د. فارس الخطاب
لقد أفرزت حرب غزة التي تفّجرت بعد عملية “طوفان الأقصى” التي قام بها مقاتلو حركة “حماس” فجر يوم السابع من تشرين الأول / إكتوبر الماضي، عدة واجهات ومواقف دولية وإقليمية إضافة إلى الصور التي باتت سيدة المشهد العالمي والتي أتت، وتأتي يومياً من داخل قطاع غزة والضفة الغربية وفلسطين المحتلة “إسرائيل”. بدايةً لم تبق حرب غزة أية مساحة إخبارية لأي حدث عالمي آخر مهما كانت أهميته بما فيها أخبار أوكرانيا وروسيا التي شُغل العالم بها قسراً لفترة طويلة ، ثم دفعت هذه الحرب ومرتكزها “طوفان الأقصى” كل دول العالم الغربي للتسابق ، بما تعنيه هذه المفردة من معاني ، إلى تقديم ولائها لحكومة نتنياهو مع فتح بوابات مخازن أسلحتها وعتادها كلها لتكون تحت أمرة الكيان الصهيوني مع حشد إعلامها ومواقفها السياسية والدبلوماسية لمنع وإبطال أي جهد من هذه الدولة أو تلك وبعضها “دول عظمى” لإصدار أي قرار يوقف هذه الحرب أو يمنح هدنة إنسانية للمدنيين الفلسطينيين الذين صبت “إسرائيل” حمم نيران أسلحتها فوق رؤوسهم وبناياتهم وقطعت عنهم عناصر الحياة المتمثلة بالماء والغذاء والدواء والوقود ، حتى تجاوز عدد شهداء غزة فقط ، وكلهم مدنيون ، أكثر من عشرة الآف شهيد ، 70 بالمائة منهم من الأطفال والنساء ، إضافة إلى تقديرات تجاوزت الثلاثة آلاف آخرين قتلوا نتيجة قصف بناياتهم ودفنهم تحت أنقاضها لم تتمكن الإدارة المدنية للقطاع من الوصول إليهم بسبب ضعف إمكاناتها الفنية من جهة ، ولعدم توقف قصف الطائرات والمدافع الإسرائيلية نهائياً من جهة أخرى.
ما شاهده العالم من سلوك غير أخلاقي للجيش الإسرائيلي في حربه على غزة، مدعوماً بتصريحات القادة السياسيين للكيان الصهيوني، أسقط ما وسِم به هذا الجيش بتأثيرات المنظمات الصهيونية حول العالم، كونه “الجيش الأكثر أخلاقية في العالم” ، نعم شاهد العالم كيف يقتل الجيش الإسرائيلي المدنيين الفلسطينيين بشكل متعمد ، وشاهدت المنظمات الأممية العاملة في قطاع غزة عمليات قصف لم يوازيها بشاعةً إلا القنابل النووية التي أسقطتها القوة العالمية المارقة فوق مدينتي هيروشيما وناكازاكي اليابانيتين ، بل حتى المدارس الخاصة بـالــ((UNRWA والمستشفيات لم تسلم من نيران القصف الإسرائيلي حتى تحول أجزاء كبيرة من قطاع غزة إلى ركام تملؤه رائحة الموت.
لا يوجد جيش في العالم يتلذذ بقتل المدنيين كالجيش الإسرائيلي، وربما يوازيه إلى حدٍ كبير الجيش الأمريكي خلال حروبه في فيتنام وأفغانستان والعراق، فقتل المدنيين هو العقيدة التي بنيت عليها منظومة جيش (الدفاع الإسرائيلي)، ومنذ أن قامت العصابات الصهيونية بإحتلال الأراضي الفلسطينية، كانت هذه العقيدة هي أساس نشاطها وعملها حتى أن سكان بعض القرى كانوا يتركون قراهم خشيةً من بشاعة الجرائم التي ترتكبها مليشيات الهاجاناه، إرجون، بيتار ، شتيرن ، بلماح وغيرها بحق أبناء القرى التي سبقتهم. هذه الحقائق، كان العالم، وبخاصة الغربي منه يشكك في مصداقيتها، بتأثير من منظومة الإعلام والتعليم والاقتصاد التي يسيطر على معظمها اللوبي الصهيوني ، لكن ، وفي ظل العالم الرقمي الذي نعيشه الآن ، بات كل سكان الأرض ، يرون ويسمعون ويشاركون في الرأي والقرار بعضهم البعض ، حتى أن الضمير الإنساني دفع ملايين البشر من الكثير من دول العالم للخروج بتظاهرات غاضبة ضد “إسرائيل” ومتعاطفة من الشعب المدني الأعزل في غزة.
