي مقدمتهم (فهمي سعيد) وأطلعهم على ما دار من حديث مع (سليمان) وماذا يريد. فأجمعت آرائهم على التصدي وعدم الرضوخ وأناطوا باللواء (العمري) قيادة الموقف والذي قبل بدوره هذه المهمة.
في هذا الوقت تم اعتقال عدد كبير من الضباط، بلغ عددهم حوالي (٤٣) ضابطا من المشتبه بهم مع عدد من نواب الضباط والجنود. كما أصدر حكما بإرسال المتهمين الذين كان في مقدمتهم (فهمي سعيد ومحمود هندي) الى بغداد لإجراء محاكمتهم هناك . وإزاء إصرار حكمت سليمان وأعوان بكر على تنفيذ هذا الاجراء، قرر العمري رفضه له.
وفي (١٤ آب ١٩٣٧) أعلن (العمري) بدء انتفاضة الموصل العسكرية، من خلال بيانه الى الشعب العراقي والذي أعلن فيه قطع علاقة الموصل مع الحكومة المركزية في بغداد. وحظي بتأييد كتلة الضباط القوميين فضلا عن تأييد وكيل متصرف الموصل ومدير الشرطة، كما أعلنت جميع أقضية الموصل عن انضمامها وتأييدها لحركة الجيش هذه.
وأول ما قام به (العمري) هو اعتقال زينل ولوقا وبعض الضباط المناصرين لبكر صدقي. كما طالب المسؤولين في بغداد أن يكون إجراء المحاكمات والتحقيقات تحت اشرافه، بل هدد بالإطاحة بالحكومة القائمة والزحف الى بغداد في حالة رفضها لمطاليبه.
أوفد (العمري) حازم المفتي (من الشباب القومي) إلى بغداد لإبلاغ العقيد صلاح الدين الصباغ عما يجب عمله تجاه الوزارة القائمة ببغداد. وأورد المفتي في مذكراته عن هذه المهمة بقوله : “لقد زودني اللواء العمري برسالتين إحداهما الى السيد مصطفى العمري (وزير الداخلية في وزارة حكمت سليمان) والأخرى الى صلاح الدين الصباغ”. وعن أوضاع بغداد عقب اغتيال بكر صدقي عند وصوله اليها، يقول المفتي “تركت الموصل في الساعة الثامنة مساءا ووصلت ضواحي بغداد فجر اليوم التالي، وكانت الرقابة يقظة شديدة والقادمون يفتشون… قصدت وزارة الدفاع وبصحبتي صديق لي رأيته ببغداد وهو العقيد مظفر إبراهيم ودخلنا الى غرفة العقيد صلاح الدين الصباغ … انصرف مظفر وتركنا لوحدنا وكان الصباغ متلهفا لسماع أخبار الموصل … وجدته تغمره وطنية وحماس، فلما اطلع على الرسالة وسمع مني الإيضاحات الكافية، اصطحبني الى معسكر الوشاش …”.
أبدى (المفتي) إعجابه بحماسة ضباط معسكر الوشاش ووطنيتهم وإندفاعهم وتأييدهم لانتفاضة الموصل العسكرية ومؤازرتهم لها والعمل على احباط مخططات أعوان بكر صدقي واسقاط وزارة حكمت سليمان.
أنهى (المفتي) مهمته الأولى مع العقيد الصباغ ليتفرغ للمهمة الثانية ألا وهي إيصال رسالة اللواء العمري الى (مصطفى العمري) وزير الداخلية. ويصف (المفتي) مقابلته للعمري بقوله : “قابلت مصطفى العمري الذي كان بحكم منصبه يتمتع بحصانة وحرية، ونقلت اليه خلاصة الموقف في الوشاش، فاتصل بدوره تلفونيا بأمين العمري، وأخبره بما لاقت أعماله من رعاية وتأييد في أوساط الرأي العام السياسي في بغداد”. وعلى ما يبدو أن وزير الداخلية (مصطفى العمري) على الرغم من كونه ضمن تشكيلة وزارة حكمت سليمان كان من المستائين من حكومة الانقلاب، وربما كان يدعم دعما غير مباشر قريبه العمري لقيامه بهذه المهمة.
