في إطار الزيارات الدبلوماسية المتزايدة في السنوات الأخيرة بين تركيا والعراق، أظهرت لقاءات وزير الدفاع التركي خلوصي أكار المكثفة أثناء زيارته لعاصمة حكومة كردستان العراق أربيل والعاصمة بغداد والرسائل التي صرّح بها بعدها أن العملية الجديدة على وشك الانطلاق في سنجار، والتي قالت عنها تركيا بأنها لن تسمح لها بأن تصبح “قنديل الثانية”.
لكن متى ستطلق تركيا عمليتها الجديدة في سنجار المتنازع عليها مع حكومة كردستان العراق مع أنها تابعة للموصل في العراق إداريا، والتي دخلت حيز اهتمام الميليشيات العراقية الموالية لإيران ومنظمة حزب العمال الكردستاني بعد دخول “داعش” لها عام 2014، وكيف تقيم بغداد وأربيل هذه العملية؟
تزايد التعاون العسكري بين أنقرة وبغداد
لم يكن من قبيل المصادفة أن يقوم أكار بزيارة العراق برفقة رئيس الأركان العامة الجنرال يشار غولر في 18 ينايرالماضي، وأن يجري ثمانية اجتماعات رفيعة المستوى في بغداد وأربيل خلال 36 ساعة، بعد نحو شهر من زيارة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي لأنقرة مع وفد كبير.
فقد تم إلغاء زيارة أكار التي كان من المخطط أن يقوم بها في أغسطس 2020 إثر تصريح جاء من القيادات العراقية بمقتل اثنين من حرس الحدود العراقيين في دهوك في هجوم من قبل طائرة مسيرة تركية.
ويمكن القول أن زيارة أكار المتأخرة للعراق بعد زيارة الكاظمي لأنقرة وعقب وصول وزير الدفاع العراقي جمعة عناد سعدون إلى أنقرة بدعوة من أكار في 28 ديسمبر، يشير إلى حل المشاكل العسكرية والأمنية بين أنقرة وبغداد.
كما يمكن التنبؤ بأن التعاون في القضايا العسكرية مثل مكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات الاستخباراتية سيتطور إلى جانب تطور العلاقات السياسية والاقتصادية القائمة فعليا على خط أنقرة – بغداد – أربيل، بعد اللقاءات التي أجراها أكار في العراق.
وبالفعل، جاء في بيان أكار حول الزيارة أن “التعاون فيما بين تركيا والعراق وتركيا وأربيل سيكون سببا في حدوث تطورات مهمة في قضية مكافحة الإرهاب في الفترة المقبلة وذلك من خلال إنشاء آليات مناسبة”.
وكما يمكن تفسير الأمر على أن الأطراف موافقة على العمليات التي تنفذها تركيا داخل الحدود العراقية ضد حزب العمال الكردستاني، ويمكن تفسيرها أيضا بأنها تشير إلى أن العمليات المعنية ستتوسع وأن بغداد وأربيل ستشاركان في هذه العمليات على مستويات معينة.
وقد تم تفسير هذه الزيارات التي شددت على تطبيق الاتفاقية وتسريع إنهاء تواجد حزب العمال الكردستاني في سنجار بموجب الاتفاقية التي عقدت بين بغداد وأربيل في أكتوبر الماضي، تحت إشراف الاتحاد الأوروبي ودعم من الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا وتركيا، كنذير لعمليات جديدة في سنجار.
إن كلمات المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية عمر جيليك الذي قال في 14 يناير: “إذا لم تستطع الإدارة العراقية إنهاء وجود حزب العمال الكردستاني في سنجار، فنحن بالطبع مستعدون لمساعدتهم”، زادت من احتمالية إطلاق عملية في سنجار مع زيارة أكار إلى العراق. كما أن قول الرئيس رجب طيب أردوغان بعد فترة قصيرة من الزيارة: “يمكن أن نأتي في إحدى الليالي من دون سابق إنذار” في إشارة إلى سنجار، عزز التصور بأن العملية ستنفذ قريبا.
