نقل وزير الخارجية مايك بومبيو رسالة بسيطة ومباشرة إلى الرئيس العراقي “برهم صالح”، وفقا للتقارير المتداولة في العراق، في 20 سبتمبر/ أيلول الماضي، قائلا: إذا استمرت الهجمات على سفارة الولايات المتحدة في بغداد وقوات التحالف، فإن الولايات المتحدة ستغلق السفارة وتسحب جميع القوات والأفراد الأمريكيين ثم ستستهدف كل شخص متورط في مهاجمة الأمريكيين.

إن بومبيو محق في اتباع نهج واضح ومباشر ردًا على استهداف الأمريكيين، لكن إغلاق السفارة والانسحاب من العراق سيكون خطوة خاطئة. في السابق، أغلق بومبيو القنصلية الأمريكية في البصرة بالعراق، بعد أن استهدفتها ميليشيات موالية لإيران. لم تكن النتيجة هي إنهاء الإرهاب المدعوم من إيران ضد الأمريكيين، بل تسريعه لأنها أظهرت أن الإرهاب موجود ويعمل. إذا انسحبت الولايات المتحدة من العراق، فيمكن التوقع من الإيرانيين أو الجماعات التي تعمل بالوكالة لهم تكرار الاستراتيجية الإيرانية في لبنان. وقد ترى أنظمة أو مجموعات مماثلة معادية لأمريكا، بأن العراق أصبح مصدر إلهام إضافي لجهودهم لتخليص بلادهم من الأمريكيين. قد يكون من المريح الاعتقاد بأن قادة الميليشيات وأفرادها سيواجهون هجومًا مستمرًا بعد الانسحاب الأمريكي، لكن الولايات المتحدة لم تعد معروفة بإصرارها، ولن يمكّن المزاج السائد في الكونجرس إدارة ترمب (ناهيك عن بايدن) من الاستمرار فيه .

بدلاً من ذلك، إذا استمر السياسيون مثل رئيس الوزراء العراقي السابق “نوري المالكي”، وقائد فيلق بدر “هادي العامري”، والأمين العام لميليشيا العصائب “قيس الخزعلي”؛ في لعب لعبة مزدوجة، فقد يأتي نموذج أفضل للرد على غرار ما حدث في بنما.

عام 1989، أمر الرئيس آنذاك جورج بوش الأب، القوات الأمريكية بدخول مدينة بنما لاعتقال الزعيم البنمي “مانويل نورييغا”. كان نورييغا شخصية متلونة. تدرب في مدرسة الأمريكتين، وترقى في صفوف الجيش البنمي بعد أن ربط نفسه بزعيم انقلاب 1968 عمر توريخوس. وتحالف نورييغا لاحقًا مع واشنطن في “الحرب على المخدرات” في عهد ريغان وأصبح أحد العناصر المهمة لوكالة المخابرات المركزية.

إلا أن ذلك تغير، بعد أن أصبح نورييغا قائد المجلس العسكري ودفع بنما للاقتراب من كوبا وأصبحا أكثر انخراطًا في تجارة المخدرات. أخيرًا، غزت القوات الأمريكية العاصمة بنما في 20 ديسمبر/ كانون الأول 1989، من أجل إلقاء القبض على نورييغا لارتكاب جرائم ضد الأمريكيين، وبعد أسبوعين، كان على متن طائرة تابعة للقوات الجوية الأمريكية إم سي -130 إي. حوكم وأدين من قبل محكمة في ميامي وقضى 17 عاما محبوسا في الولايات المتحدة. ثم قضى محكوميات أخرى في كل من فرنسا وبنما بتهمة غسل الأموال والقتل على التوالي.

