شاهو القره داغي
تتعرض مناطق في كردستان العراق للعديد من الهجمات الإرهابية سواء عن طريق الصواريخ أو الطائرات المسيرة المفخخة بين فترة وأخرى، وبصمات الميليشيات والفصائل المسلحة الموالية لإيران واضحة على هذه الهجمات التي تستهدف غالبا مطار أربيل بحجة استهداف المصالح الأمريكية، في محاولة لإعطاء رسائل سياسية بقدرة الميليشيات على الوصول إلى كل بقعة جغرافية ومنطقة داخل العراق وأن كردستان لن تكون خيارا بديلا للولايات المتحدة الأمريكية والمصالح الدولية في حال قررت الانتقال إليها خوفا من ضربات الميليشيات في بغداد وغيرها من المدن العراقية.
لم تقتصر الهجمات على المصالح والأهداف الأمريكية في أربيل، بل تجاوزت إلى أكثر القطاعات أهمية في كردستان، وهو قطاع الطاقة، حيث بدأت الهجمات بقيام الحرس الثوري الإيراني باستهداف منزل رجل الأعمال الكردي “الشيخ باز” في مارس الماضي وهو صاحب (شركة كار) التي تعمل في مجال الطاقة في كردستان، وبررت إيران هذا الهجوم بأنها – إيران – كانت تستهدف مقرا اسرائيليا في أربيل وغرفة للعمليات والنشاطات التي تستهدف الداخل الإيراني انطلاقا من العراق، إلا أن الوقائع واللجان التي تشكلت في العراق أكدت عدم تقديم الجانب الإيراني أي أدلة واضحة على الوجود الإسرائيلي في هذه المنطقة، وكان واضحا أن الهجوم جاء بالتزامن مع المحاولات الكردية للاستفادة من الطاقة وخاصة الغاز والاتفاق مع الجانب التركي على تطوير قطاع الطاقة وتصديره إلى الخارج – وخاصة إلى الدول الأوروبية التي تبحث عن بديل للغاز الروسي في ظل الصراع الروسي الأوكراني – عن طريق التفاهمات مع أنقرة.
يبدو واضحا أن إيران بدأت تخشى من مشروع تطوير قطاع الطاقة في كردستان العراق، لأنه سيؤدي مستقبلا إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي بل وتصديره إلى باقي المحافظات العراقية، وتتم معالجة مشاكل الكهرباء والغاز – وهي الأوراق التي تستخدمها طهران لبناء نفوذ طويل المدى داخل العراق -، واستخدام ورقة الطاقة كورقة سياسية وقت الأزمات من قبل إيران كونها لا تسمح بسهولة بفقدان هذه الورقة المهمة التي توفر لها نفوذا سياسيا ومصالح تجارية وموارد مالية من خلال اعتماد العراق على الغاز والكهرباء الإيراني.
وما يؤكد تحول الهجمات التخريبية إلى نطاق تدمير البنية التحتية لمجال الطاقة، زيادة الهجمات على هذا المجال بعد الهجوم الإيراني المباشر، حيث استهدف هجوم صاروخي في شهر آيار الماضي مصفاة للنفط تابعة لشركة كار في محافظة أربيل والذي أدى إلى إصابة إحدى الخزانات الرئيسية للمصفى ونشوب حريق بداخله، وأكد خلية الإعلام الأمني أن الاستهداف الصاروخي هدفه التأثير على إمدادات الطاقة الكهربائية في هذا التوقيت تحديدا.
وفي تطور جديد لسلسلة هذه الاستهدافات فقد وقع هجوم صاروخي على حقل “كورمور” الغازي في قضاء جمجمال بمحافظة السليمانية في 22 من حزيران الماضي ، وتعمل شركة “دانة غاز” في هذا الحقل لتطوير قطاع الطاقة وإنتاج الغاز وتوفيره للمحطات الكهربائية في كردستان، وبعد أقل من 72 ساعة على الهجوم الأول وقع هجوم آخر بصاروخي كاتيوشا في 24 حزيران على نفس الحقل.
لقد تأسست شركة (دانة غاز) في العام 2005 وهي مدرجة في سوق أبوظبي للأوراق المالية ومقرها الشارقة بالإمارات، وتملك أصولا في مجالات استكشاف الغاز وإنتاجه ومعالجته ونقله في كل من الإمارات ومصر وكردستان العراق، وقد تم إنشاء مشروع غاز كردستان في العام 2007 بعد عقد شركتي دانة غاز والهلال الإماراتيين اتفاقية مع حكومة كردستان من أجل الحصول على حق تخمين وتطوير وإنتاج وتسويق وبيع المنتجات النفطية في حقلي كورمور وجمجمال، وقد بدأ إنتاج الغاز في إحدى المحطات التي تم إنشاؤها بحقل” كورمور” الغازي في العام 2008.
يطمح صناع القرار على تعزيز موقع وثقل كردستان في النطاق المحلي والإقليمي والدولي عن طريق الاستثمار بصورة أكبر في هذا القطاع وتطوير عمليات الإنتاج في حقول الغاز وخاصة في” كورمور” للوصول إلى الاكتفاء الذاتي في مجال الكهرباء والقدرة على تصديره إلى الخارج، وقد أكد رئيس حكومة كردستان في عدة مناسبات قدرة كردستان على لعب دور مهم في توفير الطاقة للأسواق الأوروبية اعتمادا على مشاريع تطوير هذه الحقول.
استهداف السليمانية بعد أربيل مؤشر واضح على أن نية الفصائل المسلحة هو ضرب قطاع الطاقة وعرقلة مشاريع إنتاج الكهرباء في كامل مناطق كردستان العراق، ومحاولة إضعاف هذه التجربة بغض النظر عن العلاقات السياسية بين الأطراف الشيعية – الشيعية في بغداد والأحزاب الكردية في أربيل والسليمانية، حيث أن الهجمات السابقة كانت تستهدف أربيل وكانت مرتبطة بالتحالفات السياسية بعد دخول الحزب الديمقراطي في التحالف الثلاثي مع التيار الصدري، أما الهجمات الحالية فهي تستهدف الحقول والشركات التي تعمل على تنمية وتطوير الحقول وزيادة الإنتاج ونقل هذا القطاع المهم إلى مستوى ووضع أفضل.
استمرار هذه الهجمات انطلاقا من مناطق الفراغ الأمني بين البيشمركة والجيش العراقي يؤكد تورط الميليشيات في هذه العمليات، وهي ستؤدي بصورة مباشرة إلى إضعاف قطاع الطاقة ودفع الشركات الأجنبية إلى الانسحاب من كردستان وخروج الاستثمارات نتيجة لغياب الأمن والاستقرار الذي يعمل الميليشيات على تحقيقه للوصول إلى أهدافهم السياسية والأمنية وقطع الطريق أمام المشاريع التي قد تنافس المصالح الإيرانية في العراق والمنطقة بصورة عامة.
تحولت الميليشيات المسلحة في العراق إلى أدوات لتنفيذ الاجندة الخارجية وخاصة الايرانية والروسية، حيث أن الجانب الروسي يتابع بقلق أيضا تطورات ملف الطاقة في كردستان العراق وبالتالي تستفيد من نشاطات الفصائل المسلحة التي تعمل على تعطيل العمل في هذه العقول ودفع الشركات الأجنبية للهروب من كردستان وفرض المزيد من الضغوطات السياسية على الاطراف الفاعلة فيها.
مقال خاص براسام