وبينما يمكن تقييم الاتجاه نحو العمل المشترك في العمليات كواحدة من نتائج زيارة رئيس وزراء العراق “الكاظمي” لأنقرة، والذي قال إنه لن يسمح بأي عمل يهدد تركيا من الأراضي العراقية، يلاحظ أيضا أنها إحدى نتائج تصريحات حكومة كردستان العراق القاسية ضد تواجد حزب العمال الكردستاني في العراق والذي دخل معه في صراعات وتوترات في الفترة الأخيرة.
بين رغبة أربيل وتردد بغداد
إن حكومة كردستان العراق التي شهدت العديد من الاشتباكات مع حزب العمال الكردستاني منذ توقيع اتفاقية سنجار قبل أكثر من أربعة أشهر، وفقدت العديد من البشمركة إلى جانب خسارتها ما يقرب من 100 مليون دولار في هجوم حزب العمال الكردستاني على خط أنابيب النفط (على الرغم من أنه لم يكن بإمكانها دفع رواتب الموظفين الشهرية)، أكثر حرصا من أي وقت مضى على إخراج حزب العمال الكردستاني من شمال العراق.
ومع ذلك يصعب القول بأن الحكومة المركزية أظهرت النهج المتوقع لتنفيذ الاتفاقية، وذلك بسبب الخلافات بين الحكومة والميليشيات المدعومة من إيران في بغداد.
إن مشاركة حكومة بغداد في عملية سنجار المحتملة أو دعمها لها بشكل صريح ـ على الرغم من عدم رغبتها في انسحاب حزب العمال الكردستاني والميليشيات الموالية لإيران ـ سيرفع من سقف التوقعات كثيرا. خاصة وأن كلًا من حزب العمال الكردستاني والميليشيات القريبة من إيران خرقوا اتفاقية سنجار واستمروا في التواجد بالمنطقة بالرغم من تموضع كتائب الجيش العراقي الثلاثة في سنجار.
ويمكن ملاحظة أن إيران والميليشيات التابعة لها جزء من المعادلة إلى جانب الحكومة المركزية في عملية سنجار المحتملة في ظل توازن القوى المعقد في العراق. خاصة وأن رواتب القوات المحلية لحزب العمال الكردستاني في المنطقة تدفع من قبل الحشد الشعبي الذي يعتبر قوة رسمية في العراق والذي يضم جماعات وشخصيات موالية لإيران إلى جانب أنه يمكن أن يعمل بشكل مستقل عن الحكومة في بغداد، بل ويهدد الحكومة ورئيس الوزراء أيضا.
إن سنجار التي تبعد نحو 120 كيلومترا من الموصل، تشكل أهمية كبيرة من حيث قربها من سوريا وتركيا وبكونها ممرا طبيعيا يربط بين وحدات حماية الشعب وحزب العمال الكردستاني شمالي سوريا ومنطقة قنديل شمال العراق وتشكيلها خطا رئيسا يصل إيران بسوريا.
وعلى الرغم من أن حكومة بغداد (غير مرتاحة) لوجود الميليشيات المدعومة من إيران في سنجار وبالتالي النفوذ الإيراني، فإن كون العراق يشكل مسرحا للتوترات الأمريكية الإيرانية وكون عمليات الميليشيات المدعومة من إيران خارج السيطرة خاصة في العاصمة بغداد، وبوجود الهجمات الروتينية على القوات الأمريكية، يجعل سنجار خارج أولويات حكومة بغداد.
