الباحث: حسين صالح السبعاوي
دأبت إيران بعد الاحتلال الأمريكي عام ٢٠٠٣ على تعيين جميع سفرائها في العراق من القياديين في الحرس الثوري على خلاف السياقات الدبلوماسية والعلاقات الدولية التي يفترض أن تكون وزارة الخارجية هي المسؤولة عن تعيين السفراء في الدول وهي المسؤولة عن العلاقات الخارجية للحكومة والذي سبق وأن انتقد وزير الخارجية الإيراني السابق جواد ظريف الحرس الثوري وتدخله في السياسة الخارجية على حساب الوزارة .
لماذا تحرص إيران على تعيين سفرائها في العراق من الحرس الثوري؟
من وجهة نظر إيران فإن العراق يعتبر تابعا لها ومرتبط بولاية الفقيه، وهذا الحال ينطبق على جميع الدول التي تهيمن عليها إيران مثل سوريا ولبنان واليمن، أي تابعة لنظام ولاية الفقيه، أما الدول التي ليس لها هيمنة عليها فالأمر مختلف، لكن هذه السلوك المرفوض لا تقع مسؤوليته على إيران فقط بل تقع على الحكومة العراقية أيضا التي تقبل بهذا الأسلوب الذي يمس سيادتها.
ولو أجرينا نظرة سريعة على الشخصيات الأربعة الذين عملوا في العراق كسفراء من ٢٠٠٣ إلى ٢٠٢٢ نجد أن جميعهم من الحرس الثوري حصرا، ولكل شخصية من هؤلاء الأربعة دور في تأجيج الصراع الطائفي في العراق وفي دعم المليشيات المرتبطة بهم، إضافة إلى تجاوزهم لكافة السياقات الدبلوماسية المتفق عليها بين الدول وتجاوزهم لمهامهم كسفراء كاحترام الدولة التي يقيمون فيها لكن تجد أحدهم يتصرف وكأنه المندوب السامي وليس سفير لدولة يعمل سفيرها وفق مبدأ احترام سيادة الدول والعمل وفق المصالح المشتركة لكلا الدولتين .
ومن الجدير بالذكر أن هناك مؤسسات في إيران مرتبطة مباشرة بالمرشد الأعلى علي خامنئي وليس للحكومة أي ولاية عليها مثل الحرس الثوري المسؤول عن تصدير الثورة إلى الخارج ومجلس تشخيص النظام ومجلس الخبراء وهيئة الإعلام جميع هذه المؤسسات تأتمر بأمر المرشد وليس بأمر الحكومة .
السفراء الإيرانيون في العراق بعد الاحتلال الأمريكي هم :
١- حسن كاظمي قمي : قيادي بالحرس الثوري الإيراني عمل سفيرا في العراق منذ عام ٢٠٠٣ حتى عام ٢٠١٠ كان له دور كبير في تثبت وترسيخ النظامي الطائفي في العراق، وله دور في تأجيج الصراع الطائفي بعد تفجير مرقد الإمامين علي الهادي والحسن العسكري في سامراء عام ٢٠٠٦ كما إن له دور في سياسة دمج المليشيات في المؤسسات الأمنية بعد حلها بقرار رقم ٢ عام ٢٠٠٤ من قبل الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر، ثم انتهت مهمته بعد (الانسحاب الأمريكي من العراق) حسب الاتفاقية الأمنية بين العراق وأمريكا عام ٢٠٠٩
٢- حسن دانائي فر : قيادي في الحرس الثوري ونائب القائد العام للقوات البحرية التابعة للحرس الثوري عين سفيرا للعراق بعد عام ٢٠١٠ وبقي مستمرا في موقعه إلى عام ٢٠١٧، كان له دور كبير في دعم رئيس الوزراء نوري المالكي وسياسته الطائفية خاصة ضد العرب السنة، وله دور في دخول تنظيم داعش الإرهابي إلى العراق عام ٢٠١٤، حيث صرح رئيس البرلمان العراقي الأسبق أسامة النجيفي في ٢٠١٥ بأن إيران هددت العراق بإسقاط المدن الغربية وخاصة مدينة الموصل في حال عدم التعاون مع نوري المالكي الذي يعتبر المسؤول الأول عن دخول داعش إلى العراق، كما أن للسفير دانائي دور في تشكيل الحشد الشعبي بعد عام ٢٠١٤ لمواجهة التنظيم ومن ثم تثبيته كمؤسسة أمنية من خلال تشريع قانون له من قبل البرلمان عام ٢٠١٦ .
