جاسم الشمري

الانتحار بعبارة بسيطة هو قتل الإنسان لنفسه، وتختلف أدوات القتل بحسب العصور، من رمي النفس من فوق الجبال إلى النحر بالخناجر، إلى الإغراق في الأنهار والبحار، وغيرها من الأساليب التي تنهي حياة الإنسان المنهار نفسيا!
وقد تطورت هذه الأساليب بتطور حياة الناس، وصارت تحدث بالأسلحة النارية الشخصية القادرة على إنهاء حياة الشخص بطلقة واحدة في الرأس، وغيرها من الأساليب القادرة على نقل الإنسان من الحياة إلى الممات!
ولا يمكن نكران وجود الانتحار في أي مجتمع من المجتمعات المتحضرة والمتخلفة، وهو ظاهرة قائمة في كل زمان ولا يمكن القفز عليها، ومع ذلك فهذه الكارثة الإنسانية لم تصل في العراق إلى ظاهرة في المجتمع قبل عام 2003.
ذكر موقع (وجهات نظر) أن المعدل السنوي لحوادث الانتحار قبل غزو العراق عام 2003 كان يتراوح بين 70 و80 حادثة خلال السنة الواحدة وأحيانا أقل من ذلك، علماً أن هذه الأعداد تشمل حالات الانتحار المتحققة فعلاً ومحاولات الانتحار غير المتحققة.
وبعد عام 2003 بدأنا نسمع بحوادث الانتحار بشكل شبه يومي، وقد برزت بشكل واضح بعد عام 2016. حيث أعلن المتحدث باسم وزارة الداخلية العراقية (خالد المحنا) لوكالة الأنباء العراقية “واع” بتاريخ 25/12/2021 أن حالات الانتحار المسجلة عام 2021 بلغت 772 حالة، بزيادة تتجاوز المئة حالة عن عام 2020، وقد وصفتها الوزارة بالظاهرة في دلالة واضحة على تنامي هذه الآفة المجتمعية!
وقد أكد ارتفاع عدد حالات الانتحار خلال عام 2021، مشيرا إلى تشكيل لجان متخصصة لدراسة ما وصفها بـ”الظاهرة”.
وكشفت الإحصائيات الرسمية عن بعض معدلات الانتحار المسجلة في العراق بعد عام 2016، حيث بلغت حالات الانتحار 393 حالة في عام 2016، وفي العام 2017 بلغت 462 حالة، وعام 2018 بلغت 530 حالة، و2019 بلغت 605 حالات.
حينما نتابع الفئات العمرية التي أقدمت على الانتحار نجد أنها – وبحسب وزارة الداخلية العراقية- نجد أن المنتحرين الذين هم أقل من 20 عاما كانت نسبتهم 36.6 في المئة، ومن هم من 20 إلى 30 عاما كانت نسبتهم 32.2 في المئة، أما نسبة الذكور فتشكل 55.9 في المئة، والإناث 44.8 في المئة! وهذا يعني أن ما نسبته أكثر من 67 بالمئة من المنتحرين هم من الشباب ما بين أقل من عشرين إلى ثلاثين سنة، وهذا مؤشر خطير يفترض الوقوف عنده لأنه يؤكد تنامي حالة اليأس لدى نسبة ليست قليلة من شباب العراق!
والجانب الأهم الذي كشفه المتحدث باسم الداخلية أن نسبة المنتحرين من الذين كان تحصيلهم الدراسي أقل من المرحلة الابتدائية بلغت 62.2 في المائة، ودون المتوسطة 16.9 في المائة، والعاطلين عن العمل 35 في المائة، وربات البيوت 29.9 في المائة!
سبق لمنظمة الصحة العالمية أن كشفت بأن واحدا من كل أربعة عراقيين يعاني من هشاشة نفسية في بلد يوجد فيه ثلاثة أطباء نفسيين لكل مليون شخص.
وفي اعتقادي أن هذا النمو السلبي لظاهرة الانتحار يعود لجملة أسباب، ومن بينها:
– استمرار التناحر السياسي، ودوره في زرع اليأس في فكر ونفوس شباب العراق، وبالذات مع عدم وجود بصيص أمل يشير لإمكانية إنهاء الصراعات السياسية وبداية مرحلة بناء الدولة وسط تفشي ظواهر الرشوة والمحسوبية والتهديدات وتنامي قوى اللادولة في أغلب مفاصل الحياة المدنية والعسكرية.
– الخراب العام في التربية العامة للفرد العراقي سواء في البيت أو في المدرسة والجامعة وفي ميادين أخرى.
– تزايد نسبة تعاطي المخدرات، حيث كرر وزير الداخلية العراقي في أكثر من مناسبة أن 50 بالمئة من شباب العراق يتعاطون المخدرات!
– غياب السياسات الاقتصادية الواضحة والقادرة على تشجيع القطاع الخاص والاستثمارات الأجنبية للدخول الى السوق العراقية واحتواء الشباب العاطلين عن العمل، والتقليل من معدلات البطالة في العراق وهي اليوم تجاوزت الـ 27 بالمئة.
– توجه المجتمع نحو المادية القاسية، وعدم التراحم بين الكثير من الناس، وبالذات مع انتشار الفقر في البلاد، والذي تجاوزت نسبته أكثر من 31.7%، وفق أحدث إحصائيات وزارة التخطيط العراقية، وهذا ربما يدفع الضعفاء نفسيا ودينيا وفكريا للإقدام على الانتحار.
– عدم قناعة الكثير من شباب العراق بواقعهم، مما دفع بعضهم للخروج في مظاهرات رافضة للواقع المرير، بينما انزوى البعض الآخر، وربما آثر الانتحار، وهذا خلل واضح في البنية الفكرية لهؤلاء.
– مساهمة غالبية وسائل الإعلام بهذه الكارثة لأنها ركزت في غالبية برامجها على التناحر السياسي والكوميديا الهابطة والأغاني الهزيلة، وغيرها من البرامج التي لم تساهم في بناء الشباب والعائلة العراقية ولو في الجوانب السلوكية والفكرية.
– تراجع مكانة علماء الدين وكذلك تراجع دور الجوامع والمساجد في نظر نسبة ليست قليلة من المواطنين مما أثر على قبول كلام العلماء، وتراجع أو ضعف الوازع الديني، وربما حتى وصول البعض إلى مرحلة الإلحاد.
هذه الأسباب وغيرها ساهمت في ارتفاع حالة اليأس والقنوط لدى نسبة من الشباب غير المحصنين فكريا ودينيا وحتى ماديا، مما دفع بعضهم للانتحار هربا من هذه المآسي المركبة!
ينبغي على جميع القوى الفاعلة، الرسمية وغير الرسمية، مواجهة هذه الظاهرة والعمل على تقليل الأسباب الدافعة لوصول شباب العراق إلى مرحلة الانتحار، والتي تعني خسارة كبيرة للوطن والمجتمع!

مقال خاص براسام