الدكتور فارس الخطاب
أعادت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وبريطانيا وقوى متحالفة معها على العراق ليلة العشرين من شهر آذار /مارس عام 2003م العالم كله لمنطق الاستعمار المباشر بعد أن كان هذا المفهوم قد تراجع كثيراً بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية ثم الحرب الباردة بين الغرب والإتحاد السوفييتي.
صحيح أن موضوع أسلحة الدمار الشامل كانت شماعة الأسباب المعلنة للحرب على العراق إلا أن أسبابًا أخرى كانت أمام أنظار المتحمسين للحرب من أهمها السيطرة على الخزين الإستراتيجي للنفط في هذا البلد وهو ما يفسره التحريض المستمر الذي مارسته شركات نفطية عملاقة أمريكية كانت أم بريطانية مثل PP وهاليبرتون وShel؛ وعلى هذا فإن وثائق أمريكية نشرتها إحدى وسائل الإعلام القريبة من صّناع القرار في واشنطن في 2002م تؤكد أن قرار غزو العراق أُتخِذ عبر رؤية وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد بعد ساعة واحدة من هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001م .
لقد تفنن الجانب الأميركي-البريطاني في اختلاق الأعذار لغزو العراق، فمن ترويج فكرة أن العراق “حليف” لتنظيم القاعدة، إلى سلسلة أكاذيب بشأن إمتلاك صدام حسين لإسلحة دمار شامل إستراتيجية سيضرب بها لندن وتل أبيب وأهداف ومصالح أميركية في الشرق الأوسط، هذا الكلام لم يكن موجهًا لعامة الناس بل كان يستهدف قادة الكونجرس الأميركي ومجلس النواب البريطاني ومن بعدهم بالطبع جموع شعوبهم التي، ورغم الحبكة الإعلامية التي يمتلكها المخططون للحرب، فإن تظاهرات مليونية خرجت في كل أنحاء العالم رافضة للحرب، في حين لم تسجل صفحات التاريخ خروج أي تظاهرة في أي مكان في العالم مؤيدة لها.
إن عرابي الحرب على العراق حينها، في واشنطن ولندن على وجه التحديد، لم يكن لمشروعهم الشيطاني الكبير أن ينجح ويحقق أهدافه لولا وجود حفنة من العملاء والخونة لوطنهم وشعبهم، حيث قدمت مجاميع صغيرة وأفراد نفسها كممثلين للمعارضة العراقية خلال وجودهم في الولايات المتحدة وأوروبا وسوريا وإيران، فكانت هذه المعارضة المشوهة واجهة العمل العدواني للغزاة وجندت واشنطن ولندن كل إمكانياتهما للحصول على توصيفهم بـ”المعارضة العراقية” وتم الضغط على مجلس الأمن ووسائل الإعلام للإعتراف بها والترويج لها، ساعدها في ذلك جهد إقليمي واسع كان بعضه (مع الأسف) من دول عربية فاقدة للحسابات الاستراتيجية لما بعد احتلال العراق رغم معرفتها بتفاصيل من وسموا بوصف المعارضة ومآلات تسلمهم جمهورية العراق بسياج فولاذي أميركي.
