قيل “للحسن البصري” رحمه الله:
من أشد الناس صرخاً يوم القيامة؟
قال: رجل أعطاه الله منصب استعان به على ظلم الناس.

بقاء الحكومة مرهون بعدم فتح ملفات الفساد:
لقد تراجعت الإجراءات الحكومية حول سرقة القرن بسبب الضغوط السياسية التي مورست لطمس الحقيقة، لأن الجهات الحقيقية المتورطة بهذه السرقة الكبيرة هي متنفذة والحكومة غير قادرة على محاسبتها، كما إن بقاء حكومة السوداني مرهون بعدم الاصطدام بها بأي شخصية نافذة مرتبطة بملف الفساد، وإن فتح أي ملف يعني عدم استمرار الحكومة، ولكن يوجد هامش أخر وهو إن بإمكانها أن تفتح ملفات صغيرة ضد شخصيات ليس لديها غطاء سياسي، أما اذا أردت أن تفتح ملف سقوط مدينة الموصل أو ملف المغيبين أو من قتل متظاهري تشرين!، أو صفقات السلاح الكبيرة الفاسدة والتي أدت الى انهيار المدن العراقية أمام بضع مئات من تنظيم الدولة، أو ملف الجماعات العراقية المسلحة التي تقاتل في سوريا، أو ملف تورط دول اقليمية ودول مجاورة في اعمال العنف والقتل والتهجير الطائفي بحق طائفة معينة، أو ملف الفضائيين في الجيش العراقي وميليشيات الحشد الشعبي والذي يقول عنه وزير المالية السابق “علي علاوي” يوجد لدينا حوالي (250-300) ألف موظف ضمن هيكل الدولة العراقية تتسرّب رواتبهم إلى جيوب الفاسدين، لذا فأعتقد بأن فتح هذه الملفات سيعجل من انهيار الحكومة.

يعتبر الفساد السياسي أخطر ما يمكن على الدولة ومؤسساتها لكونه يمارس من قبل الدولة نفسها عن طريق أشخاص متنفذين في الحكومة والبرلمان وهم يتحكمون بمفاصل مهمة وحيوية في السلطة السياسية التي تعتبر الأساس في إدارة البلد على كافة المستويات، بدأً من القرار السياسي في مواجهة التحديات الخارجية نزولاً الى الارادة السياسية في معالجة الملفات الداخلية وإدارة مؤسسات الدولة حسب مصالح البلد العليا، ويشير النائب السابق في البرلمان العراقي “سركوت شمس الدين”، الى وجود افراداً مستقلين “عديمي الكفاءة” داخل النظام السياسي في العراق، وهذا من شأنه ان يتسبب بعدم الدقة في عملية صناعة القرار داخل البرلمان”، وتابع قائلاً: “إن البرلمان ما يزال فعليا تحت سيطرة الاحزاب السياسية الكبيرة أو اللاعبين الأساسيين”، الذين يعملون على تأسيس دولة موازية، لها أجهزتها المالية، والاقتصادية، والعسكرية، والامنية، والقضائية، وهي تعمل على حماية مؤسساتها الفاسدة من خلال منظومة الحكم، خصوصاً وأنها  تقود وتشارك في الحكومات التي تضمن لها الفوز في أي انتخابات قادمة، وهذا ما يجعلها تستمر بالسلطة والفساد.

لقد ذكر “المعهد البريطاني تشاتام هاوس” بأن المناصب المهمة التي تستحوذ على اهتمام الأحزاب ويتم التنافس عليها هو ما يطلق عليه بنظام “الدرجات الخاصة” ويضيف بأن هناك “المئات من المسؤولين ضمن الدرجات الخاصة المسيسة، منتشرين عبر مؤسسات الدولة، سيطروا من خلال هذه الوظائف على الحكومة وهم يستخدمون موجودات وزاراتهم التي يعملون فيها لمنفعة أحزابهم التي يمثلها”، لذا فالفساد هو العامل المعوق الرئيس لتحقيق إدارة كفوءة ناجحة للبلد، لأن فساد القيادة السياسية الحاكمة للبلد يعني غياب القرار السياسي، وتعدد مراكز القوى السياسية في البلاد، الأمر الذي يجعل من الحكومة ضعيفة وغير قادرة على إدارة البلاد واتخاذ قرارات حاسمة  بما فيها فتح ملفات الفساد مثلاً، خصوصاً وإن جميع الحكومات تعمل على مراعاة طبيعة وبنية النظام السياسي القائم على مبدأ المحاصصة الطائفية، وعلى التوافقات الحزبية، والشخصية، وتراعي التدخلات الخارجية، التي تصل في كثير من الاحيان الى تهديد الأمن القومي على المستوى البعيد، كما جرى في ملف الكهرباء، والانفتاح على الدول العربية.

