المقدمة:
إن العملية السياسية التي جاء بها الاحتلال الأمريكي للعراق وقامت على نظام المحاصصة الطائفية، أفضت لتشكيل طوائف ومكونات طائفية حولت العراق لدولة فاشلة، الأمر الذي أدى الى تقسيم وتدمير الدولة العراقية، بعد أن قسم البلد على أساس عرقي، ومذهبي، وطائفي، وأنهى وتجاهل كل المعايير التي تقوم عليها الدول الحديثة من المهنية، والكفاءة، والاخلاص، والولاء للوطن، والتضحية في سبيله، واصبح المعيار لدى حكومات الاحتلال الولاء للحزب والطائفة، والتبعية للخارج ، وأصبح تقيم الفرد يقوم على ما يقدمه الوزير أو المدير من استفادة مادية للحزب والطائفة، وقد كان للاحتلال الامريكي-البريطاني والاحتلال الايراني الدور الكبير والفاعل في اشعال الحرب الطائفية في العراق، وتحويل النظام السياسي الى نظام طائفي استبدادي، وذلك من خلال السياسات التي اتبعها الاحتلال في أنشاء هيكلية النظام السياسي الجديد بعد عام2003.
السياسات الطائفية للاحتلال :
اتبع الاحتلال سياسات متعددة لتنفيذ مشروعه السياسي، ومنها اعتماد مبدأ المحاصصة الطائفية بين الطوائف الدينية والمذهبية والعرقية، التي طالما حافظت على علاقات متماسكة ومتجانسة ومتوازنة حتى بداية الغزو البربري للعراق، رغم التعددية السكانية الواسعة لمكونات الشعب العراقي، حيث بدأ الاحتلال بتنفيذ مشروعه السياسي من خلال أنشاء مجلس الحكم سيء الصيت في يوليو/تموز 2003، من قبل الحاكم المدني الامريكي “بول بريمر رئيس سلطة الائتلاف المؤقتة” حيث تألف المجلس من(25)مقعداً، موزعة حسب الطوائف والعرقيات، حيث تم تقاسم هذه المقاعد حسب رؤية الاحتلال ومشروعه السياسي الذي جاء به لحكم العراق، وصولاً الى كتابة الدستور عام2005.
اقتضت طبيعة النظام السياسي الذي جاء به المحتل توزيع وتقاسم المناصب بين الكتل الثلاث الكبرى، الأمر الذي شكل نتيجة طبيعية لمخرجات النظام الجديد الذي أنشأه الاحتلال، والذي تحول الى سياق ثابت الى يومنا، حيث يتم تدوير الطبقة السياسية التي جاءت معه خدمةً لمصالحه، لأن المعيار في ذلك هو الولاء وليس الحرفية والمهنية والكفاءة، فقد كانت رئاسة الجمهورية مثلاً من حصة الكرد، بينما كان منصب رئيس الوزراء من نصيب الشيعة، وذهب منصب رئيس البرلمان للكتلة السنية، التي همشت بشكل كبير ومقصود من قبل الاحتلال الامريكي-البريطاني، وتعززت بالتحالفات الشيعية الكردية على حساب المكون السني، وتعززت بالأليات الطائفية لتقاسم السلطة والحكم في العراق، من خلال توزيع الوزارات والمؤسسات الحكومية والمحافظات على أساس جغرافي طائفي وحزبي.
لقد أفضت المحاصصة بإسناد وزارة الداخلية للشيعة منذ بداية الاحتلال والى يومنا هذا، بينما كانت وزارة الدفاع من حصة المكون السني، ولكن في الحقيقة يهمين عليها الشيعة بصورة كاملة مع وجود القائد العام للقوات المسلحة الذي ينتمي الى الطائفة الشيعية ليصبح هذا المنصب هامشياً ولا قيمة له، علماً أنه تم تجريد الوزير من الكثير من الصلاحيات لصالح قيادة العمليات المشتركة، وبهذا تحولت مؤسسات الدولة العراقية الى مؤسسات طائفية، بحكم سيطرة الاحزاب والميليشيات المسلحة على هذه الوزارات، كجزء من المحاصصة الطائفية ليس بين الطوائف فقط، وإنما المحاصصة بين الأحزاب ضمن الطائفة الواحدة ، بحيث تحولت هذه الدوائر الحكومية الى ريع يعود للطائفة والحزب، وأصبحت الطائفية هي المعيار الاساسي لبناء الدولة العراقية الجديدة التي بشر بها الاحتلال، والتي تعتمد على تقسيم المناصب بين الطائفة الشيعة والكردية والسنية، مع إعطاء هامش بسيط للمكونات (الاقليات)الاخرى للمشاركة السياسية الشكلية في الحكم ،الامر الذي دمر الدولة العراقية وحولها لدولة فاشلة.
