د. فارس الخطاب
وضعت الحرب الإسرائيلية على غزة أنظمة الشرق الأوسطية أمام مآزق وسيناريوهات مجهولة النتائج، لكن أفضلها سيكون بمقاييس العلاقات بين الأنظمة والجماهير سيئاً وضبابياً سواءً تعلق الأمر بالأنظمة الاستبدادية أم “الديمقراطية”. ومنذ أكذوبة “تأسيس نظام ديمقراطي نموذجي في العراق” التي جعلت الولايات المتحدة ودول غربية وعربية، تدفع بجنودها وترساناتها العسكرية التدميرية، للانقضاض على حضارة ومنجزات الشعب العراقي عام 2003م ، تحت شعار ” العراق بدون صدام حسين أفضل” ، والعالم كله ، وبخاصة واشنطن ولندن ودول عربية وإقليمية ، يشهدون بأن ، أسوأ تغيير حدث في العصر الحديث بقوة العدوان هو ما حدث في العراق ، بدءاً من منظومة الحكم المؤسسة من قبل قوات الاحتلال بشقيه الغربي والإيراني ، وإنتهاءً بتراجع السيادة الوطنية ، مروراً بفشل منظومة التعليم والصحة والخدمات والتصنيع والزراعة والري وغيرها.
يؤكد الباحثون في مجال العلاقات الدولية، أن فشل الولايات المتحدة في تأسيس نظام جديد في العراق، يحتذى به على مستوى الشرق الأوسط كله، أفضى إلى إنهيار المنظومة المؤسساتية العربية وأيقظ بشكل “عابر” شعور الجماهير العربية بالحيف وتواطؤ أنظمتها مع المشروع الصهيوني – الغربي لتطويع وترويض الإرادة العربية، فكانت مرحلة ما سُمي بـ”الربيع العربي” التي أسقطت الرئيس المصري محمد حسني مبارك ، والرئيس الليبي معمر القذافي ، واشعلت الحرب الأهلية في سوريا واليمن، ثم سرعان ما انتهى هذا الربيع بانقلاب عسكري في مصر، قاده عبدالفتاح السيسي، قضى على أحلام الشعب المصري بحياة ديمقراطية ، وتحطم وتفتيت ليبيا كدولة ، واستباحة النظام في سوريا لكل مقدرات المحافظات والمدن المنتفضة في سوريا بما خلف مئات الآلاف من النازحين والمهاجرين السوريين ، وتسليم اليمن إلى جماعة الحوثي المدعومة من إيران ، وكذلك ظهور التنظيمات الإرهابية ذات الواجهات الدينية مثل “تنظيم داعش” وغيره ، حتى باتت المناداة بالديمقراطية مع الحفاظ على الاستقرار في منظومة الحكم العربية والشرق أوسطية ضرباً من المجازفة غير مضمونة النتائج . وكل ذلك بالطبع أفرز مواقف بدت مفاجئة للكثيرين وإن لم تكن كذلك بالنسبة للمراقبين، أهمها، التطبيع العربي مع إسرائيل دون معالجة القضية الفلسطينية والأهم دون أي قواعد جماهيرية مؤيدة له.
كل ما تقدم كان مرتكزه الأول ، حرب احتلال العراق عام 2003م ، ووضع الشرق الأوسط برمته أمام حالة غريبة جداً تمثلت باحتلال عسكري كبير شاركت فيه بالإضافة إلى الولايات المتحدة ، المملكة المتحدة ودول غربية عديدة ، لكن ، ومع تعمد إهمال القضية الفلسطينية التي هي عماد الاستقرار في المنطقة برمتها ، واعتماد سياسة قضم المواقف العربية والإسلامية تجاه الإعتراف بالكيان الصهيوني المحتل لفلسطين وأراضي دول عربية أخرى ، وأيضاً من خلال فتح واجهات جديدة لتكريس الأمر الواقع؛ كواجهة (اتفاقيات إبراهيم)، التي أريد من خلالها تهميش الجانب الإسلامي من الصراع دون المساس بحق “إسرائيل” بإعلان دولتها بصفة دينية يهودية خالصة.
المرتكز الثاني المعطل لحراك “الشرق الأوسط الجديد” بدأ يوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023م، حيث هجوم “حماس” غير المتوقع على إسرائيل وما أعقبه من هجوم إسرائيلي بربري على قطاع غزة؛ هذا الهجوم الفلسطيني وتداعياته سيحدد بدرجة كبيرة- تعلمها دوائر التخطيط والقرار الصهيوني والغربي- مستقبل الكيان الصهيوني، بما يعني مستقبل المنطقة برمتها
اللافت أن سلوك رئيس وزراء الكيان الصهيوني، بنيامين نتنياهو، عمل – ومازال – بالإتجاه المعاكس للمشروع الكبير الذي خُطط له ونفذ ، عبر عشرات السنين من قبل دوائر صهيونية-أمريكية-غربية وإقليمية ، وذلك بسبب غطرسته وأوضاعه القانونية داخل إسرائيل ، والتي جاءت عملية “طوفان الأقصى” لتزيدها حراجةً وتعقيداً ليس فقط من القضاء الإسرائيلي ، بل وأمام شعب هذا الكيان. سلوك نتنياهو يهدف إلى تدمير غزة تماماً وتقليص عدد سكانها ثم وضعها تحت إدارة السلطة الفلسطينية، ولكن ليس أي إدارة؛ بل هناك من تم إعداده منذ حوالي عقدين من الزمن ليتبوأ هذا الدور داخل الوضع الفلسطيني الجديد ، في مخيلة نتنياهو وبعض الإدارات الإسرائيلية المتوافقة مع هذا المنهج.
