لقد تبادلت الولايات المتحدة الأمريكية والصين الاتهامات فيما بينها حول قضية تايوان حيث ترى واشنطن بأن على بكين وقف أنشطتها العسكرية “الاستفزازية”، بينما اتهمت بكين واشنطن بأنها هي من تقوم بأعمال استفزازية، وتعمل على تعزيز الروح الانفصالية لأقاليم “هانكونك”، و”تايوان”، و”التبت”، و”شينغيانغ”، كما تحرض الدول السبعة المحيطة ببحر الصين الجنوبي ضد الصين، وحذرت وزارة الخارجية الصينية من دعم استقلال تايوان، وقالت: إن “الانخراط في استقلال تايوان طريق مسدود” وأضافت بأن هذه الخطوة” ستكون لها تداعيات إقليمية وعالمية كبيرة”، و”أنها ستحطم بشدة أي مؤامرات لاستقلال تايوان”، وقد حاولت بكين تبرير تحليقها الجوي وخرقها للأجواء التايوانية بأنه جاء لحماية سيادتها، والتصدي للتآمر بين تايوان والولايات المتحدة الأمريكية، التي تقدم الدعم للجيش التايواني الذي وصل قوامه الى أكثر من(300)ألف جندي، حيث ينص القانون الأمريكي على مد الجزيرة بالإمكانيات اللازمة للدفاع عن نفسها، كما عملت تايوان على تعزيز علاقتها مع الكثير من الدول منها اليابان، وأستراليا، وواشنطن، أي الدول التي لديها مواقف مناهضة للنفوذ الصيني في المنطقة، وهي جزء من التوافقات التي تشكل لمواجهة هذه التوترات.

ردت تايوان على الاستفزازات الصينية بوضع مقاتلاتها في حالة التأهب القصوى، بما فيها أنظمة الصواريخ بينما جاء الرد من قبل دول التحالف الغربي بأرسال حاملة الطائرات البريطانية المالكة “إتش إم إس كوين اليزابيث” الى بحر الفلبين لأجراء تدريبات مشتركة مع أساطيل الهند وماليزيا وسنغافورة على أن ترسو في خمسة موانئ يابانية كما أنها ستقوم بتدريبات مشتركة مع حاملتي الطائرات الأمريكية الهجومية “كارل فينسون” وكذلك مع حاملة الطائرات “رونالد ريجين” وحاملة طائرات الهليكوبتر “جيس-أي سي” وقد رد الرئيس الأمريكي “جو بايدن” يوم21تشرين الأول /أكتوبر2021على سؤال “لشبكة سي. إن. إن” عما أذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية ستهب للدفاع عن تايوان؟، فأجاب: ” نعم، لدينا ألتزام بذلك” وسندافع عسكرياً عن تايوان أذا شنت الصين هجوماً على الجزيرة”، فيما طلبت بكين من واشنطن ألتزام الحذر في هذا الشأن، مؤكدةً إن “لا مجال للمساومة في مسألة السيادة”، ولا مجال للتنازلات حين يتعلق الأمر بمصالح الصين الأساسية، مما يعني بأن منطقة بحر الصين وغرب المحيط الهادئ على فوهة بركان ربما تنفجر في أي وقت وهذا التصعيد سيؤدي الى صراع حتمي لإشعال الحرب العالمية الثالثة والتي ستكون نووية بأمتياز.