لقد أظهر الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، موقفاً واضحاً من مسألة الحرب على العراق، فمن جهة ركّز على أن ثمن الحرب الذي سيسعى لاستحصاله من العراق لمشاركة بلاده في الحرب هناك هو “النفط والغاز” وقال: ” إن الولايات المتحدة لن تغادر العراق قبل أن يدفع تكلفة قواعدها العسكرية” وأضاف: “إذا أجبرت القوات الأميركية على المغادرة، فسنفرض عقوبات كبيرة على العراق لم يروا مثلها من قبل، ستكون عقوبات إيران بجوارها شيئا صغيرا”، وذكر ترامب أكثر من مرة ومناسبة أن الحرب ما كانت لتكون لولا وجود مجموعة من الكذابين خدعوا الكونجرس والشعب الأمريكي وخص وزير الخارجية الأميركي الأسبق كولن بأول بالقول: “كان مسؤولا عن إدخالنا في حروب الشرق الأوسط الكارثية، ألم يقل باول إن العراق امتلك أسلحة دمار شامل؟ العراق لم يمتلكها، لكننا خضنا الحرب!” وعن قرار غزو واحتلال العراق قال ترامب: ” إن إطلاق الرئيس الأسبق، جورج بوش الابن، حملة غزو العراق عام 2003 كان أسوأ قرار تم اتخاذه في تاريخ الولايات المتحدة”. ويختصر ترامب الموقف الأمريكي من احتلال العراق بإنه “كان عليها أن تأخذ النفط من العراق خلال احتلال البلاد” وفق ما أسماه بـ “عدالة المنتصر”.
عدالة المنتصر:
إذن، وفق تعبير “عدالة المنتصر” فإن هذه العدالة من وجهة النظر الأمريكية تتحقق عبر عدة واجهات أُسسِت على نظرية الأواني المستطرقة، حيث تتعدد أشكال وألوان هذه الواجهات فيما تشكل قواعدها مستوى محسوباً بدقة، وبعد خسارة الولايات المتحدة 4487 مقاتل خلال الفترة من 2003م حتى 2011م (بحسب إعلان وزارة الدفاع الأمريكية) ؛ فإن واشنطن ركزت على عمليات تجميل وترقيع للعملية السياسية في العراق رغم فشل اللاعبين الأساسيين فيها في إدارة دفة الحكم بما زاد من الحنق الشعبي العراقي على أمريكا وعلى من يساعدها على البقاء في العراق كعامل متحكم في شؤونه السياسية والإقتصادية وأيضاً في استقدام إيران للإنسياح في الأراضي العراقية عبر بوابات الاقتصاد ومناهج التربية والتعليم والتغيير الديمغرافي وصناعة المليشيات التي تمنع العراقيين من تحقيق النجاح المطلوب في أية انتفاضة قاموا بها خلال عقدين من الزمن.
إن الساسة الذين هيمنوا على المشهد العراقي بعد عام 2003م عملوا على خيانة بلدهم وشعبهم لصالح الولايات المتحدة وإيران في مفصلين أساسيين ؛أولهما عندما قدموا أنفسهم كممثلين للمعارضة العراقية قبل عام 2003م والقبول بالقيام بتسهيل احتلال بلادهم وتنفيذ أجندة المحتل بشكل مهين، والثاني عندما وقّعوا اتفاقية الإطار الإستراتيجي مع واشنطن عام ) 2008م)، في ظل غياب أية حالة من حالات التوازن الإستراتيجي بين الطرفين، وهو كما عبرت عنه هيئة علماء المسلمين في العراق ببيان صدر عنها في وقته بالقول “من الطبيعي أن تصب نتائج هذه الاتفاقيات في صالح الولايات المتحدة الأمريكية وعلى نحو يفقد العراق فيه الكثير من سيادته واستقلاليته، وخيراته وثرواته، إن هذه الاتفاقية لا تعدو أن تكون هيمنة عسكرية واقتصادية وثقافية للاحتلال الأمريكي، يراد فرضها على أبناء العراق”، وهو ما ظهر لاحقاً بوضوح بعد دخولها حيز التنفيذ حيث منحت هذه الاتفاقية الفرصة التي يحلم بها لإخراج قواته من العراق التي كانت تعاني من هزيمة ملموسة على أيدي رجال المقاومة العراقية، كما بدا موقف العراق الهزيل عند ولاية الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عندما لوح العراق برغبته بإخراج القوات الأمريكية من أراضيه فكان رد ترامب دليلا قاطعا على أن الطبقة السياسية لا تملك القدرة الفعلية على اتخاذ قرارات سيادية كاملة دون رغبة واشنطن وهدد بشكل مهين أيضاً بعقوبات مالية وسياسية إضافة إلى التلويح بالقوة التي ختمها باغتيال محرك هذه الدعوات الجنرال الإيراني قاسم سليماني ورفيقه أبو مهدي المهندس.