إن الطريقة التي تعامل بها الاحتلال الامريكي- البريطاني أدت الى تفكيك وتدمير الدولة العراقية، كما أنها مهدت الطريق لتغيير البنية الأمنية والإدارية للعراق، من خلال إصدار العديد القرارات التي اتخاذها الحاكم الامريكي “بول بريمر”، والتي تضمنت حل المؤسسات الامنية والعسكرية، والاعلامية، للقضاء على مؤسسات الدولة السابقة، وتحطيم بنيتها التحتية بشكل كامل، حيث تلتها قرارات اجتثاث البعث، الأمر الذي مهد الطريق أمام للصراع الطائفي الداخلي بعد أن تحول الملايين من المنتسبين والموظفين التابعين لهذه المؤسسات الى عاطلين عن العمل، علماً إن هذه القرارات نفذت على شريحة واحدة ومعروفة وهي المكون السني، وتم استثناء الكثير من القيادات العسكرية والأمنية والسياسية من الطوائف الاخرى، حيث وصفت هذه القرارات بأنها طائفية ومقصودة، الأمر الذي أدى الى غياب السلطة، والقانون، والدولة، خصوصاً بعد أن سمحت قوات الاحتلال الامريكي البريطاني بفتح الحدود، وسمحت بنهب مؤسسات الدولة، الامر الذي ترك فراغاً أمنياً كبيراً، وأدى الى فوضى عارمة تضرب جميع مفاصل الدولة العراقية حتى تحول العراق لساحة صراع مفتوحة لكثير من المخابرات الدولية والاقليمية، رغم التواجد العسكري الكبير لقوات الاحتلال، وخصوصاً بعد أن انطلقت المقاومة العراقية ضد قوات الاحتلال.
تحولت الطائفية في العراق بعد الاحتلال الى حالة مؤسسية، من خلال السياسات الطائفية التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة على حكم العراق، حيث فرضت نفسها بقوة من خلال الدستور، والنظام الانتخابي، التي رسخت الطائفية المجتمعية والمحاصصة في مؤسسات الدولة العراقية، ومهدت الطريق لقيام دولة طائفية بامتياز، بعد أن قسمت المجتمع العراقي ومزقت نسيجه الاجتماعي، بل إن قوات الاحتلال والحكومات المتعاقبة فسحت المجال وأتاحت لشذاذ الافاق، والمجموعات المسلحة، والنخب الطائفية، ملء الفارغ الناجم عن غياب الدولة سياسياً، واقتصادياً، وعسكرياً، وأمنياً، وقانونياً، من خلال بناء مؤسسات دولة تقوم على أساس الهوية الطائفية، التي تعتبر السلاح المدمر للنسيج الوطني والدولة العراقية، حيث تقدمت الهوية الطائفية على الهوية الوطنية، وأصبحنا أمام الكثير من السياسات التي تعزز الانقسام الطائفي، خصوصاً بعد أن فشلت الطبقة السياسية في بناء دولة حديثة، وفشلت في تطوير نظام حكم شامل لجميع العراقيين، وأصبح توزيع السلطة يقوم على أساس الهوية الطائفية، والعرقية، والجغرافية، وأصبحت الخلافات تدور حول القضايا العقائدية، والسياسية، والسلطة، والقوة، والحجم، والمصالح، والنفوذ، والمكاسب الضيقة لكل طائفة، الامر الذي أدى الى زعزعة الامن والاستقرار.