إصابة غواصة نووية أمريكية في بحر الصين الجنوبي: لقد كشفت البحرية الأمريكية إن الغواصة “يو. إس. إس كونيتيكت” التي تعمل بالطاقة النووية قد تعرضت لأضرار كبيرة، نتيجة أصطدامها بجسم مجهول تحت الماء في بحر الصين الجنوبي في يوم2تشرين الأول/أكتوبر الماضي، ولم يعرف ما هو الجسم الذي ضرب الغواصة الأمريكية، والذي يمكن أن يكون سفينة أو حاوية غارقة، أو أي جسم أخر، ولكنها أضافت بأنها الآن أمنة ومستقرة وتعمل بكامل طاقتها ولم تحدث أضرار خطيرة وإن تقييم الأضرار لا يزال جارياً، وقد توجهت الى جزيرة “غوام” التي تعتبر أرض تابعة لواشنطن وأحد أعمدة الأستراتيجية الأمريكية في منطقة المحيط الهادئ، وقد أشار موقع” يو إس إن آي نيوز”، المتخصص في أخبار البحرية الأمريكية، بأن نحو(12)بحارا أصيبوا “بجروح متوسطة إلى طفيفة”، مما يوحي بـأن الغواصة كانت تسير بسرعة كبيرة أدت الى وقوع أصابات لهذا العدد الكبير من البحارة الأمريكان، وقد أعرب المتحدث بأسم الخارجية الصينية، تشاو ليجيان” إن “على الولايات المتحدة وغيرها من الدول المنخرطة في هذه الحادث الكشف عن التفاصيل، بما في ذلك المكان الذي حصل فيه الاصطدام؟، وما هي أهدف رحلة الغواصة؟، وماهية الجسم الذي أصطدمت به؟، وما إذا كان هناك أي تسرب إشعاعي أو ضرر للبيئة؟”وهذا يعني تصاعد حدة التوتر في هذه المنطقة الأستراتيجية، كما إنه ويكشف حجم النشاط العسكري والاستخباري في هذه المنطقة الحيوية بين الدول الكبرى.

الاستراتيجية الأمريكية في منطقة المحيطين الهادئ والهندي:
لا شك بأن وصول إدارة “جون بايدن” للبيت الأبيض ترتب عليها وجود تغيرات مهمة في السياسية الداخلية والخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي أنعكس بشكل كبير جداً على الاستراتيجية العسكرية التي تتبعها الإدارة الامريكية بالعالم، علماً بأن الإدارة الحالية تتفق مع إدارة “ترامب” على إنه يجب وقف التدخل العسكري الأمريكي في الخارج والعمل على أنهائه في المناطق الساخنة، بل يجب تقليصه وتخفيضه الى الحد الأدنى، لوضع نهاية للتورط الامريكي في حروب عبثية لم تجني منها الولايات المتحدة غير التراجع، والخسائر على كافة المستويات، لذا يجب انهاء هذه الحروب وعدم ترك القوات الأمريكية متورطة في نزاعات طويلة لوقف الاستنزاف والتراجع، ليتسنى لها نقل هذه القوات الى مناطق هي أكثر سخونة ولها تداعيات على الأمن القومي الأمريكي، وهذا يفسر لنا هزيمة القوات الأمريكية من أفغانستان وتركتها لترسانة كبيرة من الاسلحة الثقيلة بمختلف أنواعها والتي سيطرت عليها حركة طالبان بعد اجتياحها للبلاد، ويمكن لنا أن نقول بأنها قبلت بأقل الخسائر بهذا الانسحاب، وكذلك عدم تدخلها بصورة مباشرة في الحرب الروسية الأوكرانية حيث اكتفت بتقديم الدعم العسكرية والاستخباري واللوجستي للقوات الأوكرانية، كون التدخل بصورة مباشرة فهذا يعني الذهاب الى حرب عالمية ثالثة، وفي كل الاحوال نحن أمام تراجع عسكري على المستوى الاستراتيجي للدولة التي حسمت الحرب العالمية الثانية وتربعت على عرش القوة وفرضت هيمنتها وسيطرتها على العالم.

إن الانسحاب الامريكي الذي جرى ويجري من منطقة الشرق الأوسط له أسباب كثيرة منها: إن الكثير من مناطق الصراع تحولت لبؤر وقضايا مستعصية تستنزف القوة الأمريكية الشاملة، كونها تتطلب توفير قوات، وإمكانيات، وقدرات مالية ولوجستية وعسكرية كبيرة، في الوقت الذي تظهر فيه قوى أخرى في العالم، تقوم ببناء قدراتها العسكرية والاقتصادية على حساب موازين القوى في المنطقة والعالم، لذا فهي تنظر لهذه التطورات والاحداث بأنها تستوجب توفير جميع هذه الامكانيات والقدرات لمواجهة هذه القوى الكبرى، مثل الصين، وروسيا، وكوريا الشمالية، وخاصة التمدد الصيني في المحيط الهادي، والمحيط الهندي، حيث سعت الصين خلال الفترة الماضية عن طريق الاقتصاد، والاستثمار، والشراكات الاقتصادية لبناء علاقات وثيقة مع الدول الاسيوية الفقيرة، التي أغرقتها بالديون مثل بنغلادش، وسريلانكا، وكينيا، وجزر المالديف، للحصول على قواعد عسكرية على أراضيها.
