الباحث: حسين صالح السبعاوي
مضى عشرون عاما على احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها إيران، وكان لهذا الاحتلال الغاشم أثار سلبية على العراق شملت كافة مناحي الحياة السياسية، والأمنية، والاقتصادية، والاجتماعية، ودمرت البنى التحتية وتحول العراق من دولة رائدة لها مكانتها المرموقة في العالم العربي والإسلامي إلى شبه دولة تتحكم به مجموعة من الطائفيين والفاسدين الذين جاءوا مع الاحتلال ليكونوا خدمًا لمشروعه الذي يراد به تدمير العراق وتقسيمه على أسس طائفية متناحرة يتحكم به مجموعة من القتلة وتجار السلاح المنفلت، ومنذ ذلك التاريخ إلى يومنا هذا تتحكم بمقدرات العراق وشعبه مجموعة سياسية طائفية، حتى نتج عن سياستها ملايين المهجرين ومئات الآلاف من الضحايا ومثلهم من المعتقلين والمغيبين قسريا، وهنا أريد أن أسلط الضوء على المآلات والآثار السلبية التي حلت في العراق بعد الاحتلال الأمريكي سنة ٢٠٠٣ في مناحي الحياة منها:
١-الجانب السياسي:
بعدما كان العراق دولة ذات سيادة وهيبة وحامية البوابة الشرقية للمنطقة العربية والإسلامية من التمدد الإيراني، أصبح اليوم بسبب الاحتلال الأمريكي والإيراني ممرًا آمنا لمشروع ولاية الفقيه الذي جاء به الخميني عام ١٩٧٩، وبعدما كان العراق مستقرا سياسيا ويمتلك قراره الوطني والسيادي أصبح اليوم لا يمتلك إرادته السياسية وتتحكم فيه السفيرة الأمريكية ألينا رومانوسكي، والسفير الإيراني، أما القوى السياسية الحاكمة ما هي إلا دمى على مسرح السياسة حبالها بيد الأمريكان والإيرانيين.
٢- الجانب الأمني:
كان في العراق أكثر من ثمانية فيالق عسكرية إضافة للقوات الأخرى مثل الحرس الجمهوري، والقوة الجوية، والقوة البحرية وجميع هذه القوات كانت تحمي الحدود العراقية من أي احتلال أجنبي أو أي تجاوز من الدول المعادية للعراق، أما القوى الأمنية الداخلية بكل تشكيلاتها فكانت تعمل ليل نهار ليكون الأمن الداخلي مستقراً ويتمتع المواطن بالأمن والأمان، لكن الاحتلال الأمريكي وبجرة قلم من الحاكم المدني “بول بريمر” تم حل جميع هذه القوات الأمنية والعسكرية النظامية في ٢٣ مايو ٢٠٠٣ لتحل محلها المليشيات الطائفية، والجماعات المسلحة التي على أيديها انتشرت الفوضى وكثر القتل على الهوية وأصبح العراق فاقدا للأمن وعاجزا عن حماية حدوده من أي اعتداء خارجي، ويعيش حالة فوضى أمنية يرثى لها .
٣- الجانب الاقتصادي:
من المعلوم أن العراق غني بموارده الطبيعية من النفط والغاز، وبنفس الوقت بلد زراعي بموارده المائية وأراضيه الصالحة للزراعة، فهو يعد من الدول المكتفية ذاتيا بسبب موارده الطبيعية والزراعية وهذا الذي تشهد له سنين الحصار الظالم الذي فرض عليه عام ١٩٩٠، لكن اليوم ورغم الميزانيات الانفجارية والتي تزيد عن ١٠٠ مليار دولار لكل عام إلا أنه بسبب الفساد المستشري في كافة مؤسسات الدولة تجد العراق يعاني من أزمات اقتصادية متعددة سواء على مستوى المعيشي العام أو نسبة البطالة والفقر التي بدأت تنتشر بنسب كبيرة، حيث بلغت نسبة الفقر في العراق أكثر من ٣٠% ، أما الزراعة فأصبحت شبه معطلة بسبب جفاف الأنهار من دول المصب وخاصة إيران التي غيرت مجرى الأنهار التي تصب من أراضيها إلى العراق.
إن السبب الرئيسي الذي يمر به العراق من تدهور اقتصادي هو بسبب الفساد الذي قالت عنه ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة ” إن الفساد في العراق أصبح حالة عامة مستشرية في جميع مفاصل الدولة ولا داعي للبحث عن الأدلة”.
٤- الجانب الاجتماعي:
يعتبر الشعب العراقي من الشعوب المحافظة، وللدين وللعادات والتقاليد دور كبير في بنية المجتمع العراقي، واليوم – وبعد عشرين عاما من الاحتلال – أصبح أكثر من نصف المجتمع يتعاطى المخدرات أو يتاجر بها، وأصبحت الأسرة العراقية مستهدفة، حيث كثر الطلاق بين الأزواج الذي نتج عنه تشريد الأبناء، وكثرت جرائم القتل والسرقة، وفي آخر إحصائية عن نسبة الطلاق الذي أصدرها مجلس القضاء الأعلى في العراق في ١٣ كانون الأول ٢٠٢٣ سجل عام ٢٠٢٢ أكثر من ٧٠ ألف حالة طلاق في المحاكم ، بمعدل يبلغ قرابة ٢٠٠ حالة يوميا، أما المخدرات فكانت آخر إحصائية عن وزارة الداخلية في ٥ آذار ٢٠٢٣ عن ازدياد نسبته بين الشباب الذين يتعاطون المخدرات والتي بلغت ٥٠%، ناهيك عن انتشار الدعارة والحانات.
لم يكتف الاحتلال – بكل ما ذكر أعلاه – بل استهدف تاريخ وحضارة العراق من خلال نهب متاحف العراق وآثاره الثمينة مع نشر التطرف والطائفية المقيتة التي مزقت المجتمع من خلال صراعات عبثية الرابح فيها يكون آخر من يخسر، ثم استهدف جغرافية العراق الموحدة من خلال مشاريع التقسيم التي يراد من خلالها تشكيل “كانتونات” تحكمها المليشيات وأمراء الطوائف الذين يدفعون الجزية للمحتل الأمريكي وهم صاغرون.
ومع كل هذا الذي جرى ويجري في العراق بسبب الاحتلال ما زال هناك أقلية ضالة جاء بها الاحتلال تريد تغيير الحقائق والتلاعب بالمصطلحات وتعتبر كل ما جرى هو “تحرير العراق”، لكن لا غرابة لمن جعل من نفسه تابعا ذليلا للاحتلال على حساب وطنه وأمته، سيما أن هذا النموذج من البشر موجودون عبر التاريخ وفي جميع الدول، حالهم حال “أبو رغال” الذي جعلوه قدوة لهم.
مقال خاص براسام

