إن هذا الحشد العسكري الكبير في منطقة المتوسط تجعلنا نقول بأن الحسابات العسكرية الامريكية لهذه القوات تتجاوز سياسية الردع ومنع التصعيد، خصوصاً وإن وزير الدفاع الأمريكي “أوستن” يقول: بأننا “لن نتردد في التحرك لمنع توسع الصراع في المنطقة في رسالة ردع قوية لمن يريد الدخول في الصراع لتوسيعه”، والسؤال الذي يحتاج الى إجابات واضحة هو: هل يحتاج الهجوم البري على قطاع غزة لتدمير “حركة حماس” (كتائب القسام) كل هذا الحشد العسكري الأمريكي؟، إن لم يكن هناك وضع جديد يراد ترتيبه في المنطقة يستدعي هذا الحشد العسكري الكبير!!، بما في ذلك خيار تهجير الفلسطينيين الى الدول العربية المجاورة، أو الشرق الأوسط الجديد الذي تكلم عنه المجرم نتنياهو!، أم إن هناك مخاوف أمريكية تتعلق بروسيا والصين ومحاولتها أملاء الفراغ بالمنطقة بما فيها علاقاتها المتينة مع إيران، لأن هذه الحرب خففت الضغط على روسيا لأنها حولت الكثير من الموارد العسكرية من أوكرانيا الى دعم الكيان الصهيوني، كما أنها حولت انتباه الولايات المتحدة الامريكية من بحر الصين الجنوبي والمحيط الهادئ وقضية تايوان الى منطقة الشرق الأوسط وهذا يصب في مصلحة الصين التي تحتاج الى مزيد من الوقت لترتيب قدراتها العسكرية، لذا فالمطلوب هو أغراق واشنطن في هذا الصراع، والعمل على توسيعه، وعدم حصره بالحرب مع غزة فقط، فهل تنجح الصين وروسيا وإيران في ذلك؟، وهل تنجح واشنطن في تقديم المساعدات العسكرية لأوكرانيا والكيان الصهيوني معاً!؟، وماذا أن طالت الحرب؟.

عملية طوفان الأقصى ومحور المقاومة:
لقد فضحت عملية “طوفان الأقصى” استراتيجية توحيد الجبهات ومحور المقاومة، بعد أن وقفت إيران ومن معها من الميليشيات العراقية العاملة في العراق وسوريا، وكذلك ميليشيات الحوثي في اليمن وميليشيات حزب الله في لبنان تتفرج على ما يجري من مجزرة ومذبحة بحق المدنيين في غزة من أكثر (25) يوماً، علماً بأن هناك ضربات خجولة وجهت من اليمن وتم إسقاطها في المرة الأولى من قبل المدمرة الأمريكية ( يو إس إس كارني) في البحر الأحمر، بينما وصل بعضها الى ميناء “ايلات” في المرة الثانية حيث يقول الناطق باسم ميليشيا الحوثي بأنه تم إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة على الكيان الصهيوني الذي يدرس إمكانية الرد عليها، بينما تشهد الجبهة اللبنانية ضربات متبادلة وقصف متصاعد بين ميليشيا حزب الله اللبناني والكيان الصهيوني، ولكنها لم تتجاوز قواعد الاشتباك المعمول بها والمتفق عليها، لذا فهو صراع تحت السيطرة، خصوصاً وإن هناك اخلاء متدرج ل(43) مستوطنة بدأ  من مسافة (2كم) الى (5 كم) الى (8كم) الى (20كم) باستخدام طائرات مسيرة وهناك خسائر لكلا الطرفين، علماً بأن المعلومات التي رشحت تقول بأن فصائل المقاومة الفلسطينية المتواجدة على الأراضي اللبنانية هي من تقوم بتنفيذ الكثير من هذه العمليات على الجبهة اللبنانية.

إن التصعيد العسكري على الجبهة اللبنانية أو من جبهة اليمن هو بيد إيران حصراً !، وإن ما يجري من تصعيد عسكري على هذه الجبهات لحد الآن لا قيمة له على المستوى الاستراتيجي والعملياتي، لأنها لم تجبر العدو الصهيوني على إعادة حساباته العسكرية وتخصيص جزء من قواته وجهده الجوي لمواجهة التصعيد، وخاصةً على الجبهة اللبنانية أو الجبهة السورية التي لها تأثير مباشر على الجبهة الفلسطينية في غزة، كما إن جبهة اليمن بعيدة نسبياً ولن يكون لها تأثير على العمليات العسكرية التي تجري داخل القطاع، ناهيك عن قلة المعلومات المتوفرة لديهم عن الداخل الفلسطيني، وعدم دقة الصواريخ التي يتم اطلاقها من اليمن، وهذا يثير التساؤل عن الأسباب التي تمنع ميليشيا حزب الله من فتح الجبهة الشمالية؟، بدل جبهة اليمن، خصوصاً وأنها هي الأفضل والأخطر في ذلك! لما لها من تأثير مباشر على الكيان الصهيوني.

