كلما حاولوا غض الطرف عن عدوان طهران، أصبح موقفهم أكثر صعوبة.
إن أحد الأمور المثيرة للفضول في الاتفاقية النووية التي وقعتها إيران مع القوى الكبرى في العالم قبل ست سنوات هو أنه بغض النظر عن مدى سوء تصرف الإيرانيين، فإن القادة الأوروبيين لازالوا يعتقدون بشدة أنهم ما زالوا قادرين على إنقاذ الصفقة.
وهذا هو حقيقة ما قامت به إيران منذ أن احتفلت بتوقيع الاتفاق، وذلك من خلال الشروع في توسيع هائل لبرنامجها المتضمن نشر نفوذها الخبيث في جميع أنحاء الشرق الأوسط، والذي تضمن مساعدة نظام الأسد على تحقيق النصر في سوريا، ودعم محاولات المتمردين الحوثيين للإطاحة بالحكومة اليمنية المنتخبة ديمقراطياً وإطلاق الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران ضد الشعب العراقي.
كما أظهرت طهران استخفافها بخطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) (الاتفاق النووي) من خلال استمرار العمل على تطوير صواريخ باليستية قادرة على حمل رؤوس حربية نووية، وفي الوقت نفسه نفذت سلسلة من محاولات الاغتيال في الدول الأوروبية بهدف إسكات منتقدي النظام الإيراني .
فيما يخص الولايات المتحدة، فقد نفد صبر إدارة ترمب بسرعة من سلوك طهران السيء المستمر، وانسحبت من الصفقة وفرضت حزمة جديدة من العقوبات الاقتصادية المعوقة ضد إيران.
أذن دونالد ترمب باغتيال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس الإيراني مهندس العديد من الجرائم البشعة التي ارتكبتها إيران، والذي قُتل في هجوم صاروخي أمريكي العام الماضي أثناء مغادرته مطار بغداد لتنفيذ مخططات تلحق المزيد من الأذى بالعراق. إن مقتل مثل هذه الشخصية البارزة في التسلسل الهرمي للإرهاب في طهران كان يجب أن يقنع إيران بأن مصالحها قد تُخدم بشكل أفضل من خلال تعديل سلوكها. وبدلاً من ذلك، ومن خلال تقييم عرضه المبكر للعدوان عام 2021، يبدو أن المتشددين في النظام الإيراني مصممون على مضاعفة سلوكهم العدواني.
وفي خطوة تشير إلى نهاية التزام إيران بخطة العمل الشاملة المشتركة، أعلنت طهران مؤخرا أنها ستبدأ العمل على تخصيب اليورانيوم بنسبة 20 في المائة، وهي مرحلة رئيسة في عملية تقود في نهاية المطاف إلى انتاج مواد تصنف كونها أسلحة نووية. بينما ينص الاتفاق النووي على أن إيران يجب ألا تجري تخصيبًا يتجاوز 3.67 في المائة، وهو مستوى تم اختراقه العام الماضي.
كما استأنفت إيران الأنشطة البحرية الاستفزازية في الخليج، حيث صعد فريق من الجنود الإيرانيين المسلحين على متن ناقلة ترفع علم كوريا الجنوبية واحتجزوها في مطلع العام الجديد أثناء مرورها عبر مضيق هرمز.
مع احتفال ايران بالذكرى السنوية الأولى لوفاة سليماني كان من المتوقع أن تميل إيران إلى الاندفاع أكثر في مثل هذا السلوك البغيض، لذلك اتخذت إدارة ترمب بالفعل الاحتياطات المتمثلة في إرسال قاذفات استراتيجية نووية مسلحة من طراز B-52 إلى المنطقة، فضلاً عن حاملة طائرات مقاتلة .
وفي الوقت الذي لم تفقد فيه إدارة ترمب المنتهية ولايتها شهيتها لمحاسبة إيران، فلا يمكن قول الشيء نفسه بالنسبة للأطراف الأوروبية الموقعة على الاتفاق النووي – بريطانيا وفرنسا وألمانيا – والتي لا تزال تبدو متشبثة بفكرة أنه من خلال الحفاظ على الالتزام بخطة العمل الشاملة المشتركة، يمكن اقناع طهران بطريقة ما بتبني مواقف أكثر إيجابية.
لهذا السبب، وبينما كانت إدارة ترمب تنفذ المزيد من العقوبات التأديبية، حاول الأوروبيون، بدعم من المفوضية الأوروبية، الالتفاف على الإجراءات من خلال إقامة ترتيبات تجارية منفصلة خاصة بهم مع طهران. إلا أن هذه المبادرة انتهت بالفشل، حيث لم يتمكن الأوروبيون من طمأنة الشركات العالمية بأنهم لن يتعرضوا للعقوبات الأمريكية إذا استمروا في التجارة مع إيران.
ومع ذلك، لازال القادة الأوروبيون يصرون على أن خطة العمل الشاملة المشتركة هي أفضل وسيلة لمنع إيران من تطوير ترسانة أسلحة نووية على الرغم من الأدلة المتزايدة على أن إيران قد تخلت عن ادعاءاتها بالسعي لكبح طموحاتها النووية، وهي الآن ملتزمة تمامًا بإنتاج مواد تصنف ضمن درجة الأسلحة النووية.
إن مشكلة الزعماء الأوروبيين تكمن في أنهم كلما حاولوا غض الطرف عن سلوك طهران العدواني، كلما زاد ذلك من صعوبة موقفهم. ينطبق هذا بشكل خاص على بريطانيا، حيث يمكن أن تتحول المحنة المتزايدة لنزانين زاغاري راتكليف، المرأة البريطانية الإيرانية المسجونة في إيران بتهم تجسس ملفقة منذ عام 2016، إلى أزمة تواجه حكومة جونسون.
تخضع السيدة زغاري راتكليف حاليًا للإقامة الجبرية وقد احتفلت بأعياد الميلاد، من خلال إرسال أقنعة للوجه إلى العديد من السياسيين البريطانيين بما في ذلك وزير الخارجية السابق جيريمي هانت، التي صنعتها أثناء احتجازها في سجن إيفين سيئ السمعة بطهران، وهي على وشك أن تكمل عقوبة السجن لمدة خمس سنوات في مارس/ آذار المقبل. إلا أن إطلاق سراحها أصبح موضع شك بعد أن أشارت السلطات الإيرانية إلى أنها قد توجه اتهامات جديدة بـ “نشر دعاية ضدها” مما قد يؤدي إلى إعادتها إلى سجن إيفين مرة اخرى .
إن أي محاولة من قبل النظام الإيراني لإخضاع السيدة زغاري راتكليف لمزيد من الحبس الملفق ستجبر الوزراء البريطانيين على قبول أن سياستهم في التعامل البناء مع زعماء الدين كانت فشلاً ذريعًا.

تيلغراف/ كون كوجلين
ترجمة وتحرير: راسام