تعتبر الطبقة السياسية الحاكمة من أكبر المستفيدين من تفشي الفساد المالي والاداري في دوائر ومؤسسات الدولة، خصوصاً بعد أن تضخمت ثرواتهم المالية في الدخل والخارج، بحيث أصبحت لديهم منظومات متكاملة لإدارة الفساد الذي يديرونه من خلال أحزابهم وعناصرهم الموزعين على كافة دوائر ومؤسسات الدولة، لذا فالحكومة والبرلمان والقضاء والأحزاب السياسية هم أساس الفساد المستشري وقاعدته بلا استثناء، علماً بأن جميع المكونات تشترك في هذا الفساد بنسب متفاوتة، والغريب بأن الجميع يعرف ذلك ويصمت عليه بما فيها السلطات الثلاث، الأمر الذي وضع المؤسسات الحكومية تحت ضغوطات متعددة منها سياسية وأخرى المسلحة، وأصبح فساد النظام السياسي القائم ظاهرة حقيقية يتحدث عنها الناس وهي ماثلة أمامهم، وهي تنتقل من حكومة الى أخرى، حتى وصلنا الى تشكيل حكومات بتوافقات سياسية بغض النظر عن نتائج الانتخابات البرلمانية للخروج من الانسداد السياسي، وهذا في تقديري قمة الفساد والعهر السياسي الذي بدا واضحاً وجلياً في جميع مؤسسات ودوائر الدولة، كما تبين جشع الطبقة السياسية الحاكمة وفشلها في بناء دولة مؤسسات أو في توفير أبسط الخدمات للمواطن.

إن من أهم القضايا التي تثبت فساد الطبقة السياسية الحاكمة هو تزوير الانتخابات البرلمانية بشكل متكرر ومستمر رغم العزوف الشعبي عن المشاركة في هذه الانتخابات، والتي ترتب عليها صفقات وبيع مواقف سياسية لمصالح طائفية وحزبية وشخصية، وفي تقديري هي نتيجةً طبيعة للمحاصصة الطائفية و لتبعية النظام السياسي الحاكم لجهات خارجية كالولايات المتحدة الامريكية وإيران، ناهيك عن قيام الطبقة السياسية بعقد صفقات سياسية سرية داخلية لتشكيل الحكومات، بما فيها بيع وشراء مناصب حكومية وسياسية ومالية وأمنية وإدارية مقابل أموال ورشاوي وتنازلات وصفقات مشبوهة، بحيث ذهب النظام السياسي الى عقد صفقات واتفاقيات خارجية أضرت بمصالح العراق العليا ومنها ما أبرمت مع دول الجوار للتنازل عن أراضي عراقية تحوي على سواحل بحرية، كـ “خور عبدالله” و “أم قصر”، والتي تضم في طياتها حقول نفط كبرى مثل حقل الزبير، وقبة صفوان، وسجيل الاعلى، وهذا يشمل ايران التي سيطرت على مناطق حدودية غنية بالنفط على طول الشريط الحدودي من “حقول مجنون” الى “حقول الفكة”، الى “خانقين”.

جزء من الفساد السياسي في وزارة الخارجية:
لقد وصل الفساد في الطبقة السياسية الحاكمة الى أصدار جوازات دبلوماسية رسمية وصل عددها الى(45)ألف جواز دبلوماسي وهذا غير مسبوق على المستوى الدبلوماسي الرسمي لأن قيمة الجواز بندرته وهذا يهدد سمعة وهيبة الدولة العراقية خصوصاً وإنه يمنح مدى الحياة، وكل ذلك يجري بسبب المحسوبية والمحاباة والعلاقات الشخصية والحزبية، وقد طالبت النائبة سروة عبد الواحد عضو لجنة النزاهة النيابية وزارة الخارجية بموجب الكتاب الرقم(100) في تشرين الثاني/نوفمبر عام 2022 بكشف مفصل عن جوازات السفر الدبلوماسية، والخاصة، وجوازات الخدمة التي منحتها، والجهات التي طالبتها بذلك، والسند القانوني الذي صرفت بموجبه تلك الجوازات، كما تضيف النائبة بأن وزارة الخارجية أصدرت خلال أربع سنوات حتى مطلع أيار عام 2023 أكثر من (32) ألف جواز سفر دبلوماسي (10) ألاف منها منحت خارج السلك الدبلوماسي كما منحت لموظفين ليس في وزارة الخارجية، بل أنها لكثير من الشخصيات ومنها لعارضات الازياء، وهنا لا أستبعد أن يستغل هذا الجواز لتهريب العملة والاشياء الثمينة خصوصاً وإن الفساد يضرب جميع مفاصل الدولة.

لقد أكدت وزارة الداخلية العراقية عبر “مدير شؤون الجوازات” العميد الحقوقي “ماجد أحمد” بأنه أصدر من (4) ألف جواز الى (42) ألف جواز سفر دبلوماسي، وهذا يجعلنا نقول أذا كان الجواز الدبلوماسي هذا قدره فما هي مكانة الجواز العراقي العادي، هذا بالإضافة الى الفساد الذي طال منح المناصب الحيوية في الوزارة لشخصيات غير مؤهلة لشغل هذه المناصب، ومنها منح المناصب الدبلوماسية في السفارات والمحافل الدولية الى شخصيات غير كفوءة وغير مهنية تسببت في احراج العراق على المستوى الرسمي في الكثير من المناسبات الرسمية، والذين تم تعيينهم حسب المحاصصة الحزبية والطائفية بين المكونات بغض النظر عن الكفاءة والمهارة والمؤهلات لشغل هذا المنصب، وهذا سفير العراق بالأردن “حيدر منصور العذاري” المنتمي الى حزب الدعوة، والذي سربت له صور غير لائقة عن حفلات أقيمت في بيته تسببت في تبديله، وهذا كله يجري بسبب الصفقات والاتفاقات السياسية بين الكتل والأحزاب السياسية بعيداً عن المصالح الوطنية بحيث أصبح الفساد السياسي هو المعوق الرئيسي أمام بناء دولة مدنية حديثة.