العلاقات في ظل حكومة العبادي: في عام 2014 حدثت تطورات خطيرة في الملف العراقي ومنها سيطرة تنظيم الدولة على العديد من المحافظات العراقية وأصبح هناك تهديد حقيقي للنظام الحاكم في بغداد، وكذلك لحكومة اقليم كردستان العراق، وقد تزامن ذلك مع وصول “حيدر العبادي” الى رئاسة الوزراء، فعملت تركيا على ارسال بعض المساعدات القتالية الى بغداد، كما قدمت الدعم اللوجستي والاستخباري لمواجهة تنظيم الدولة، كما وافق العبادي على تواجد القوات التركية في “معسكر بعشيقة”، حيث قامت القوات التركية بتدريب “قوات البشمركة”، و”الحشد الوطني” التابع “لأثيل النجيفي” وقدمت الدعم اللوجستي، وبنفس الوقت كان هذا المعسكر عبارة عن قاعدة استخبارية متقدمة لقواتها لجمع المعلومات ومراقبة تحركات حزب العمال الكردستاني، وفي عام 2015 حدث تبديل للقوات التركية المتواجدة في “معسكر بعشيقة” بكتيبة مؤلفة من(150)جندي و(25)دبابة، الأمر الذي أثار ضجة كبيرة في البرلمان العراقي بضغط وتوجيه من الميليشيات التابعة لإيران، التي ضغطت على حكومة العبادي على أعتبار هذا التواجد استفزازياً وخرقاً للسيادة العراقية علماً بأن الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” قال في عام2015، “بأن التواجد التركي كان بطلب من رئيس الوزراء “حيدر العبادي” في عام2014، وإنه يستغرب عن صمت الأخير على هذه الضجة”، الأمر الذي أظهر حكومة العبادي بأنها لا تختلف كثيراً عن حكومة المالكي.

إن العلاقات العراقية-التركية بين عامي 2014 و2017 شهدت تقلبات كثيرة خاصةً وأنها تزامنت مع سيطرة تنظيم الدولة على الكثير من المحافظات العراقية، حيث شاركت تركيا في التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الامريكية، وقدمت الدعم الاستخباري واللوجستي لمواجهة تنظيم الدولة، كما أنها استضافت الآلاف من العراقيين على أراضيها الى يومنا هذا، ثم عادت العلاقات التركية-العراقية الى التوتر مرة أخرى في عام 2015 بسبب تواجد القوات التركية في “معسكر بعشيقة”، حيث تم استدعاء السفير التركي وتسليمه مذكرة احتجاج شديدة اللهجة تطالب بسحب القوات التركية من العراق، كما قدم العراق مذكرة احتجاج الى الأمم المتحدة والجامعة العربية، علماً بأن السيد “أحمد داوود أغلوا” رئيس الوزراء التركي، قال: “بأن التواجد التركي أملته زيادة تهديدات تنظيم الدولة”، وقد كان موقف حكومة الاقليم  مع تركيا في هذه الأزمة ضد الحكومة المركزية وضد حزب العمال الكردستاني في هذه الازمة، خصوصاً بعد أن تنامت الخلافات بين القيادات الكردية العراقية وبين قيادات حزب العمال الكردستاني الذي بدأ يتمدد في الكثير من المناطق الكردية على حساب نفوذ حكومة الإقليم.

لقد حرصت تركيا على الحفاظ على علاقات متوازنة بين الإقليم من جهة، وبين الحكومة المركزية من جهة أخرى، بما فيها محاولة إشراك الحكومة المركزية في الاتفاقيات الاقتصادية التي أبرمت مع الاقليم ومع ذلك فقد تنامت العلاقات الاقتصادية والتبادل التجاري المشترك بين تركيا وحكومة الاقليم والمركز، ثم جاء عام 2017 لتقوم حكومة إقليم كردستان العراق بإجراء الاستفتاء على الانفصال من العراق لتعود العلاقات التركية مع حكومة المركز الى الدفء مرة أخرى، لكون هذه الخطوة تعتبر تهديداً مباشراً للأمن القومي لكلا البلدين، مما دفع تركيا الى تطوير علاقات قوية للغاية مع بغداد مرة أخرى لمصالح مشتركة ومتبادلة، حيث انعقد اجتماع لمجلس التعاون الاستراتيجي والذي كان معلقا بين البلدين، كما أجريت مناورات عسكرية مشتركة على الحدود العراقية التركية، وتم الاتفاق على فتح منفذ حدودي ثان مع العراق، كما منحت أنقرة حكومة بغداد (5) مليارات دولار دعما ماليا لإعادة إعمار العراق، وأغلقت المنافذ البرية والاجواء مع حكومة أقليم كردستان العراق لإجبارها على التراجع عن هذه الخطوة.