إن المالكي هو الأكثر شبهاً بنورييغا في نواحٍ كثيرة. لقد صعد إلى قمة السلم السياسي بدعم من الولايات المتحدة، لكنه انقلب بعد ذلك على رعاته السابقين، سراً في البداية ثم بشكل أكثر انفتاحًا. وبدلاً من بناء العراق، ركز أكثر على مكاسبه الشخصية، مستخدمًا ابنه “أحمد” كوكيل أعمال. وبعد سقوطه من رئاسة الوزراء على خلفية صعود تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”  عام 2014، شغل منصب نائب الرئيس حتى عام 2018، وهو منصب غير دستوري الهدف منه مراعاة نظام المحاصصة الطائفي.

لقد انتقد المجتمع الدولي بصوت عالٍ الغزو الأمريكي لبنما وتسليم نورييغا، لكن في السر، تنفس معظم البنميين الصعداء لأن مشكلة نورييغا قد انتهت. اليوم بنما دولة ديمقراطية مزدهرة، وذات اقتصاد مزدهر. وهذا ما كان ليكون ممكنا لو بقي نورييغا. كما أن بوش، الذي أدين بشدة، تم اعتباره كرجل دولة عظيم من قبل كل من اليسار واليمين .

لا تحتاج الولايات المتحدة إلى إطلاق عملية على نطاق عملية نورييغا لعام 1989. علما أن نورييغا كان أكثر رسوخًا من المالكي وكان يحظى بدعم (على الأقل في البداية) من الجيش البنمي. ولا حاجة للولايات المتحدة أن تستهدف المالكي بالطريقة التي استهدفت بها قائد فيلق القدس قاسم سليماني. لكن محاسبة الأشخاص الذين يحرضون على الهجمات خيار أفضل بكثير من الانسحاب أحادي الجانب. يمكن للمالكي، بالطبع، أن يظل في مأمن من مصير مشابه لنورييغا بالعودة إلى المنفى الدمشقي حيث عاش هناك قبل الإطاحة بصدام حسين. خلاف ذلك، فإن فرقة ميامي نورييغا شاغرة.

أما العامري والخزعلي فهما يدركان تدهور شرعيتهم. في 13 سبتمبر/ أيلول 2020، أعلن “علي السيستاني” أن “الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها العام المقبل ذات أهمية كبيرة”، وشجع العراقيين على المشاركة “على نطاق واسع”. وهذا يتناقض مع بيانه قبل انتخابات 2018 الذي شبه فيه الانتخابات بكوب من الماء يمكن للمرء أن يختار الشرب منه، وهو تشبيه يراه العراقيون على نطاق واسع مسؤولاً عن خفض نسبة الإقبال على المشاركة في تلك الانتخابات،  بينما استمر قادة الميليشيات في جذب مؤيديهم إلى صناديق الاقتراع.

باختصار، ستؤكد انتخابات العام المقبل إلى حد كبير ما لا يريد العامري والخزعلي الاعتراف به: فالعراقيون يريدون حياة أفضل، ويريدون سياسيين موالين أولاً وقبل كل شيء للحكومة في بغداد بدلاً من طهران. وكل يوم يمر، يصبحون أقل أهمية. في الواقع، يدرك العراقيون أنه بينما كان “الحشد الشعبي” في طليعة محاربة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، كانت مجموعاته أكثر اهتمامًا بالنهب من القتال بالعكس من “المتطوعين” الذين استجابوا لدعوة السيستاني. بالتأكيد، قد تستهدفهم الولايات المتحدة، لكن يجب أن تفعل ذلك بطريقة لا تسمح لهم بلف أنفسهم بالعلم العراقي بعد أن أمضوا الكثير من حياتهم المهنية في تشويه سمعته.

إن بومبيو محق في أن الولايات المتحدة يجب أن تدافع عن أفرادها، وهو محق في نقل جدية نوايا الولايات المتحدة إلى القيادة العراقية. ومع ذلك، فإن الانسحاب من العراق لن يحقق الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة ولا استقرار العراق. وقد أوضح بوش الأب في بنما قبل ثلاثة عقود، بأن أفضل طريقة لمعالجة السرطان هي استخدام مشرط بدلاً من الفأس أحيانًا.

 

واشنطن اكزامنر/ مايكل روبن

ترجمة وتحرير: راسام