الباحث : حسين صالح السبعاوي

يوجد في العراق أربع سلطات حسب النظام البرلماني المعمول به هي كلا من رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء ومجلس النواب ومجلس القضاء الأعلى، وأغلب الشعب العراقي يعرفون جيدا بأن جميع الرئاسات الأربع عاجزة عن إدارة الدولة بمفاصلها وعاجزة عن حماية الشعب من الاعتداءات اليومية التي يتعرض لها، كما أنها عاجزة عن حفظ المال العام وغير قادرة على حفظ سيادة العراق وحماية حدوده من أي اعتداء خارجي، بسبب وجود جهات أخرى فوق القانون هي من تحكم الدولة وتتحكم في كل مفاصلها سواء كانت هذه الجهات تحكم من خلف الستار أو من خلال القوة والنفوذ على الأرض، ولكي لا يكون كلامنا جزافاً وبعيداً عن الواقع السياسي أو مجرد إدعاءات غير مبنية على الحقائق نأخذ بعض التصريحات التي أدلى بها كبار مسؤولي الدولة وخاصة من السلطة التنفيذية باعتبارها أقوى السلطات ولديها أكبر الصلاحيات سيما أن رئيس الوزراء هو مسؤول السلطة التنفيذية والقائد العام للقوات المسلحة، فوزير الداخلية ذكر خلال أحد تصريحاته لإحدى الفضائيات بأنه “مكتوف الأيدي ولا يملك صلاحيات تغيير نقطة مفرزة من مكانها”، ومن الجدير بالذكر أن نقطة المفرزة تعني أصغر وحدة أمنية في وزارة الداخلية .
أما وزير الدفاع في الحكومة العراقية فمعلوم عنه أنه لا يمتلك أي صلاحيات حتى ولو تغيير مكان أصغر وحدة عسكرية ولا يستطيع تحريك القطعات العسكرية وتحديد مهامها أو الإشراف على العمليات بل هو مجرد واجهة لجهات أخرى حاكمة، وتنحصر مهمته بالتوقيع على عقود إستيراد الأسلحة وعقود إطعام الجنود وتجهيزاتهم .
وهكذا حال بقية الكابينة الوزارية، كلها مجرد أحجار على رقة الشطرنج.
والأغرب أن رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة – وهو أعلى سلطة تنفيذية في الدولة – يقول بأنه تحول إلى “معقّب ” حسب ما صرح به في أحد مؤتمراته الصحفية خلال هذا الشهر، وهذا يثبت أن الحكومة هي أضعف حلقات الدولة العراقية، وأن جميع السلطات الأربعة مجرد واجهات لجهات أخرى داخلية وخارجية.