أكثر من شهر مر على عملية “طوفان الأقصى” والحرب على غزة، تعرض فيها الغزيون إلى عمليات قتل جماعي بدمٍ بارد، أو كما وصفها أحد مسؤولي الأمم المتحدة سابقاً إنها “حالة إبادة جماعية نموذجية”. ومع اعتراف كل العالم بذلك ، بقيت الولايات المتحدة تعلن كل يوم أنها مع “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها” ، واستمر وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن في التعبير صراحةً عن ضرورة القضاء على تنظيم “حماس” في غزة ، واعتبر ذلك شرطاً لوقف إطلاق النار هناك، وبات الأمر بسبب مواقف بلينكن ورئيسه جو بايدن أشبه بنسيج عقائدي يجمع الطرفين خاصةً مع النص الذي استخدمه بلينكن عند قدومه إلى تل أبيب في الثامن من أكتوبر الماضي حيث قال خلال لقائه نتنياهو ” أنا لم آتي إلى هنا بصفتي وزيراً لخارجية الولايات المتحدة بل كيهودي”.
أكثر من شهر حتى الآن وغزة تقاوم آلة الحرب الإسرائيلية، تململت دول عديدة بسبب طريقة تعامل الجيش الصهيوني مع المدنيين فيها وتزايد أعداد القتلى إلا واشنطن ، لندن ، برلين وفرنسا ، فهم لم يحيدوا قيد أنملة عن ترديد ما تقوله حكومة نتنياهو ، لكن لماذا بدأت تصريحات بايدن وبلينكن تأخذ منحىً يميل إلى “هدنة إنسانية” تسمح بدخول بعض الإمدادات الإنسانية لداخل قطاع غزة ؟ إن الحقائق على الأرض تقول أن واشنطن ستكون الخاسر الأكبر في حال استمرار هذه الحرب وبالطريقة التي تسيرها فيها “إسرائيل” ، وبدأت دوائر الدفاع والمخابرات المركزية الأمريكية ، تحذر من أخطار متصاعدة ستلحق بالقوات الأمريكية المتواجدة في المنطقة ، وأن من مصلحة الولايات المتحدة تهدئة الغضب الشعبي العربي من خلال فتح ممرات مساعدة إنسانية للغزيين المحاصرين في جنوب غزة ، لكن الضغوط التي يواجهها رئيس حكومة الاحتلال الصهيونية كبيرة جداً ، كما أن صدمة السابع من أكتوبر ما زالت تسيطر على أفعاله ، وهو معني بإعادة الاعتبار لمكانته السياسية المتدهورة؛ (27% فقط من الإسرائيليين يعتقدون أن نتنياهو مناسب لرئاسة الحكومة) ، من خلال أمرين مهمين ؛ القضاء على حماس ، وإعادة “تحرير” الأسرى الإسرائيليين من قبضة كتائب “القسام” و “الجهاد” وغيرها.
لقد كشفت الحرب على غزة عورات النظام العربي بشكل فظيع؛ حيث اكتفت معظم الدول العربية ببيانات خجولة ومتحفظة للتعبير عن ضرورة إبعاد المدنيين عن أي أعمال عسكرية ، وكأن في غزة منشآت عسكرية ومقار حكومية وحزبية ، غزة ذات المليونين وأربعمائة ألف نسمة كلهم من المدنيين ، والمحاطة من جميع جهاتها بقدرات “إسرائيل” في المراقبة والسيطرة والمتابعة ، تتحول في ليلة واحدة إلى “بؤرة الإرهاب” ويقتل سكانها برغبة القضاء على تنظم “حماس” ، ويشاهد الحكام العرب هذه العملية ليشارك بعضهم المنظور الإسرائيلي في أن المشكلة في “حماس” ، وأن غزة بدون حماس ستكون آمنة مزدهرة ، فيما تستعر نيران الغضب لدى شعوبهم والتي سيكون لها ما يكون ولو بعد حين.
قد يتصور الكثير من الناس أن نتيجة الحرب محسومة لصالح “إسرائيل” كونها غير متماثلة في الأصل، فالجيش الإسرائيلي مجهز بأحدث الأسلحة وتكنلوجيا الحرب والإتصال ودعم العالم الغربي وبعض المحيط العربي ، فيما أسلحة الكتائب المدافعة عن غزة محلية الصنع ومحدودة الكمية والتأثير، لكن الفرق بين عقيدتي القتال كبير جداً ، والمعارك الحقيقية إنما تُكسب بأفئدة الرجال ، فالجندي الإسرائيلي يتحرك بأوامر من قادته وهو غير معني بـ”غزة” ولا يرغب مُطلقاً بالموت بسببها ، فيما يجاهد الغزاوي بدافعين ، أولهما وطني متجذر في أعماقه من طفولته وهي “تحرير فلسطين والقدس”، وثانيهما “الإستشهاد” دون ذلك الهدف.
مقال خاص براسام

