د. فارس الخطاب
استباحت إيران علناً وجهاراً السيادة العراقية المهلهلة أصلاً لتنفذ ضربات جوية وصاروخية وبالمسيرات والمدفعية منذ سبتمبر / أيلول الماضي ضد جماعات معارضة كردية إيرانية متمركزة في مناطق محددة في كردستان العراق، وضد أهداف مدنية في محافظة أربيل، في الحالة الأولى بحجة اتهام طهران للمعارضة بمساعدة المحتجين والمنتفضين داخل المناطق الكردية في إيران على الاستمرار في تأجيج الاحتجاجات المتصاعدة والمستمرة في كافة أنحاء البلاد. أما الأهداف المدنية في أربيل فرسالة إيران واضحة فيها، حيث تتضمن رسائل للقيادة الكردية العراقي بقدرة طهران على تقويض الأمن والسلم في مناطقهم وتعريض حركة النمو المضطردة فيه لتراجع لن يتم تعويضه بسهولة؛ بحسب إيران.
إيران من جانبها إعتبرت أن هجماتها المتكررة على شمال العراق “شرعية” وستستمر ما دامت الحكومة الكردية – تحديداً – توفر للمعارضين الإيرانيين الأكراد ملاذات آمنة، وتؤمن لهم مسالك العبور إلى المحافظات الكردية في إيران لتدفع مواطني هذه المحافظات في الاستمرار بالتظاهرات وتطورها إلى حالة من المواجهات مع القوى الأمنية في إيران، موضحةً على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، ناصر كنعاني، أن الأراضي العراقية باتت مصدرا لتهديد إيران وأمنها وأن الحكومة في بغداد وحكومة كردستان لم يقوما بمسؤولياتهما الدولية والاتفاقات الثنائية المبرمة مع الطرف الإيراني .
في الجهة المقابلة فإن الفصائل الكردية المسلحة ومنها بشكل خاص فصائل الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، التي تسميه إيران بالتنظيم الإرهابي، موجودة بمعسكرات لجوء في مناطق محددة في كردستان العراق تعود لفترة الثمانينات من القرن الماضي، حيث كانت وما زالت تمثل قوى تمرد مسلحة ضد النظام الإيراني، كما أن العلاقات بين الحزبين الكرديين في العراق وإيران تمثل علاقة تاريخية ضبطتها تطورات المشهد السياسي في العراق بعد احتلاله عام 2003م من قبل الولايات المتحدة، حيث تخلى الأكراد الإيرانيون عن موضوع التمرد العسكري حتى انطلاق التظاهرات الحالية في عموم مناطق إيران ليعود الحزب ويمثل مصدر خطر يهدد قدرات الحكومة الإيرانية والحرس الثوري على ضبط إيقاع هذه المناطق وليمثل مصدر إقتداء بالنسبة للقوميات الأخرى في إيران.
هناك مشكلة تعلمها إيران جيداً، بل هي جزء مؤسس لهذه المشكلة، فهي تطلب من حكومة بغداد ضبط حدودها ونزع سلاح الجماعات الكردية المناهضة لها، في حين أن كل الحكومات في العراق التي جاءت بعد إحتلال العراق من قبل الولايات المتحدة هي حكومات صورية واجبها الرئيس هو حشر العراق في زوايا التخلف والتراجع وفقدان الهيبة وانتزاع الهوية الوطنية ، وجدلا لو قلنا أن حكومة بغداد حكومة مركزية – باعتبار وجود حكومة في كردستان – فإن عبارة “الحكومة المركزية” لا تعني شيئاً على أرض الواقع ، لإن الحكومة المركزية وفق المتعارف عليه عالمياً تمتلك الوزارات السيادية مهما كان عدد الحكومات المحلية التي تتشكل منها الدولة، وعلى رأس هذه الوزارات ، وزارة الدفاع ، تلك الوزارة التي يفترض أنها تمتلك القوات المناسبة للدفاع عن العراق من أقصاه إلى أقصاه ، وكردستان جزء منوط إلى هذه الوزارة لكي تؤمن حدود العراق وفق منظومة دفاعية برية وجوية تمنع كائنا من يكون من المس بسيادة العراق عبر حدود الإقليم ، فأين هي وزارة الدفاع ؟ وهل من تصريح يؤشر لوجودها على حدود العراق وأيضاً بجميع إتجاهات حدوده؟
الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، حزب العمال الكردستاني التركي، وقوى أخرى تتواجد في كردستان، من يضع ضوابط تواجدهم، ومن يسمح لهم باستخدام حدود العراق كمنفذ لعمليات عسكرية تجاه الدول المحاددة لهذا البلد؟ أليست هذه من واجبات الحكومة الكردية ثم حكومة بغداد؟ إن الكثير من المراقبين للشأن العراقي يرون في هذا الوضع الشاذ للارتباك الأمني والاستراتيجي في شمال العراق يعني فتح المجال بشكل واسع لتغييرات ديمغرافية خطيرة في مناطق بعينها ضمن المنطقة ، فهذا قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني يزور بغداد ويلتقي برئيس الوزراء، محمد شياع السوداني والرئيس الجديد عبداللطيف رشيد، ليحدد لهم مطالب إيران بشكل حازم : نزع سلاح الجماعات الكردية المعارضة لإيران في شمال العراق، وتحصين الحدود لمنع التسلل، ثم يجتمع بقادة الإطار التنسيقي وقادة قوات الحشد الشعبي والمليشيات ليبلغهم أن الحدود بين كردستان وبلاده يجب أن تكون بيد المليشيات الموالية لإيران لإن التواجد الحالي سواء للقوات العراقية وقوات البيشمركة ليس فاعلاً وعليهم أن يستعدوا لهذا المتغير الجديد في بسط النفوذ.
إن الكثير من الأصوات تنطلق هنا أو هناك مطالبةً الولايات المتحدة ودول أخرى بتزويد العراق بمنظومات دفاع جوي متطورة وأسلحة دفاعية لتمكين العراق من خلالها من الدفاع عن أراضيه، ومع أن السلاح يستمد قوته من قوة مستخدمه فإن واشنطن هي من حلت الجيش العراقي وحطمت كل خزينه العسكري، ثم لنفرض أنها قدمت بعض المعدات هنا أو هناك ومنها طائرات إف 16، فأين استخدمت هذه المعدات؟ هل استخدمت للدفاع عن حدود العراق؟ أبداً والأدلة واضحة ولا داعي لذكرها، هي قدمت لتمنع تشكل الروح المعنوية للجيش العراقي الجديد من خلال إشغاله بما يسمى “الحرب على تنظيم داعش الإرهابي”، وفي الحقيقة لا التنظيم انتهى بحسب البيانات الحكومية، ولا الجيش العراقي انتصر، وهكذا تمضي الحالة على سيادة العراق وأمنه، آماله وطموحات أجياله، حدوده ومقدساته، فيما تستمر حكومات الاحتلال ووزارة الخارجية حصراً ، بـ”إدانة” الهجمات الإيرانية شأنها شأن الدول التي تراقب الوضع في العراق.
الولايات المتحدة هي المؤسس “الحصري” للعراق الجديد، شأنها شأن الغرباء، وقد اعتبرت هجمات إيران عشوائية وغير قانونية وإنها تعرض استقرار العراق والشرق الأوسط للخطر، فيما كانت بريطانيا أكثر جرأةً حين أعلنت وقوفها إلى جانب حكومة كردستان في مواجهة العدوان الإيراني المتكرر وقالت “رسالتنا واضحة: توقفوا”، وكذلك فعلت ألمانيا ودول أخرى عديدة، لكن هذه الدول جميعها تضع رؤوسها في الرمال عندما يتحدث أحد معهم عن سبب هذا التراجع الإقليمي الخطير، وعن عدم تمكن العراق ، حكومة بغداد وحكومة كردستان ، عن وضع مسار صحيح يضمن تحقيق السيادة ويبسط سلطة القانون ويفرض الهيبة على المتعاملين معه ، فالسبب واضح وهو من جعل العراق بهذا الشكل المزري ذاك هو قيام هذه الدول ذاتها برسم خارطة طريق العراق ليكون بلداً ضعيفاً متراجعاً مهزوماً يأن شعبه من الظلم والظلمات حتى لا تقوم له قائمة ، فعقدة التاريخ هي من حشد هذه القوى لمواجهة البلد الذي اعتبرته إسرائيل في يومٍ ما “عدوها الأول” ، وسيبقى.
مقال خاص براسام