عاد (المفتي) الى الموصل مساء يوم ١٥ آب ١٩٣٧، بعد انتهاء مهمته التي كلف بها وقابل على الفور اللواء أمين العمري لإبلاغه عن الموقف في بغداد الذي كان كما وصفه للعمري يتسم : “بالإيجابية وتأييد الانتفاضة “. إثر ذلك اتخذ (العمري) سلسلة إجراءات احترازية بالتصدي لكل إجراء قد تتخذه الحكومة إزاء ما حدث.
إن أول عمل قام به (العمري) تمثل في البيان الأول الذي أعلنه في ١٤ آب والذي بدأه بعبارة “بيان الى الشعب العراقي” وكان يحمل توقيعه .. لقد بين العمري في هذا البيان دوافع هذه الانتفاضة العسكرية من حيث أن الحكومة وأنصارها من أتباع بكر قد سيطرت عليهم نزوة الانتقام بإصرارهم على “إلقاء القبض على كثير من الضباط الذين لا دخل لهم في الأمر بتاتا، بعد أن كانت التحقيقات قد حصرت المسألة في الفاعلين ومحرضيهم، ثم تعنت وإصرار هذه الحكومة على إرسال الموقوفين والضباط الآخرين الى بغداد”. وفي خاتمة البيان رفض العمري مطالب الحكومة وأعلن عن قطع العلاقة مع بغداد، ثم ناشد أهالي الموصل بإلتزام الهدوء وعدم القيام بأي عمل مخالف للأمن والنظام.
كان لهذا البيان وقعه المقبول في الأواسط الوطنية الموصلية، ولم يلبث العمري أن أعلن “البيان الثاني”. الذي ابتدأه بعبارة “بيان الى الشعب العراقي النبيل” حاول من خلاله توسيع مسؤوليات (الانتفاضة العسكرية) حيث أعلن فيه لأول مرة أن (حكومة الموصل) المتضامنة بجيشها وادارتها تعلن خروجها على (الحكومة المركزية في بغداد)، كما ذكر البيان الشعب بأعمال الانتقام التي قامت بها الحكومة إزاء خصومها، وإنها تريد بعد اغتيال بكر صدقي أن تعيد الكرة إزاء الأكثرية من ضباط الجيش. ثم دعا البيان الموظفين والشعب لمؤازرة (حكومة لواء الموصل) ومقاطعة الحكومة المركزية. وفي الختام صعد البيان من لهجته بالتأكيد على أن (حكومة الموصل) ” تتوعد بعقوبة الإعدام لكل من يحاول الخروج عن طاعتها ويخل بالأمن العام…”.
وقد شاع في حينه أن الحكومة وأعوان بكر كانوا يعدون العدة للاستعانة بالقوات المرابطة في بغداد بغية الزحف على الموصل لإنهاء الانتفاضة.
فما كان من العمري إلا أن عمل على تحصين مدينة الموصل عن طريق إقامة المتاريس في مدخل المدينة وطرقاتها، وضبط الدوائر الحكومية كافة، فضلا عن وضعه أجهزة الهاتف والبرق تحت الرقابة العسكرية، ثم تعزيز سلاح المدفعية فوق المرتفعات تحسبا لأي طارئ. وفي الوقت نفسه ضمن العمري دعم واسناد بعض آمري الحاميات العسكرية في الديوانية والحلة وكركوك والسليمانية. كما أبرق العمري الى الملك غازي معلنا إخلاصه (للعرش).
وبعد أن وثق العمري من موقفه أرسل الى الحكومة في بغداد مطاليب العناصر الوطنية والقومية في الموصل، وقد تضمنت عدة نقاط هي :
١ – التشديد علي استقالة حكومة الانقلاب باعتبارها حكومة (غير شرعية) وتأليف حكومة بديلة يرأسها جميل المدفعي.
٢ – عدم الاستجابة لطلب الحكومة بتسليمها المتهمين بحادث الاغتيال .
٣ – القبض على قتلة جعفر العسكري وضياء يونس ومحاكمتهم مع قاتل بكر صدقي وزميله محمد علي جواد في محكمة واحدة.
كانت هذه الشروط كافية لأن تضع الحكومة في موقف لا تحسد عليه، وفي عين الوقت حاول حكمت سليمان التشبث في السيطرة على زمام الأمور لا سيما بعد أن تغير الموقف وغدا الى جانب انتفاضة الموصل.