أما في الجانب الإيراني، فقد كان مجمل العملية السياسية تسير وفق إرادة المرشد الأعلى وقيادة فيلق القدس وتحت مرأى ومسمع ومعرفة الجانب الأمريكي، ووجد الكثير من أتباع “الولي الفقيه” أن ما منح للجانب الأمريكي يجب أن يقابله اتفاقية إطار استراتيجي مع طهران، فشرعت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب العراقي للعمل على إجراء مباحثات مع إيران لعقد اتفاقية استراتيجية في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية، وقال عضو اللجنة مختار الموسوي حينها (نهاية أغسطس/آب 2020م): “هناك محورين في العالم: محور روسي صيني إيراني عربي، وآخر أميركي أوربي عربي أيضا، والعراق بين المحورين تحت ضغوط سياسية خارجية وداخلية، ونتمنى أن يعقد العراق اتفاقيات استراتيجية مع جميع المحاور، بهدف استقرار البلد وتحقيق مصالح متبادلة”، وما أجج هذه الرغبة الإيرانية هو الانتفاضة الشعبية العراقية في عام 2019م وسقوط حكومة عادل عبد المهدي جرائها، وتعرض المنتفضين لمقار دبلوماسية إيرانية في محافظات عراقية عدة مع رفع شعارات مدوية تطالب إيران بالخروج من العراق من قبيل “بغداد حرة حرة .. إيران برّة برّة” بما جعل إيران تدرك بوضوح هذه الرسائل وتدرك أيضاً أن الأحزاب القريبة منها تفقد مساحة التأييد في الداخل العراقي، وأن أفضل سبيل لتقييد خيارات العراق في علاقته معها هو عقد هذه الاتفاقية وبالشكل الذي يجعلها ملزمة للحكومات العراقية اللاحقة.
اليوم، وبعد عشرين عاماً من الاحتلالين، الأمريكي والإيراني ما هو المشهد الحقيقي في العراق ؟ ؛ بشكل عام، كان الاحتلال الأمريكي، وكما شبهه ساسة غربيين بسرطان يسري وينتشر في مناطق عدة ويقفز من مجالٍ إلى آخر بما يجعل العاقبة الأخيرة وخيمة ومدمرة لمديات زمنية طويلة، فالعراق اليوم وبعد عقدين من الزمن في أزمات اقتصادية مزمنة، وبدت الطائفية في حالة تبدو وكأنها المعيار الأهم لتوصيف كل عراقي وكل منطقة، أضف إلى ذلك هدر في الطاقة والاعتماد على إستيرادها من إيران على وجه الخصوص، وانتشار الجريمة المنظمة التي تديرها وتستثمر فيها أيضاً مليشيات ولائية تزداد يوماً بعد آخر قوةً وثراءً، مع تنامي النفوذ الإيراني، وعودة صورة المندوب السامي لدولة الاحتلال بهيئة سفيرة الولايات المتحدة في العراق وقائد فيلق القدس الإيراني، إسماعيل قاآني، إضافة إلى استفحال أزمة المياه وعدم السيطرة على سيادة العراق وتراجع التعليم وتزايد أعداد العاطلين عن العمل، واستفحال انتشار كل أنواع المخدرات، وبالطبع أيضاً تمكن إيران من تثبيت القوة الموازية للقوات النظامية الحكومية والتي لا تتأخذ أوامرها من القائد العام للقوات المسلحة (هيـئة الحشد الشعبي) بالشكل الذي يصطدم به أي رئيس وزراء في العراق وبتهديد هذه القوة بإشعال الحرب الأهلية إذا ما فكر بضبط السيطرة على هذه القوات والمليشيات المنفلتة.
مقال خاص براسام