 

العلاقات في ظل حكومة عادل عبد المهدي وحكومة الكاظمي: لقد كان موقف الحكومة التركية متوازناً تجاه الاحتجاجات والمظاهرات التي انطلقت في عام2019في المدن والمحافظات الجنوبية وبغداد من خلال عدم انخراطها اجتماعياً وسياسياً بالأحداث والتي سرعان ما أطاحت هذه المظاهرات بحكومة “عادل عبد المهدي ” بعد فترة وجيزة من تشكيلها، بعد أن استخدم مقاربة القوة في مواجهة المتظاهرين السلميين الذين خرجوا للمطالبة بأسقاط الحكومة، والبرلمان، والطبقة السياسية الفاسدة التي فشلت في توفير أبسط الخدمات حيث تم استبدالها بحكومة توافقية برئاسة “مصطفى الكاظمي” الذي قام زيارة رسمية لأنقرة في عام 2020، برفقة وفد كبير، حيث تم التباحث في ملفات الأمن، والطاقة، والاقتصاد، والاستثمار، والمياه، والربط السككي، والتأشيرة، والاموال المجمدة، كما تم عقد العديد من الاجتماعات بين الوفدين تمخض عنها التوقيع على الكثير من الاتفاقيات مثل “اتفاقية منع الازدواج الضريبي وفق ضريبة الدخل ومنع التهرب الضريبي”، و”مذكرة تفاهم للتعاون الثقافي”، وزيادة التبادل التجاري، والتعاون ضد الارهاب، ومع ذلك فقد كانت العلاقات بين العراق وتركيا في هذه الفترة متشنجة ومقيدة، لكون “الكاظمي” كان يرأس حكومة انتقالية واجبها أن تؤسس لانتخابات مبكرة، بالإضافة الى إن هناك ضغوطات داخلية كبيرة كانت تمارس من قبل قوى وميليشيات مسلحة تمنع الحكومة من تطوير علاقاتها مع دول الجوار أو مع محيطها العربي أو الاسلامي بدفع وتوجيه من إيران.

العلاقات في ظل حكومة السوداني: في مارس/اذار عام 2023 زار رئيس الوزراء العراقي “محمد شياع السوادني” تركيا والتقى الرئيس التركي “رجب طيب اردوغان” وتم خلال اللقاء بحث العلاقات الثنائية، والملفات المهمة المشتركة على كافة الاصعدة، كما بحث الجانبان الخطوات التي من شأنها تعزيز التعاون والعلاقات بين البلدين، وخاصةً مكافحة الارهاب، وإعادة الأعمار، والتعاون في مجال التجارة، والطاقة، والتبادل التجاري، كما تم الاتفاق على تشكيل لجان فنية للبحث عن حلول مستدامة لقضية المياه، كما تم زيادة الاطلاقات المائية الى (200) مكعب بالثانية لمدة شهر لتعزيز الخزانات والسدود العراقية، كما تم الاتفاق على قيام الحكومة المركزية بالسيطرة على الحدود بالتعاون مع حكومة الاقليم لمنع تجاوزات حزب العمال الكردستاني تجاه الجارة تركيا، بما فيها عدم السماح له باستخدام الاراضي العراقية منطلقاً لهجماته على تركيا، كما تم الاتفاق على اعطاء تسهيلات لرجال الاعمال الاتراك للدخول الى العراق للاستثمار، من خلال تأسيس اعمال ضخمة تجعل من تركيا اكثر حرصاً على استقرار العراق، وذلك لضمان ديمومة اعمال شركاتها، كما تم الاتفاق على اطلاق “مشروع التنمية” الذي يبدأ من ميناء الفاو في مدينة البصرة وصولا الى تركيا والى أوروبا، ومع هذا فأن حكومة “السوداني” بحاجة لأن تثبت بأنها تختلف عن الحكومات السابقة للداخل والخارج، لذا فهي في بدايتها وتحتاج الى الوقت والى خطوات فعلية وجادة لحلحلة الملفات العالقة بين البلدين، لذا من المبكر الحكم على طبيعة العلاقة بيت البلدين.

إن طبيعة الملفات العالقة بين العراق وتركيا معقدة وعابرة للحكومات لكونها تأخذ مسار التقارب تارة والتباعد تارة أخرى،وقد مرت العلاقات بين البلدين بالكثير من الأزمات والصعوبات، إلا أن المصالح المشتركة تفرض على الجانبين مرونة في التعاطي مع الازمات، لأن نقاط الالتقاء كثيرة وواعدة وهذا مما يجعلنا نقول بأن السياسية الخارجية التركية تجاه العراق كانت دائماً مبادرة ولا تنتظر الفعل لتكون لها ردة فعل على ذلك، لذا لا أتوقع أن يكون هناك  تغيراً  كبيرًا في الملف الأمني، والسياسة المائية مالم تكن هناك متغيرات حقيقة في السياسية الخارجية العراقية تجعل من تركيا تستجيب الى الرؤى والسياسات الجديدة في التعامل مع ملفات ساخنة تمس الأمن القومي لكلا البلدين بشكل مباشر، خصوصاً وإن العراق يحتل مكانة كبيرة في السياسية الخارجية التركية في الكثير من الجوانب والملفات لا سيما الجانب الامني والاقتصادي، وهذا يأتي مع توجه حكومة السوداني في التصالح والانفتاح على المحيط العربي ودول الجوار، وهذا من المؤكد سينعكس على طبيعة العلاقات بين البلدين ومصالحهم المشتركة والمتبادلة، كما أنها ستعتمد على قدرة حكومة السوداني على تحقيق التوازن في العلاقات مع الدول حسب المصالح العليا لكلا البلدين، وكذلك على قدرته في أحداث الاستقرار الأمني والاقتصادي والاجتماعي الداخلي، الأمر الذي سيسهم في دفع السياسية الخارجية نحو الاستقرار الإقليمي، ناهيك عن الفوائد التي قد يجنيها البلدان.