أهم السياسات الطائفية التي جاء بها الاحتلال ورسختها الحكومات الطائفية
تشريع الدستور العراقي:
اتسمت عملية كتابة وتشريع الدستور العراقي الحالي بالكثير من السلبيات والملاحظات، بدأً من إشراف الخبراء الاجانب على كتابته، وهم كل من اليهودي “نوح فليدمان” و”بتير غالبريث”، وصولاً الى تمريره رغم معارضة غالبية المكون السني له، مروراً باستخدام الكثير من المفردات التي كانت بمثابة قنابل موقوتة، مثل استخدام كلمة التوازن، وكلمة المكونات، بالإضافة الى المادة(140)، وتسمية المناطق المتنازع عليها، لذا فقد حملت مرحلة كتابة الدستور الكثير من التحديات والمعوقات والتعقيدات، بسبب طبيعة المرحلة التي أعقبت الاحتلال وانهيار الدولة العراقية، والتي يمكن أن توصف بأنها كانت ظروف سياسية وأمنية غير طبيعية، دفعت بل اجبرت الاحتلال على التسريع من كتابة الدستور العراقي، للبدأ بتنفيذ مشروعها السياسي والتنصل من المسؤولية القانونية لاحتلال العراق، والاختباء وراء الطبقة السياسية، التي ستحملها المسؤولية الكاملة عن الإخفاقات ومجريات الاحداث في العراق، بما يتيح لها استخدام القوات المسلحة الحكومية كدرع حامي لها ، بسبب ازدياد عمليات المقاومة العراقية ضد القوات المحتلة، لذا فقد كتب الدستور في ظل تدخلات خارجية كبيرة، وضغوطات مارستها الولايات المتحدة الامريكية، التي جعلت المحاصصة الطائفية هي الاساس التي قامت عليه الدولة العراقية التي أنشأتها بعد عام2003.
اتصفت مرحلة كتابة الدستور بالتوافقات السياسية بين القوى الشيعية والكردية، التي هيمنة على كتابة الدستور بما يتلائم مع مصالحها وأجندتها الخارجية بعيداً عن المصالح العليا للعراق، وهنا أنا لا أنزه الطبقة السياسية السنية عن التعبية والمصالح الشخصية، بقدر ما أني أصف الجهات الفاعلة بعد الاحتلال، وكيف تعاملت مع تطورات الاوضاع وكيف تعاملت مع الاحتلال، حيث سيطر التحالف الشيعي والكردي على السلطتين التنفيذية والتشريعية وفقاً لانتخابات يناير/ كانون الثاني عام2005، التي قاطعها العرب السنة، الأمر الذي ولد شعور بالتهميش والاقصاء والتفرد بالقرار، و مما زاد هذا الشعور هو دفع القوى المتحالفة مع الاحتلال باتجاه تمرير مسودة الدستور رغم المعارضة السنية الواسعة، والمشاركة الشكلية التي تمثلت بالحزب الاسلامي العراقي في مدينة الموصل، الذي وافق على تمرير مسودة الدستور مقابل مناصب سياسية، وامتيازات حزبية، على حساب بقية الاطراف السياسية السنية المعارضة لتمرير الدستور العراقي بما فيها فصائل المقاومة العراقية.
تجاهل الدستور العراقي الذي كتبه الاحتلال ومررته الطبقة السياسية التي جاءت معه حقوق الكثير من المكونات الاخرى للشعب العراقي، مثل “المكون التركماني” الذي لم يعطى حقوقه أسوة بالمكون الكردي، الذي يحاول الان المحافظة على الامتيازات والمكاسب التي حصل عليها قبل وبعد الاحتلال، بما فيها الصلاحيات الواسعة للأقاليم، ورفض أي تعديل للدستور والنظام السياسي، أذا كان يتعارض مع مصالح كردستان، بما فيها الفقرة التي تخص المناطق المتنازع عليها، كما إن الفدرالية الطائفية التي منحها الدستور للأكراد دفعتهم للتفكير بالانفصال عن الدولة العراقية، كما حصل في استفتاء كردستان العراق في25سبتمبر عام2017، كما إن تقيد صلاحيات رئيس الجمهورية، ورئيس البرلمان، مع إعطاء صلاحيات مطلقة لرئيس الوزراء، دفع المالكي لأقصاء خصومه السياسيين، والهيمنة الكاملة على مفاصل الحكم في العراق، الأمر الذي رسخ الطائفية، وأدى الى قيام نظام سياسي طائفي استبدادي يقوم على الهوية الطائفية.