إن الأستراتيجية العسكرية للولايات المتحدة الأمريكية ترى بأن التمدد الصيني هو خطر داهم على هذه المنطقة الاستراتيجية، الأمر الذي جعلها تأخذ هذا التهديد على محمل الجد من ناحية الوقت، والسرعة المطلوبة، والإجراءات الرادعة الواجب أتخاذها، بما فيها تشكيل التحالفات العسكرية والأقتصادية لتكون بمثابة نقاط ومواقع عسكرية قوية ومحصنة تطوق النفوذ الصيني لمواجهته وأحتوائه وتحجيمه كهدف أستراتيجي أمريكي، لذا فالتحالف الأمني مع أستراليا يحقق لها مصالح أستراتيجية عسكرية راجحة بسبب موقعها الجغرافي، وكذلك لألتقاء المصالح السياسية والعسكرية والاقتصادية بين واشنطن ولندن وكانبيرا، الأمر الذي دفعهم لهذا التحالف دون أنتظار الأخرين ومنهم الدول الأوروبية التي تركوا لها الباب مفتوحاً للانضمام لهذا التحالف، مع تزايد الخلافات الداخلية بين دول “حلف الناتو”، خصوصاً التنازع الفرنسي-الألماني على قيادة الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي قد يؤخر واشنطن عن تنفيذ هذا الهدف الاستراتيجي، علماً بأن الولايات المتحدة حركت في يونيو/ حزيران عام2022م،أربع قاذفات استراتيجية(B-B1)الى قاعدة أندرسون في جزيرة غوام الأمريكية كحالة من التوزان الاستراتيجي في المنطقة مع الصين وبنفس الوقت هي رسالة واضحة للصين فيما يخص التهديدات الصينية لتايوان، علماً بأن هناك تمرين عسكري تقوم به القوات الأمريكية تحت مسمى “الدرع الشجاع” في هذه المنطقة الساخنة.
ترتكز الاستراتيجية العسكرية الأمريكية الجديدة في العالم على عدم التدخل للدفاع عن الأنظمة الحاكمة وما جرى في أفغانستان و أوكرانيا خير دليل على ذلك عندما تم الإطاحة بالرئيس الأفغاني أشرف غني رغم موالاتها لواشنطن، لذا سيقتصر الدعم الأمريكي على تقديم المساعدة للشركاء والانتقال من القيادة الى الدعم اللوجستي والجوي والأستخباري للحلفاء في مناطق الشرق الأوسط وأفريقيا، كما أنها ستلجأ الى القصف الجوي لمهاجمة الخصوم بمختلف أنواع الطائرات المقاتلة والمسيرة، كما ستعمل على إقامة وبناء وتشكيل تحالفات عسكرية وأقتصادية وأستخبارية مثل “أوكوس” و”كواد” و”العيون الخمسة”، على أن تجري أعادة التموضع والتمركز وتحويل القوات العسكرية، وقدمات الدعم اللوجستي من المحيط الأطلنطي الى المحيطين الهادئ والهندي، حسب الأولويات الجديدة، والتهديدات المحتملة، مع توفير الاستهلاكات الغير ضرورية، وإيقاف الاستنزاف العسكري والاقتصادي في مناطق النزاع والخروج منها، على أن يجري توجيه القوة العسكرية الأمريكية نحو أحتواء التمدد الصيني وتحجيمه، كما يقول الرئيس الأمريكي “بايدن” لكي نكون قادرين على معالجة البيئة الاستراتيجية في المنطقة وكيفية تطورها”، علماً بأنه قد صرح في حملته الأنتخابية بأن استخدام القوة يتلخص في كونها الخيار الأخير لأدارته في الدفاع عن مصالح الأمن القومي، والمصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية، وأنه لن يتردد في أستخدامها بما يتناسب مع قواعد العلاقات الدولية.