عندما أرادت واشنطن وطهران والحكومة العراقية المزكاة من قبلهما، تدمير ما أصطلح على تسميته بــ”المثلث السني” في العراق والذي كان مستودع المقاومة العراقية للاحتلال ، أوجدت موضوع تنظيم “داعش” الإرهابي وسهلت له السيطرة على محافظات ، نينوى ،صلاح الدين، الأنبار ، وأجزاء من ديالى ، ووجهت الإعلام الدولي لتكريس صورة ذهنية عن أفراد هذا التنظيم وهو يرتكب فظاعات عديدة بحق السكان المدنيين ربطت جميعها بالدين الإسلامي ، لقد جعلوا من هذا التنظيم قوة لا تُقهر ، لذلك كان عليهم الانتظار لسنوات ما بين 2104-2017م حتى يشكلوا تحالفاً دولياً كبيراً لبدء العمليات العسكرية عليه ، وهذه العمليات في الحقيقة ، كانت تستهدف ، كما هو حال غزة اليوم ، تدمير مركز محافظة نينوى (الموصل) تدميراً تاماً وتحويلها إلى مجرد ركام مازال الكثير من المدنيين الموصليين يرقدون تحته بعد قضوا أحياءً نتيجة قصف الطائرات والمدفعية لقوات التحالف والقوات الحكومية العراقية.
إنه أمر واضح منذ بداية الحرب؛ فقد شبه نتنياهو حماس بداعش ، والتقط رؤوساء الولايات المتحدة وألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا وسواهم هذا الوصف ليبرروا استخدام العنف المفرط في قصف قطاع غزة ، إلا أن الفرق بين الأمرين كبير والعالم ليس مغيباً عن الوعي هذه المرة ، فمشاهدة المدنيين الفلسطينيين وهم يدفنون تحت أنقاض بيوتهم بعمليات قصف جوي وبري عنيفة ومدمرة ، ورؤية الآف الأطفال والنساء وهم موتى أمام شاشات التلفاز ومواقع التواصل الاجتماعي ، مع قصف مراكز الإيواء الخاصة بالأمم المتحدة والمستشفيات ، وقطع الماء والغذاء والطاقة والوقود ، كلها جعلت بوصلة الرأي العام الدولي تتغير ، وبسرعة لصالح صمود وصبر شعب غزة .
يبدو أن الأمور في دوائر قرار كثيرة في العالم بدأت تأخذ منحىً آخر، فمن الناحية العملية ، لم تكسب إسرائيل حربها في غزة حتى الآن ، بل هي في تخبط مستمر ، وجرائمها بحق المدنيين بما يخالف القوانين الدولية ، دون أن تتمكن من إثبات قتلها أو أسرها لإي عنصر من مقاتلي حماس ، بما يعني عدم دقة معلوماتها الاستخبارية عن أماكن تواجدهم أو تحركاتهم ، في مقابل ذلك ارتفاع أعداد خسائرها البشرية وفي المعدات مع عدم تمكن الجيش الإسرائيلي من تحرير أية رهينة أو أسرى لدى حماس ، بما يشكل زيادة مضطردة في مستويات السخط الشعبي الإسرائيلي على نتنياهو وكابينة الحرب التي بدا تخبطها واضحاً على مستوى التحليل الشخصي لكل مسؤول فيها وكذلك مستويات أدائها.
هناك مؤشرات تشير إلى مزيد من التعقيد في المشهد المقبل للمنطقة ، منها دخول الحوثيين علي خط المواجهة عبر بوابة “باب المندب”، والمليشيات العراقية من خلال قصف واستهداف القواعد العسكرية الأمريكية في العراق وسوريا والسفارة الأمريكية في بغداد، مع تبادل يومي للقصف المحدود جنب لبنان من قِبل حزب الله اللبناني . هذا التعقيد مركزه طهران؛ حيث تسعى القيادة الإيرانية لإيجاد مكان لها في مرتكزات الشرق الأوسط المقبل إما من خلال تحكمها بإرادات قوية في العراق وسوريا واليمن ولبنان ، تمكنها من لعب دور الشريك والوسيط في آن واحد للتأثير على “حماس” من جهة والقوى المرتبطة بها في الدول المشار إليها ، أو عبر بوابة نسب عمليات مشاركات عسكرية تعرضية محدودة في القطاعات التي يتم التعرض فيها لأهداف إسرائيلية وأمريكية.
يبقى أن نقول أن العمليات التي تقوم بها قوات الحوثيين في البحر الأحمر ، تبدو في ظاهرها مساهمة قوية وفاعلة من اليمن تجاه نصرة الفلسطينيين المضطهدين في غزة ، لكنها من زاوية أخرى قد تكون إحدى أدوات التغيير المقبل في الشرق الأوسط عموماً والمنطقة خصوصاً ؛ فكما كان دخول العراق للكويت عام 1990م سبباً لدخول القوات الأجنبية؛ وبخاصة الأمريكية-البريطانية إلى منطقة الخليج العربي وبقاءها فيها بحجة إخراجه منها، ستقوم الولايات المتحدة ودول غربية وشرقية وعربية عديدة بالمشاركة في بناء تحالف بحري وجوي وحتى بري يشمل السيطرة على بعض الجزر القريبة من باب المندب ، لحماية السفن العابرة من بحر العرب إلى البحر الأحمر وبالتالي تقليص سيادة اليمن على هذا الممر الإستراتيجي والحيوي .
مقال خاص براسام