من جانبه أعلن العقيد محمد سعيد التكريتي (آمر معسكر الوشاش في بغداد) وقوفه الى جانب انتفاضة الموصل متوسما (وحدة الجيش والبلاد)، كما أيده في موقفه هذا كبار الضباط في المعسكر وفي مقدمتهم العناصر القومية. حاول (حكمت) ثني محمد سعيد التكريتي عن موقفه إلا إنه أخفق في ذلك بعد أن وضع (التكريتي) شروطا للتفاهم منها: “إبعاد بعض الضباط من أنصار بكر من مناصبهم لحين هدوء الأحوال وعدم تدخل الجيش في السياسة”. أدرك (حكمت) ضعف موقف حكومته، بعد أن أوعز له الملك غازي بتقبل الأمر الواقع وقبول مطاليب آمري معسكر الوشاش ومنطقة الموصل، وهنا اضطر حكمت الى تقديم استقالة حكومته في ١٧ آب ١٩٣٧، وسرعان ما انفرج الموقف بعد تشكيل جميل المدفعي الوزارة البديلة التي كانت في تشكيلتها واجراءاتها الأولية مقبولة بالنسبة (للتكريتي وللعمري) وللعناصر القومية في الجيش (١١٨). كما أصدر العمري بيانا رسميا أعلن فيه انتهاء الانتفاضة وإعادة العلاقة مع العاصمة بغداد.
لاقت هذه الانتفاضة التي دامت أياما معدودة فقط، تأييدا واضحا في الموصل، بل غدت في حينها حديث الساعة. فقد ذكرت (جريدة البلاغ أن قرار العمري بقطع علاقة الموصل مع الحكومة المركزية في بغداد كان قد قوبل بارتياح وشكر شديدين في المدينة، وقد تمثل ذلك في أحد أشكاله باستتباب الأمن في جميع أنحاء اللواء. أما (جريدة فتى العراق) فقد وصفت موقف أهالي الموصل من هذه الانتفاضة بـ (الموقف الرزين) و (الموقف النبيل)، وبأنهم – وبموقفهم هذا – إنما يعبرون عن “الإخلاص التام لمصلحة البلاد”. كما أضفت هاتين الصحيفتين على (العمري) ألقاب (البطولة) و (النبالة).
لقد أدت الاحداث التي رافقت انقلاب بكر صدقي، ثم النتائج التي تمخضت عن اغتياله، الى انتقال مركز الاستقطاب الوطني والقومي من السياسيين التقليديين الى الكتلة القومية في الجيش والتي تمثلت – بخاصة – بالعقداء الأربعة.

المصادر المعتمدة :
١ – حازم المفتي، العراق بين عهدين (ياسين الهاشمي وبكر صدقي، (بغداد، ١٩٩٠).
٢ – عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، ج٤، ط٧، (بغداد، ١٩٨٨).
٣ – صلاح الدين الصباغ، فرسان العروبة في العراق، (دمشق، ١٩٥٦).
٤ – أحمد فوزي، أشهر الاغتيالات السياسية في العراق، (بغداد، ١٩٨٨).
٥ – خيري العمري، شخصيات عراقية، (بغداد، ١٩٨٩).
٦ – رجاء حسين الخطاب، تأسيس الجيش العراقي وتطوره ودوره السياسي ١٩٢١ – ١٩٤١ (بغداد، ١٩٧٩).
٧ – لمى عبد العزيز مصطفى، حازم المفتي، نشاطه الثقافي والسياسي حتى العام ١٩٥٩، رسالة ماجستير، مقدمة الى قسم التاريخ، كلية الآداب جامعة الموصل، ١٩٩٢.
٨ – نوري أحمد عبد القادر، الموصل والحركة القومية العربية ١٩٢٠ – ١٩٤١، رسالة ماجستير، مقدمة الى قسم التاريخ، كلية الآداب، جامعة الموصل، ١٩٨٨.
٩ – بان غانم أحمد، مصطفى العمري ونشاطه الإداري والسياسي في العراق حتى عام ١٩٥٨، رسالة ماجستير، مقدمة الى قسم التاريخ، كلية الآداب، جامعة الموصل، ١٩٩٦.
١٠ – أحمد فوزي، أشهر الاغتيالات السياسية في العراق، (بغداد،١٩٨٧).