٣- إريج مسجدي : عميد في الحرس الثوري الإيراني والمستشار الأول لقائد فيلق القدس الإيراني السابق قاسم سليماني عين سفيرا للفترة من ٢٠١٧ إلى عام ٢٠٢٢ وكان له دور كبير في استهداف متظاهري تشرين ٢٠١٩ وقتل أكثر من ألف متظاهر عراقي إضافة لجرح الآلاف منهم واعتقال وتهجير البقية، كما كان له دور كبير هو وعلي شمخاني وحسن كاظمي قمي في دعم الحكومة الحالية برئاسة مصطفى الكاظمي من أجل سحب البساط من ثوار تشرين الذين أسقطوا حكومة عادل عبد المهدي والمطالبين بإسقاط كافة أقطاب العملية السياسية .
٤- محمد كاظم آل صادق: قيادي في الحرس الثوري وقيادي أيضا في فيلق بدر التابع للمجلس الأعلى بزعامة الحكيم والذي تأسس في إيران وعمل مع القوات الإيرانية ضد الجيش العراقي في حربه ضد إيران في ثمانينيات القرن الماضي، ولد محمد كاظم آل صادق في مدينة النجف ثم رحل إلى إيران بسبب تبعيته الإيرانية وهو يجيد اللغة العربية بطريقة جيدة وله علاقات مع رجال الحوزات والساسة العراقيين وخاصة في مدينة النجف كما عمل نائبا للسفير إريج مسجدي في العراق ويمتاز بخبرته الأمنية والاستخبارية .
إن جميع هؤلاء الضباط الأربعة القياديين في الحرس الثوري الإيراني لهم دور كبير في تأسيس وتثبيت النظام السياسي الحالي في العراق المبني على الطائفية، وقد قام كل واحد منهما بدوره الموكل إليه من قبل قيادة الحرس الثوري ونظام ولاية الفقيه في إيران، وهذا يثبت التخادم الأمريكي والإيراني على العراق سيما أن تغيير السفير مسجدي في هذا التوقيت الذي تزامن مع تغيير السفير الأمريكي في العراق ماثيو تلر الذي عمل سفيراً منذ عام ٢٠١٩ ليحل محله السفيرة ألينا رومانوسكي التي كانت تعمل سفيرة في الكويت، وأعتقد أن لهذا التغيير دلالات ومؤشرات ستنعكس على الساحة السياسية في العراق سيما أن هناك انسداد سياسي بعد الإنتخابات الأخيرة التي أجريت في تشرين الأول ٢٠٢١ والتي فاز فيها التيار الصدري ثم شكّل التحالف الثلاثي من الأكراد بزعامة البارزاني ومن الحلبوسي الفائز عن القوى السنية، لكن لحد هذه اللحظة عجز هذا التحالف من تشكيل حكومة رغم مرور أكثر من ٦ أشهر على إعلان نتائج الانتخابات بسبب معارضة ما يسمى بالإطار التنسيقي الشيعي المرتبط بإيران، إضافة لبعض القوى الصغيرة من السنة والأكراد بحيث بمجموعهم تم تشكيل الثلث المعطل لإنتخاب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، وأمام هذا الإنسداد السياسي وعجز السفير الايراني والأمريكي إضافة لقاآني – المسؤول عن الملف العراقي في قيادة الحرس الثوري – إضافة لتدخل قيادات إيرانية أخرى أعلى مستوى من قاآني لحلحلة الوضع السياسي المتأزم في العراق، لكن الجميع عجز عن الحل فجاء هذا التغيير لسفيري ايران وأمريكا، وأعتقد أن في جعبتهم عدة ملفات وسيناريوهات للعراق بعد الإنسداد السياسي وعدم تشكيل الحكومة كتغيير اللعبة السياسية في العراق بعدما فشلت القوى السياسية من تشكيل الحكومة خصوصا أن لكل سياسي ملف خاص به سواء بانتهاك حقوق الإنسان أو ملف فساد ومن الممكن أن يضغط عليهم من خلال هذه الملفات للقبول بالحلول التي سوف يطرحها سفيري أمريكا وإيران، علما أن لكلا السفيرين خبرة أمنية سابقة مثل السفيرة الأمريكية ألينا رومانوسكي لها عمل مع CIA ومكافحة الإرهاب وعلاقات سابقة مع إسرائيل إضافة لتوليها عدة مناصب أخرى في دوائر صنع القرار الأمريكي، وكذا السفير الإيراني له باع طويل في العمل الأمني سواء في الحرس الثوري أو في منظمة بدر .
لكن مهما يكن من تريقعات تطرح على العملية السياسية في العراق فهي لا تنفع بشيء ولا تغير من الواقع المأساوي الذي يعاني منه الشعب العراقي ولا بد أن تكون هناك حلول جذرية لعملية سياسية جديدة تعتمد مبدأ المواطنة بدل الطائفية في إدارة الدولة وتحاسب جميع من تورط في الدم العراقي أو نهب المال العام وساهم في تدمير الدولة العراقية وإلا جميع هذه الحلول ما هي إلا ترقيع لإنقاذ العملية السياسية وليس لإنقاذ العراق من المستنقع الذي وصل إليه بسبب هذه الأحزاب السياسية الفاسدة.
مقال خاص براسام