إن أدارة “جو بايدن” تعمل وفقاً لاستراتيجية “ترامب” للمحيطين الهادي والهندي في كيفية الحفاظ على التفوق الاستراتيجي لواشنطن في هذه المنطقة الحيوية، لمواجهة الاستراتيجية العسكرية الصينية الجديدة التي تشمل تطوير قدراتها العسكرية الشاملة النووية، والجوية، والبحرية، والصاروخية، وأتباع استراتيجية منع وصول القوات العسكرية الأمريكية للبر الصيني، ومعارضة جهودها من خلال أنشاء مجالات عازلة، مما دفع الولايات المتحدة الأمريكية الى تطوير استراتيجيها العسكرية المضادة، والتي ترتكز على التكيف السريع مع القدرات الجديدة للجيش الصيني، وأطلق استراتيجية جديدة تحت أسم “الولوج أو النفاذ التشغلي المشترك الى مناطق منع الوصول الصينية”، بهدف تمكين القوات الأمريكية ومن تدمير وتحطيم الجهود العسكرية الصينية بضربات دقيقة وموجهة للمطارات، والقواعد الرئيسية، مع دعم قدرات الحلفاء في بعض بلدان شرق أسيا كاليابان، وكوريا الجنوبية، وفيتنام، من أجل مواجهة الصين التي تطمع في السيطرة على ثروات بحر الصين.

الاستنتاجات والخلاصات:
• يعتبر تشكيل هذا التحالف الأنجلو-سكسوني بين واشنطن ولندن وكانبيرا نقلة نوعية وخطيرة في الصراع بين واشنطن وبكين كونه يمثل تغير كبير في السياسية الخارجية الأمريكية والاستراتيجية العسكرية التي تهدف الى مواجهة الطموحات الإقليمية لبكين بهذه المنطقة الاستراتيجية، وهو أنتقال خطير من التنافس الأقتصادي الى التصعيد والصراع العسكري، وهو يمثل رسالة أمريكية واضحة تتضمن نقل التركيز والاهتمام العسكري من المحيط الأطلنطي والشرق الأوسط الى منطقة المحيطين الهادئ والهندي، التي ستكون مسرحاً للحرب العالمية القادمة في حال وقوعها، وهو أحد الأسباب التي جعلت التحالف الأمني (أوكوس)يركز على إعادة بناء وتشكيل القوة البحرية للدول الحليفة في هذه المنطقة.
• إن دخول أستراليا لهذا التحالف الأمني(أوكوس)سيعزز من قدراتها العسكرية الدفاعية بشكل كبير خصوصاً بعد حصولها على غواصات تعمل بالطاقة النووية من واشنطن، كونها تحاول من خلال هذا التحالف تعميق التزاماتها الدفاعية مع الولايات المتحدة الأمريكية، بما فيها تطوير قدراتها العسكرية، والتكنولوجية، والصاروخية بعيدة المدى، بالإضافة لحصولها على تقنيات الحرب إلكترونية، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، بما فيها متطلبات الأمن السبراني التي أصحبت ليس خياراً تكنولوجيا فحسب وإنما هو خياراً أستراتيجياً لكانبيرا،، الأمر الذي سيعزز من الأمن القومي الأسترالي وإمكانية الردع بما يمكنها من الدفاع عن مصالحها وأمنها وهو يفسر لنا الأندفاعة الأسترالية للدخول بهذا التحالف الأمني، خصوصاً وإن الصين باتت تشكل تهديد مباشر لدول المنطقة، وقد كانت عدائية تجاه أستراليا في الفترة الماضية، كما إن حصولها على هذه القدرات والتقنيات سيجعل أمكانية التنسيق العسكري بين دول التحالف أسهل في أي مواجهة عسكرية مقبلة.
• إن هذا التحالف سيطلق العنان للصين، وروسيا، وكوريا الشمالية، وإيران، وفنزويلا، والهند وغيرها من الدول الأخرى الى تشكيل تحالفات مضادة، مما يجعلنا نقول بأن هذه المنطقة ستشهد تكتلات وتحالفات مقابلة، مما يزيد من حدة التوتر في الفترة المقبلة، علماً بأن انضمام إيران الى منظمة “شنغهاي” قد تكون جزء من الرد الصيني الروسي على هذا التحالف، وكذلك التهديد الذي أطلقه الرئيس الكوري الشمالية الذي قال: بأن هذا التحالف “سيدفعنا للرد بالمثل بتشكيل تحالفات جديدة”، مما يجعل المنطقة ساخنة ومهيئة للتصعيد، كما إنه قد يدفع الصين الى التفكير جدياً بأحتمال توجيه ضربة نووية لأستراليا في أي مواجهة قادمة.