تمر علينا في السادس من كانون الثاني من كل عام ذكرى عزيزة على قلوبنا وعلى قلوب الشرفاء من أبناء العراق والأمة العربية والإسلامية، وهي ذكرى تأسيس جيشنا العراقي الباسل في عيده “الثالث بعد المائة”، بعد أن كان لهذا الجيش الذي تأسس في السادس من كانون الثاني عام 1921تاريخاً عريقاً وسفراً خالداً من الملاحم البطولية الخالدة التي سطر فيها هذا الجيش تاريخاً مشرفاً مليئاً بالتضحية والفداء والاقدام والتفاني دفاعاً عن العراق وعن قضايا الأمة العربية والإسلامية، خصوصاً وأنه شارك في جميع المواجهات والحروب العربية التي جرت مع الكيان الصهيوني الغاصب على الرغم من بعد المسافة لا سيما وأنه لا يعد من دول الطوق أو كما تسمى بدول المواجهة ومع هذا فقد شارك في جميع الحروب ومنها: حرب عام1948 حيث شارك على ثلاث جبهات هي الجبهة السورية والاردنية والفلسطينية، وكذلك شارك في حرب عام1967 على الجبهة الأردنية والسورية بالإضافة الى مشاركته في حرب عام1973عندما شارك على الجبهتين: المصرية بسربي طائرات “هوكر هنتر” ، وعلى الجبهة السورية بقوة وصلت الى فيلقين(قوات مدرعة وألية ومشاة)بالإضافة الى خمسة أسراب من الطائرات المقاتلة، بحيث اندفعت الدبابات والمدرعات العراقية من العمق العراقي الى العمق السوري على السرف لتمنع الجيش الصهيوني من الدخول الى مدينة دمشق، بل أنها أجبرته على وقف الهجوم، وتغير الناصية، والتحول الى الدفاع، حيث أشتبك “اللواء المدرع أبن الوليد” في معركة دبابات مع الجيش الصهيوني قل نظريها، بعد أن أجبر على الانسحاب والتقهقر الى الخلف، ولا زالت مقابر الشهداء العراقيين شهادة على أفعالهم وبطولاتهم في الجولان، وجنين، والخليل، وغيرها من المدن الفلسطينية الأخرى، الأمر الذي جعل الدوائر الامريكية والصهيونية تسعى الى توريط هذا الجيش في مواجهة مع إيران لاستنزاف قدراته العسكرية والاقتصادية لأضعافه وتدمير قدراته.

 

لقد كان لهذا الجيش تاريخ طويل من المواقف البطولية الزاخرة، التي تعج بالمعاني العظيمة والانتصارات الباهرة التي حققها على مر تاريخه البطولي منذ تأسيسه والى عام2003خصوصاً بعد أن وقف شامخاً كنخيل العراق يذود عن هذا الوطن أمام الريح الصفراء في حرب ضروس مع إيران استمرت لأكثر من ثماني سنوات، قدم فيها هذا الجيش ألاف من الشهداء والجرحى، وكان سداً منيعاً وسوراً للوطن، بعد أن تناخى مقاتليه وضباطه في ذود عن شرف العراق، وتاريخه، وشعبه، وأرضه، وسمائه، ومياه، وعن الامة جميعاً، بعد أن أقفوا المشروع الإيراني التوسعي في المنطقة (تصدير الثورة الإسلامية) سواء الى العراق أو الى دول المنطقة، بعد أن حقق الجيش العراقي نصراً كبيراً على الجيش الإيراني في 8أب عام1988على الرغم من الاختلال الكبير في موازين القوى العسكرية والاقتصادية والبشرية، بعد أن أستطاع الجيش العراقي أن يكسر أرادة الجيش الإيراني على مواصلة القتال، والتي وصفها الخميني بتجرع كأس السم بموافقته على القبول بقرار مجلس الأمن (598)الذي تضمن أنهاء الحرب والقبول بوقف إطلاق النار، كما قام هذا الجيش بضرب الكيان الصهيوني في عام1991بأكثر من (39) صاروخ سكود، وهناك الكثير من المواقف التي سطر فيها هذا الجيش سفراً بطولياً وشجاعة فائقة وأرادة صلبة قل نظيرها، كما أظهر عزماً لا يلين في الدفاع عن العراق وقضايا الأمة الأمر الذي جعله يدخل مبكراً في دائرة الاستهداف السياسي والعسكري والاقتصادي والتكنلوجي داخلياً وخارجياً.

 

لقد شكل الجيش العراقي الحجر الأساس، والقاعدة العربية الصلبة في معادلة الصراع العربي-الصهيوني-الايراني، خصوصاً وأنه لم يسقط من حساباته العسكرية المواجهة المستقبلية مع الجيش الصهيوني على جميع المستويات بعد انتهاء الحرب العراقية-الإيرانية، خاصة على المستوى العسكري، فجميع التمارين، والفرضيات، والتدريبات التعبوية، والدراسات الاكاديمية بكافة عملياتها التكتيكية، والعملياتية، والاستراتيجية السوقية العليا تشمل المواجهة المباشرة مع الجيش الصهيوني، بحيث صدرت الأوامر الى القطعات العسكرية للجيش العراقي والحرس الجمهوري والقوة الجوية بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية بالتدريب على الهجوم على المستوطنات الصهيونية، وهذا يعطي دليل وتفسير واضح للهجمة الشرسة التي تعرض لها الجيش العراقي بعد عام2003 والتي تمثلت بحل الجيش العراقي، وتشكيل جيش طائفي ضعيف يفتقر الى العقيدة العسكرية، والسياقات الصحيحة في بناء الجيوش الحديثة، بعد أن أدخلت المحاصصة الطائفية في تنظيمه العسكري، بالإضافة الى التدخلات الخارجية في تشكليه، خاصةً وإن نواة هذا الجيش كانت من الميليشيات الطائفية التابعة للأحزاب السياسية التي تواطأت مع الاحتلال في تنفيذ مشروعه العسكري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي في العراق والمنطقة، بحيث تحول الولاء في هذا الجيش الى الطائفة والحزب والى جهات خارجية أخرى.