نقول لإيران يبدو بأن التدمير الذي قام الكيان الصهيوني للمنازل والمدارس والكنائس والمستشفيات والمدارس لا يكفي لكي تعلن إيران ومحور المقاومة التابع لها الحرب على الكيان؟، ولا أعرف كم يهجر الكيان الصهيوني من قطاع غزة حتى يتدخلوا لنصرتهم، لقد فضحتكم غزة وفضحت مقاومتكم التي قتلت الأطفال والنساء في العراق وسوريا واليمن!، خصوصاً وإن بعثة إيران في الأمم المتحدة اختصرت المشهد والموقف عندما قالت بشكل صريح “بأن قواتها المسلحة لن تتدخل في الصراع ما لم تهاجم إسرائيل مصالح إيران أو مواطنيه”، أما الميليشيات العراقية فقد قامت بتنفيذ عمليات عسكرية ضد بعض المواقع الأمريكية دعاية إعلامية فقط، لكون هذه الضربات لا قيمة  لها، وألا لكان الرد الأمريكي عليها قوياً وحاسماً، ولكنها ضمن الهامش المقبول لكلا الجانبين!، خصوصاً وأنها دفعت باتباعها للحدود الأردنية مطالبين بالدخول عن طريق الأردن لنصرة غزة، وهي محاولة لذر الرماد في العيون، و لإحراج القيادة الأردنية وأنها منعتهم من القتال في غزة، علماً بأنهم متواجدون في سوريا و بإمكانهم الذهاب لهناك وفتح جبهة الجولان، كما يمكن لهذه الميليشيات أن توجه ضربات صاروخية للمصالح الامريكية في دول المنطقة كما فعلت في ضرب شركة أرامكو السعودية!.

لذا فإن محور المقاومة لم يتخذ أي خطوات حقيقية لتخفيف الضغط على غزة، بما فيها بأن دوله لم تقديم الأموال والمساعدات الإنسانية والطبية والغذائية كما فعلت مع الحوثي، وأنما اكتفوا بالخطب الرنانة والشعارات الحماسية، وهذا خطاب أمين عام حزب الله الذي جاء مخيباً للآمال لأنه لم يأتي بجديد، بل أنه برر لنفسه سكوته وعدم فتحه لجبهة لبنان ببعض العمليات العسكرية التي نفذت بالتعاون مع الفصائل الفلسطينية، كما أنه برئ نظام الملالي مما جرى وأنه لا يعلم بما قامت به حماس، ويحمل حماس مسؤولية الكاملة عما جرى، وهنا نسأل أين شعارات الموت لإسرائيل؟، وأين شعارات الشيطان الأكبر؟، وتحرير المسجد الأقصى؟، وكم يقتل الكيان الصهيوني من الأطفال والنساء من محور المقاومة في غزة لكي تتدخل ايران وميليشياتها، كما أسأل: لماذا لم يؤخذ زعيم الحزب حسابات الوضع الاقتصادي اللبناني، والانقسام السياسي، والاحتقان الطائفي، وعدم قدرة لبنان على تحمل الثمن الباهض لأي تدخل عسكري عندما تدخل في سوريا ليقوم بقتل الأطفال والنساء، بينما دخلت هذه الحسابات في التدخل لنصرة غزة؟، ولكي نختصر في ذلك نقول لقد أكتفى حسن نصرالله في خطابه بتوجيه ضربة قوية للكيان الصهيوني من خلال تصريحات نارية.

 
“طوفان الأقصى” نقطة تحول في الصراع العربي – الصهيوني:
لا شك بأن عملية “طوفان الأقصى” ستشكل نقطة تحول كبيرة في الصراع العربي الفلسطيني، كما أنها ستشكل نقلة نوعية في الصراع المسلح الذي بدأ يأخذ أبعاد متعددة، خصوصاً وإن هذه العملية هي الاولى التي تنفذها فصائل المقاومة الفلسطينية داخل الأراضي المحتلة وهي محاصرة بصورة تامة من الجو والبر والبحر، ومع هذا فقد نجحت المقاومة في بناء قدراتها البرية والجوية والبحرية والصاروخية بصورة متدرجة، بما فيها تصنيع الطائرات المسيرة، والقوة الصاروخية، كما اثبتت بأنها قادرة على صنع أجيال من المقاتلين يتمتعون بقدرات بدنية وعسكرية عالية ومتطورة، خصوصاً وأنها استطاعت أن تنتقل الصراع من خانة ردة الفعل الى الفعل العسكري المباشر، حيث نفذت العملية العسكري الفلسطينية بفعل وتخطيط دقيق أجبرت العدو الصهيوني على التحول الى الدفاع والى ردة الفعل المحسوبة من قبل الفصائل الفلسطينية، التي تدرجت في نضالها من الحجارة الى السكاكين ثم الى عمليات الدهس والتفجير ثم العمل الفردي المسلح الى انتقلت الى القوة الصاروخية والطائرات المسيرة وهذه نقلة نوعية كبيرة في المواجهة بين البلدين رغم الاختلال الكبير في موازين القوى، كما أنها انتقلت من الدفاع الى الهجوم، يضاف الى ذلك بأنها نجحت في نقل الصراع الى داخل الأراضي المحتلة، كما أنها تمكنت من خرق المنظومة الأمنية والاستخبارية عندما حصلت على هذه المنظومة بكافة أجهزتها، لذا فأدوات ووسائل وامكانيات وقدرات المقاومة في المواجهة قد اختلفت عن السابق وهذه نقطة تحول كبير وخطيرة سيترتب عليها الكثير من التغيرات السياسية والعسكرية.