من ناحية أخرى، وبغض النظر عن أنها لا تظهر أي ردة فعل بشأن العمليات التركية حاليا تجد بغداد نفسها مجبرة على اتخاذ موقف مشابه لأنقرة في قضية حزب العمال الكردستاني بسبب انزعاج الكاظمي من حزب العمال الكردستاني ومشاكل البلاد الاقتصادية إضافة إلى مشاكل البنية التحتية في العراق، على الرغم من أن عمليات أنقرة عبر الحدود ضد حزب العمال الكردستاني في العراق، والتي لم تتمكن بغداد وأربيل من إيجاد حل لها على الرغم من انزعاجهما منها، تضر (بسيادة) حكومة الكاظمي الذي يشدد عليها باستمرار.
إن تصور العراق للخطر الذي يشكله حزب العمال الكردستاني على الرغم من أنه يشكل تهديدا لسيادتها، لا يشبه تصور تركيا للخطر ذاته. لذلك يبدو من الصعب على بغداد أن تتبنى موقفا فعالا في سنجار طالما لم يشتبك معها حزب العمال الكردستاني ويتبنى الحشد الشعبي وإيران طريقة جديدة في علاقتهم مع حزب العمال الكردستاني خاصة بوجود أولويات مثل منافسة الميليشيات الموالية لإيران ومحاربة “داعش”، والاقتصاد والانتخابات.
ملائمة الظروف
من المتوقع أن تدعم تركيا، أربيل وبغداد بشكل مكثف بعد هذه الزيارة لإنهاء وجود حزب العمال الكردستاني في سنجار وأن تزيد من ضغطها لاتباع سياسة مضمونة النتائج عن طريق تنفيذ عمليات في المنطقة.
ومن المحتمل أن تشارك بغداد بشكل خاص بمعلوماتها الاستخبارية بما يتعلق بالعملية المشتركة. ومع ذلك، من المتوقع أن حكومة كردستان العراق، التي تقع نحو 600 قرية من قراها تحت احتلال حزب العمال الكردستاني، ستكون على اتصال أوثق مع أنقرة ضد حزب العمال الكردستاني، الذي يتزايد تهديدها يوما بعد يوم.
إن التقاط صورة لرئيس الأركان العامة التركي مع رئيس حكومة كردستان السابق أمام صورة زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني والد مصطفى بارزاني في مكان يرفع فيه علم كردستان العراق، لتُظهر صورة تخالف المواقف التقليدية للقوات المسلحة التركية، كما يوضح أيضا مستوى الشراكة الذي تم التوصل إليه في صراع حكومة كردستان مع حزب العمال الكردستاني، وأولوية هذه الشراكة.
وبالفعل، يمكن تفسير تصريح أكار الذي جاء فيه في إشارة إلى حكومة كردستان العراق: “أود أن أؤكد على أن رغبة الإدارة المحلية بشكل خاص مهم وقيم للغاية في هذا الموضوع “، على أنها رسالة مفادها أن إدارة أربيل التي تصرح بتصريحات قاسية ضد حزب العمال الكردستاني ستأخذ زمام المبادرة في العمليات المضادة لهذا الحزب.
وبالنظر إلى أن اتفاقية سنجار تعد من القضايا النادرة التي تتفق فيها بغداد وأربيل، والاتفاق الذي وصلتا إليه لإخراج حزب العمال الكردستاني من المنطقة، والدعم الذي قدمته الولايات المتحدة والأمم المتحدة لهذه الاتفاقية، يمكن القول بأن الظروف مواتية لأنقرة فيما يتعلق بالعمليات المحتملة ضد سنجار وتواجد حزب العمال الكردستاني في شمال العراق.
ويمكن لحقيقة كون الولايات المتحدة (غير مرتاحة) للتأثير والنفوذ المتزايد للميليشيات الموالية لإيران في العراق وتعاون حزب العمال الكردستاني مع الميليشيات في سنجار وتحركاته لصالح إيران، أن تحفز خط أربيل – بغداد – أنقرة على إنهاء تواجد حزب العمال الكردستاني في سنجار.
محمد ألاجا وبكر أيدوغان/ وكالة الاناضول التركية
ترجمة وتحرير: راسام