 

يعاني جيش في العراق اليوم من التخلف، والضعف، والطائفية، والتبعية الدينية والسياسية، والفساد المالي والإداري، والمحاصصة الطائفية، بعد أن تفشت الطائفية والمحسوبية والتدخلات السياسية والدينية والخارجية، ورأينا في عام 2014 كيف خرجت العديد من المحافظات العراقية في المنطقة الغربية والشمالية عن سيطرت الدولة، بعد أن فشلت القوات الأمنية في الدفاع عن هذه المحافظات، وهربت أمام بضع مئات من تنظيم الدولة، على الرغم من الأموال التي صرفت على تسليحه، كما رأينا كيف ارتكب هذا الجيش الطائفي المجازر في الحويجة والفلوجة والرمادي والموصل وصلاح الدين وديالى، كما رأينا كيف وقفت القوات الأمنية تتفرج على ما تقوم به الميليشيات في محافظة ديالى وصلاح الدين من التنكيل بالمدنيين والقتل والتهجير كما حصل في قرية “الهواشة” في ناحية الامام، بالإضافة الى المناطق التي تسيطر عليها المليشيات وترفض الخروج منها في جرف الصخر والعوجة ويثرب، ناهيك عن وجود منظمات إرهابية خارجية(PKK) والتي تسيطر على مدن عراقية (سنجار) وترفض الخروج منها بالاتفاق مع ميليشيات الحشد الولائي، بالإضافة الى التدخل التركي العسكري لملاحقة التنظيمات الإرهابية التي تهدد الامن القومي التركي وتتخذ من الأراضي العراقية ملاذاً لها، بالإضافة الى الهجمات الإيرانية على مناطق كردستان العراق بحجة وجود التنظيمات الكردية الإيرانية المعادية لنظام الملالي في طهران بعد أن فشلت الحكومة في بسط سيطرتها العسكرية والسياسية على كافة الأراضي العراقية.

 

لقد شكل الجيش العراقي قبل الاحتلال رقماً صعباً في التوازن الإقليمي في المنطقة، وكان له دور كبير في أرساء قواعد الامن العربي في المنطقة، خصوصاً وأنه كان سداً منيعاً وجداراً صلباً أمام المخططات الامريكية- الصهيونية – الإيرانية في المنطقة، بعد أن شكل العراق وجيشه الباسل حجر عثرة أمام المخططات التوسعية الامريكية لتنفيذ مشروع الشرق الأوسط الكبير، وكذلك أمام الاطماع الفارسية التي تسيطر على أربعة عواصم عربية الان، لأنهم يعرفون بأن بقاء هذا الجيش لن يسمح لهم بتنفيذ مخططاتهم بالمنطقة وهو الذي عرف بمواقفه الوطنية والقومية في مواجهة المخططات المعادية بعد أن كتب بدماء شهدائه أروع الملاحم في التضحية والفداء والبطولة، فهو صاحب المواقف الجبارة، والسفر الخالد الناصع في مواجهة الأعداء على مختلف الساحات، الأمر الذي جعلهم يسارعون الى حله وتدميره، علماً بأن هناك جهات داخلية وخارجية لا تريد أن يكون للعراق جيش وطني وقوي قادر على الدفاع عن العراق (أرضً – وسماءً- وماءً) وقادر على الدفاع عن مصالحه وشعبه، بل يريدون عراق ضعيف وجيش غير قادر على الدفاع عن نفسه فضلاً عن شعبه ومصالحه واراضيه لكي تستمر تدخلاتهم فيه ويكون تبعاً لهم، ولكن هيهات أن يتحقق لهم ذلك أو أن يستمر، ولا بد لهذا العملاق أن ينهض مرة أخرى، لذا سنبقى نذكر بكل فخر واعتزاز بطولات هذا الجيش المقدم الذي سطر أروع الملاحم البطولية في “جنين”، و”الخليل”، و”نابلس”، و “كفر ناسج”، و “تل عنتر”، و”جبل الشيخ” ، و”صحراء سيناء”، والجولان، والفاو، وعلى الحدود العراقية-الإيرانية وفي عمق الأراضي الإيرانية كل المآثر والبطولات التي سطرها هذا الجيش بكل فخر واعتزاز  وسنبقى نذكره بكل ود واحترام ومحبة كلما مرت علينا هذه الذكرى العزيزة.

 

تحية لكل شهداء الجيش العراقي الباسل.
تحية لكل شهداء العراق والأمة العربية والاسلامية!
تحية لكل قيادات الجيش العراقي منذ تأسيسه!
تحية لكافة منتسبي الجيش العراقي الباسل ضباطاً ومراتب!
 وأخيراً نقول.. سلام عليك أيها العملاق في عيدك الأغر الثالث بعد المائة.
تحية اجلال وإكبار لك أيها العملاق في ذكرى ميلادك الميمون الثالث بعد المائة.
فأنت محل تقدير واحترام واعتزاز لدى كل العراقيين الشرفاء وأبناء الأمة العربية والإسلامية.