الباحث: حسين صالح السبعاوي

منذ تولي السفيرة الأميركية آلينا رومانوسكي مهام عملها في العراق في التاسع من كانون الأول عام ٢٠٢١ وهي تمارس دورا كبيرا ونفوذا واسعا في العراق تجاوز دور السفير ومسؤوليته المنحصرة في العلاقات الدبلوماسية بين الدول، حيث أن مهام السفير تتلخص في تمثيل بلاده لدى الدولة التي يقيم فيها ورعاية مصالحها وتقديم الدعم لمواطني بلده المقيمين في ذات البلد، إلا أن ما تقوم به السفيرة الأميركية رومانوسكي في العراق هو أشبه بدور “المندوب السامي” – إن لم تكن فعلا مندوبا ساميا -.

زاد نشاط رومانوسكي في الآونة الأخيرة بعد تولي محمد شياع السوداني رئاسة الحكومة في تشرين الأول من هذا العام، حيث أجرت عدة لقاءات مع جميع المسؤولين العراقيين ولم تكتف بتهنئة الحكومة كباقي السفراء أو تجري زيارة عادية لرئيس حكومة وتطرح عليه ما تريد أو تطرح وجهة نظر حكومتها، بل التقت السفيرة بجميع المسؤولين العراقيين كلا على انفراد ابتداء من رئيس الجمهورية نزولا إلى الوزراء وبقية الرئاسات الثلاث، وأدناه نعدد اللقاءات التي أجرتها مع المسؤولين العراقيين:
١- لقاء مع رئيس الجمهورية عبد اللطيف رشيد بتاريخ ١٨ /تشرين الأول.
٢- أربع لقاءات مع رئيس الوزراء محمد شياع السوداني خلال شهر واحد، بدأ اللقاء الأول في ١٧ تشرين الأول، لقاء آخر في ٢٥ تشرين الأول ثم لقاء في ٢٩ تشرين الأول أيضا واللقاء الأخير في يوم ٢٠ من هذا الشهر.
3- لقاء مع رئيس البرلمان محمد الحلبوسي يوم ١٨ تشرين الأول ولقاء آخر مع نائبه في ٢٤ تشرين أيضأ.
٤- التقت السفيرة الأميركية مع أغلب وزراء الحكومة العراقية خلال شهر تشرين الثاني، حيث التقت كلا من:
أ- وزير النفط في ٧/ تشرين الثاني
ب- وزيرة المالية طيف سامي في ٩ تشرين الثاني
ج- وزير الخارجية في ١٣ من هذا الشهر.
د- وزير التخطيط في ١٣ من شهر تشرين الثاني
هـ- وزير التجارة في ٣ تشرين
و- مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي في ١٥ تشرين
ز- وزير الدفاع ثابت العباسي في ١٦ تشرين.
ح- وزيرة الهجرة والمهجرين إيفان فائق يعقوب.

هذا بالنسبة للحكومة المركزية في بغداد، أما بالنسبة لحكومة كردستان فقد إلتقت بجميع المسؤولين إبتداءً من رئيس كردستان إلى رئيس الوزراء ونائبه قوباد الطالباني، وجميع هذه اللقاءات تمت في شهر تشرين الثاني.

أما على مستوى المؤسسات فقد التقت السفيرة مع الجمعيات النسوية ورجال الأعمال وزعماء الأقليات من المسيحيين واليزيدين، وكل هذه اللقاءات تمت أيضا في شهر تشرين الثاني.

لو نحلل اللقاءات التي أجرتها السفيرة الأمريكية مع المسؤولين العراقيين نجد أنها التقت الرئاسات الثلاثة بأكثر من 7 لقاءات خلال شهر واحد، والتقت بأكثر من 8 وزراء في الحكومة، كما التقت 3 مرات مع قيادة كردستان، وأجرت ٧ لقاءات مع مؤسسات المجتمع المدني وناشطين وزعماء أقليات ورجال دين، إضافة إلى اللقاءات التي أجرتها مع السفراء الأجانب في العراق، وهذه اللقاءات جميعا قد تمت خلال شهر واحد، وهذا يعني أن السفيرة الأمريكية لها كل يوم لقاء مع مسؤول عراقي وأحيانا تلتقي باثنين من المسؤولين!

السؤال الذي يطرح نفسه: هل يوجد سفير يستطيع أن يجري مثل هذه اللقاءات، وهل يوجد سفير في العالم يستطيع أن يمارس كل هذا النفوذ؟

إن حكومة السوداني تعتبر حكومة الإطار التنسيقي المتشكل من أحزاب ومليشيات مقربة من إيران وتدعي الخصومة مع أمريكا، وبالمقابل فإن أمريكا تدعي بأنها ضد المليشيات والجماعات المسلحة، ولا تريد أن يكون لإيران نفوذ كبير على العراق، لكنها تدعم حكومة السوداني!!
أليس هذا تناقضٌ واضح فيما يدّعيه الطرفان، وأن كل ما يجري بينهما يدخل ضمن مفهوم التخادم وتكامل الأدوار؟ فكل ما تصرح به الولايات المتحدة للإعلام شيء، وما تفعله على الأرض شيء آخر، كذلك “دعاة المقاومة” من جماعة الإطار التنسيقي الذين يدّعون العداء لأمريكا ما هو إلا ممارسة “التقية” بأكمل صورها.

ما الفرق بين السفير والمندوب السامي؟
السفير هو الرجل الدبلوماسي الذي تعينه الدولة لبناء علاقات ودية ومصالح مشتركة وتقديم الخدمات لمواطنيها في الدولة الأخرى تحدد إقامته في مبنى السفارة الذي يعد محصن من قبل الدولة التي يقيم فيها، والسفير يعامل بالندية بين الدول.

أما المندوب السامي فهو الرجل الذي تعينه الدولة على الدولة التي قد احتلها وفرضت عليها نظام الإنتداب، وهذا النوع من النظام ابتدع بعد الحرب العالمية الأولى ويعرف بأنه سيطرة وإدارة البلدان والأقاليم التي انتزعت من الدولة العثمانية وألمانيا. وأقر هذا النظام في مؤتمر سان ريمو بإيطاليا في نيسان ١٩٢٠.

صلاحية المندوب السامي مختلفة عن صلاحية السفير، وهي أكبر بكثير لأنها تتجاوز موضوع العلاقات العامة وتقديم الخدمات، فهي صلاحيات إدارية وسياسية وفرض هيمنة على الدولة التي يقيم فيها، ولا يعامل المندوب السامي بالندية بل هو يتعامل بالتبعية والهيمنة على الدولة التي عين فيها، كما كان المندوب السامي البريطاني السير بيرسي كوكس في العراق أبان الإحتلال البريطاني في بدايات القرن الماضي، حيث بقي الإنتداب مفروضا على العراق من ١٩٢٠ إلى ١٩٣٢ حيث دخل العراق عصبة الأمم المتحدة كدولة مستقلة.

ما تمارسه آلينا رومانوسكي اليوم في العراق يشبه ما كان يمارسه بيرسي كوكس على النظام الملكي في تلك الفترة، بل أحيانا تمارس رومانوسكي دورا أكبر لأن الأخير كان يختصر لقاءاته على شخص الملك أو رئيس الوزراء أما السفيرة الأميركية فلم تترك وزيرا إلا والتقت به وأعطت له التوجهات بدءاً من الوزارات السيادية إلى الوزارات الخدمية.

مقال خاص براسام