الجهات التي تتحكم بالعراق
يمكن تلخيص الجهات المتنفذة في إدارة العراق خارج سلطاته السياسية بما يلي:
١- جهات خارجية : لا يمكن أن تكون الحكومات بهذا الضعف إلا في البلدان الفاقدة للسيادة، وهو الوضع الذي يعيشه العراق بعد الاحتلال الأمريكي والإيراني، فهما أصحاب النفوذ الأقوى في العراق، ولا تستطيع أي سلطة أن تقف في وجه هذا النفوذ.
٢- مرجعيات دينية شيعية : تعتبر المرجعيات الشيعية صاحبة أقوى نفوذ في الدولة، وهي من تتحكم في المشهد السياسي، ومن يتجرأ على ذكرها بما تكره يدفع الثمن غاليا ، وهذا الحال بدأ بعد الاحتلال عام ٢٠٠٣ أما قبل هذا التاريخ فكان دور المرجعيات ينحصر في الفتاوى الفقهية وإرشاد الناس إلى الصلاح وعبادة الله، أما بعد الاحتلال تبدلت هذه المهمة لتتحول إلى نفوذ سياسي قوي، ما يجعل النظام في العراق نظاما ثيوقراطيا مقننا.
٣- مليشيات طائفية : تعتبر المليشيات أكبر تهديد أمني للشعب العراقي وهي الحاكم الفعلي على الأرض، فلا قوة تردعها ولا حكومة تمنعها مما تريد فعله، فهي تصول وتجول بكامل أسلحتها من شمال العراق حتى جنوبه وتهدد الجميع بما فيهم رئيس الوزراء وجميع كابينته الوزراية والنواب وبقية المسؤولين وتفرض أجندتها على الجميع بما فيه القوات الأمنية، وقد شاهد الشعب العراقي كيف تقف القوات الأمنية متفرجة إذا ما أرادت هذه المليشيات فعل أي شيء.
٤- رؤساء كتل سياسية : يعتبر رؤساء بعض الكتل هو المتحكم الحقيقي بمجلس النواب، واذا كانت المليشيات تكمم أفواه الشعب من إبداء آرائهم فإن رؤساء الكتل قد كمموا أفواه نواب الشعب من أن يبدي أحدهم برأيه، وقد لاحظنا كيف يبتز رؤساء الكتل أعضاء المجلس من خلال التوقيع على مبالغ كبيرة تصل لملايين الدولارات كمستند على النائب، وتابعنا كيف أجبروا بعض النواب على كتابة الاستقالة بدون تاريخ وقبل وصول المرشح للمجلس حتى تكون ورقة ضغط على النائب إذا ما أراد أن يغرد خارج سرب الكتلة الحزبية التي ينتمي إليها، وهناك شواهد كثيرة على تحكم رؤساء الكتل السياسية بالمجلس التشريعي وكيف كانوا عائقا أمام الكثير من التشريعات القانونية وسير عمل المجلس من الرقابة وإستدعاء المسؤولين وحجب الثقة عنهم .
هذه الجهات الأربع هي المتحكم الحقيقي في العراق أمنيا وسياسيا واقتصاديا أما العناصر الأربعة الأولى التي هي أساس بناء الدولة ما هي إلا واجهات ودمى لا تستطيع أن تغير من الأمر شيئا.
ومن الخطأ تشبيه هذا النوع من الحكم بحكومات الظل، لأن الفرق كبير بين حكومة الظل والحكومات العراقية الحالية، وهذه مقارنة بسيطة بين الإثنين:
حكومة الظل : عرف هذا النوع من الحكومات في القرن التاسع عشر الميلادي في بريطانيا ويطلق عليها بالمعارضة الوفية التي تنتقد أداء الحكومة الفعلية ولا تسأل عن شرعيتها ثم تبدأ حكومة الظل بتشكيل وزارات افتراضية مقابل كل وزارة بالحكومة الفعلية ثم تبدأ تتناغم مع الطروحات الشعبية الساخطة على أداء الحكومة بسبب سوء الخدمات أو بسبب أدائها السياسي على المستوى الداخلي والخارجي، وتستمر حكومة الظل بالضغط على الحكومة حتى إسقاطها أو الإعلان عن انتخابات مبكرة لتفوز بعدها المعارضة بالأغلبية ثم تبدأ هي بتشكيل الحكومة وبهذا يكون النظام محفوظا ولا تعم الفوضى ويحصل المواطنون على مطالبهم ويستمر التداول السلمي للسلطة.

أما الحكومة العراقية :
١- بالنسبة للمعارضة فلا وجودها لها في البرلمان العراقي، لأن الجميع يحصلون على حصصهم المخصصة لهم.
٢- العامل الخارجي هو المهيمن على تشكيل الحكومة على خلاف حكومة الظل التي تنبثق من داخل الحكومة.
٣- الحكومة داعمة للمليشيات وهي من تجهزها بالأسلحة وتمنحها الرواتب في الوقت الذي يفترض أن يكون العكس.
٤- لا توجد ثنائية حزبية في العراق حتى تكون هناك حكومة ومعارضة بل البرلمان يتشكل من مئات الأحزاب ومنهم جميعا تتشكل الحكومة.
٥- المرجعيات الدينية تمارس دور المشرف على أداء الحكومة وهي من تمنحها الشرعية على خلاف الآخرين التي تكون فيها المرجعيات الدينية محترمة ولها خصوصيتها لكن لا تتدخل بالأداء الحكومي وعموم الشأن السياسي .

مقال خاص براسام