الباحث: حسين صالح السبعاوي

إن من مقومات بقاء النظام واستمراريته في الحكم في أي دولة أن يتم الحفاظ على السيادة بشقيها الداخلي والخارجي وفرض سيادة القانون على الجميع وبناء المؤسسات الصلبة مثل الجيش والأمن والقضاء والاقتصاد والإعلام، وذلك لحماية الممتلكات العامة والخاصة للمواطنين ومحاسبة الخارجين عن القانون لينعم بقية أفراد المجتمع بالأمن والسلام وكذلك حماية الحريات العامة وضمان المشاركة السياسية لكافة القوى السياسية التي أصبحت من أهم مقومات بناء الدولة وديمومة نظام الحكم فيها، فضلا عن الاهتمام بالتعليم والصحة والخدمات العامة والبنية التحتية بكل أنواعها، ما ذكرنا هو أهم مقومات بناء الدولة في الوقت المعاصر، أما في العراق – بعد الاحتلال – فإن جميع نماذج الدولة الفاشلة قد توفرت في نظامها السياسي الحاكم، فهو لا يمتلك أي من مقومات البقاء في إدارة الدولة لولا الدعم الخارجي اللامحدود له لأنه نظام فاشل لم يبن أي مؤسسة تساعده على البقاء في السلطة ومن علامات فشله في إدارة الدولة ما يلي :
١- فقدان العدل : فالعدل هو أساس الملك لكن النظام الطائفي الحالي قتل مئات الآلاف من المواطنين وهجّر الملايين منهم إضافة لسجن عشرات الآلاف دون ذنب يذكر منهم وحجزهم في سجون سرية لا تعلم عنها الحكومة أي شيء ولا تجرأ بالوصول إليها مثل السجون الموجودة في جرف الصخر، إضافة لمئات المقابر الجماعية، فأي مكان تدخل إليه المليشيات تجد فيها مقابر جماعية كالمقابر التي اكتشفت في الفلوجة والكرامة والفرحاتية في صلاح الدين ومقابر تلعفر في الموصل ومقابر السدة في أطراف بغداد، فالظلم الذي نزل على الشعب العراقي من هذا النظام لم يحدث مثله في التاريخ الحديث والمعاصر على أي شعب في العالم .
٢- فقدان السيادة : فقد العراق سيادته الداخلية والخارجية على أرضه وسمائه وحدوده بسبب هذا النظام، بل وعجز عن حماية شعبه، ففي الداخل مليشيات مسلحة تصول وتجول وتعتقل من تريد وتقتل من يعترض عليها أو ينتقدها، أما السيادة الخارجية فإن لإيران وأمريكا الهيمنة الكاملة على العراق سياسيا وأمنيا واقتصاديا، ولا تجرأ الحكومة على الإقدام على أي موقف أو تتخذ أي قرار يتعارض مع مصلحة أمريكا وإيران تحت أي ظرف كان حتى لو كان لصالح الشعب العراقي فالمصلحة الإيرانية والأمريكية مقدمة على المصلحة الوطنية .
٣- فشل في بناء المؤسسات : عجز النظام الحالي من بناء مؤسسات تنهض بالدولة وتحفظ للمواطن حقوقه، فلا مؤسسات أمنية مهنية رصينة قادرة على الدفاع عن الوطن من أي اعتداء خارجي، رغم أنه بلغ تعداد أفراد المؤسسة الأمنية وفق آخر احصائية أعلنتها المفوضية العليا للانتخابات مليون وخمسة وسبعون الف عدا الحشد الشعبي الذي يتجاوز عدد ١٠٠ عنصر، ومع كل هذه الأعداد الغفيرة تجد أن الأمن مفقود في العراق، كما إن الدولة عجزت عن إنشاء إعلام وطني يساهم في توعية الشعب ويرفع مستوى الروح الوطنية والتضحية من أجل الوطن، بل عملت العكس، حيث تعمدت تمزيق المجتمع من خلال البث الطائفي المقيت، كما لا يوجد اليوم في العراق مؤسسات اقتصادية تحفظ المال العام وتساهم في التنمية والاستثمار وتطوير البنية التحتية مثل بناء المدارس والطرق والجسور والمستشفيات والجامعات وغيرها .
٤- انتشار الفساد : يعتبر الفساد في العراق من أهم أسباب فشل الدولة بل وتدميرها، لأن المال العام أصبح مشاعا والكل ينهب منه، والحكومة ليس لها سيطرة حتى على الموارد العامة مثل النفط والجمارك والحدود والمطارات، فلكل حزب أو مليشيا مناطق نفوذ تستثمر فيها، لا تستطيع الحكومة أن تمنعها – وكأننا في العصور الوسطى الأوروبية زمن النظام الإقطاعي -، ومن أنواع الفساد في الدولة العراقية أن تباع المناصب الحكومية وتشترى، وهذه سابقة لم يسبق العراق فيها أي نظام فاسد من قبل، فالوظيفة والمنصب في العراق المحتل لا تمنح على أساس الكفاءة ولا على أساس المؤهل العلمي بل تمنح لمن يدفع أكثر حتى لو كان لا يجيد القراءة والكتابة، إضافة للشهادات المزورة التي شوهت صورة العراق العلمية، أما حجم المال العام المنهوب في العراق لا يمكن لأي مؤسسة أن تعرف حجمه بالأرقام الدقيقة، لا الحكومة ولا وزارة المالية ولا البنك المركزي، بسبب حجم الأموال المنهوبة وعدد الناهبين، لأن الفساد قد انتشر أفقيا وعموديا في العراق ولا يوجد مؤسسة مستقلة يستطيع الباحث الإعتماد على تقاريرها حول الأرقام الحقيقية للمبالغ المنهوبة من الدولة .
كل هذا وأكثر موجود في النظام العراقي، فهو لا يستطيع الحفاظ على سيادة الدولة داخليا وخارجيا، ولم يبن مؤسسات تساهم في نهضة الدولة لخدمة المجتمع، والإعلام هو طائفي مقيت يبث سمومه للمجتمع لإحداث الفرقة بين ابنائه، وإقتصاد منهار وما تبقّى منه مرهون لدى القوى الخارجية، وفساد مالي وإداري منتشر في كافة مفاصل الدولة، ومليشيات تصول وتجول في وسط العاصمة وتهدد الحكومة قبل الشعب، تزامنا مع رفض شعبي عارم لكل عملية انتخابية تجرى بسبب التزوير ومشاركة المليشيات فيها، فمن أين يمتلك هذا النظام مقومات البقاء في السلطة !؟ دون شك يستمد شرعيته وقوته من القوى الخارجية وتحديدا من المحتل الأمريكي والإيراني وهو يرعى مصالحهم على حساب المصلحة الوطنية، ولو لا دعمهم له لكان قد انتهى قبل سنوات، بسبب ما ارتكبت أيديهم من جرائم أدت إلى تفتيت اللحمة الوطنية من خلال اعتماد الطائفية كنهج سياسي للحكم في بلد متعدد المكونات والمذاهب، فكل شيء في هذا النظام لايؤهله للبقاء بل يعجّل من زواله وفق السنن الكونية وأبجديات إدارة الدولة .

السيناريوهات المحتملة في العراق :
١- صراع مسلح شيعي – شيعي ينهي النظام ويتحول العراق إلى مجموعة كونفدراليات وكانتونات ممزقة .
٢- إنقلاب عسكري بدعم خارجي ينهي النظام وميليشاته .
٣- تمدد انتفاضة تشرين على مستوى القطر كافة مع تغيير لوسائلها مثل الانتقال إلى العصيان المدني العام وغيرها من الوسائل التي تؤدي إلى شل حركة الدولة ومن ثم إسقاط النظام .

كل هذه الخيارات متاحة وممكنة لتغيير النظام، لكن لا يمكن ضبط البوصلة في التغيير بسهولة، وممكن أن يكون القادم أسوء إذا ما انحرفت البوصلة، وقد تؤدي إلى تمزيق وتفتيت العراق لا سامح الله.

مقال خاص براسام