نظير الكندوري
اسفرت زيارة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي إلى تركيا في 17 كانون الأول/ ديسمبر الجاري، بالإعلان عن توقيع عدد من الاتفاقيات التي في معظمها تخص الجانب الاقتصادي، لكن هناك اتفاقيات وتفاهمات تتعلق بالجانب الأمني والعسكري تحديدًا، لم يتم الحديث عنها بشكل صريح، وهي قضايا مهمة واستراتيجية للبلدين.
زيارة الكاظمي إلى أنقرة والتي جاءت بدعوة من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، تناولت ملفات في غاية الأهمية، فمن جهتها، تشعُر حكومة الكاظمي، أنها بحاجة الى المزيد من الدعم الاقتصادي الخارجي، خاصةً وهي تعاني اليوم من انهيارٍ اقتصادي بسبب انخفاض أسعار النفط، بالمقابل، تركيا تجد نفسها بحاجة الى زيادة تعاونها الاقتصادي مع العراق، واستغلال فرصة العقوبات الأمريكية على إيران، لتكون بديلًا عنها في السوق العراقية، لا سيما وأن تركيا تقدم نفسها للعراق كشريك اقتصادي يمكنها أن تأخذ ثمن استثماراتها وخدمات شركاتها بالنفط بدلًا من الدولار الذي تفتقر إليه بغداد، لكن بأسعار أقل من سعرهِ في الأسواق العالمية.
من ناحيتها، تعتبر بغداد هذا العرض مغريًا بالنسبة لها في ظل ظروفها الحالية، وبديلًا جيدًا عن إيران والسعودية، اللتان لا ترغبان بالنفط بدلًا من الدولار ثمنًا لاستثماراتها، ولأجل ذلك شدد الرئيس التركي على ضرورة إصلاح خط أنبوب كركوك-جيهان النفطي، لأن من خلاله سيتم الدفع لتركيا. من جانب أخر، يستفيد الكاظمي من طريقة الدفع هذه، بعدم التقيُّد بالحصص النفطية التي فرضتها أوبك + على صادرات العراق النفطية، وهذا أمر سوف ينعش صادراته من النفط.
في الوقت ذاته، وانطلاقًا من شعور تركيا بالقلق من الاتفاق الذي أبرمه العراق مع مصر حول إعادة الإعمار مقابل النفط، وهو أمر يجعل مصر منافساً صاعداً لتركيا في العراق، لأجل ذلك تجد تركيا اليوم مندفعة بقوة إلى العراق، فيما يرى العراق، أن تركيا تستطيع أن تُعطي العراق ما لا تستطيع مصر أن تعطيه اقتصاديًا.
كما أن هناك رغبة مشتركة بين العراق وتركيا، في الاستفادة من موقعهما الجغرافي المهم في طريق الحرير الصيني، فبعد استكمال مشروع ميناء الفاو الكبير، تأمل تركيا ربط هذا الميناء بأراضيها عبر سكة حديد تمتد من ميناء الفاو إلى تركيا ثم إلى أوروبا لنقل البضائع الصينية وغير الصينية، ولأجل ذلك شملت المباحثات المشتركة بين البلدين، القضايا التي تتعلق بموضوع الربط السككي، وشدد الرئيس التركي أردوغان على عزمه زيارة العراق على رأس وفدٍ اقتصادي كبير، لعقد قمة اقتصادية لتوسيع أفاق التعاون الاقتصادي بين البلدين.
وفيما يتعلق بمشكلة حصص العراق المائية من مياه نهري دجلة والفرات، قلل أردوغان من حجم الخلاف حول هذه القضية، وقال، “بصفتنا تركيا، نؤكد أنه لا ينبغي تقييم المياه كعامل خلاف، بل كمجال للتعاون”. بالمقابل، لم يُشدد الكاظمي على تركيا في موضوع المياه، إنما طلب المساعدة من الأتراك في عملية الاستفادة من المياه الواردة للعراق والتي تذهب معظمها هدرًا، فالكاظمي اليوم، أمام فرصة مثالية للاستفادة من العرض التركي لتحسين البنية التحتية في مجال الاستفادة من المياه. هذا ما أكده الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، حينما قال، إن “البلدان اتفقا على مواصلة العمل على خطة عمل اقترحتها تركيا موجهة نحو “الاستخدام الفعال” لمياه نهر دجلة. فيما جاءت الموافقة التركية على العودة لمذكرة التفاهم الموقعة في 2009 والخاصة بتأشيرة دخول العراقيين لتركيا، بمثابة مبادرة لتلطيف الأجواء بين البلدين وتعزيز لشعبية الكاظمي عند العراقيين.
سياسيًا، وبسبب الإجراءات التي تتخذها تركيا تحسبًا للتغيرات الحاصلة في البيت الأبيض، تجد أن من المناسب لها، تحسين علاقتها مع الكاظمي المدعوم أمريكيًا ودوليًا (حتى الآن)، وتجد أن قربها من الكاظمي، هي خطوة بالاتجاه الذي يقربها من إدارة بايدن القادمة، لأنها ستحاول سحب العراق بعيدًا عن إيران كما ترغب الإدارة الأمريكية في ذلك. يأتي التقارب التركي هذا كعملية تلطيف للأجواء قبل وصول بايدن إلى البيت الأبيض، خصوصاً وإن موقف بايدن من سياسة أردوغان، ليست بأفضل حالتها منذ أعوام عديدة. وفي ذات الصعيد، ترى تركيا، أن تحسين علاقاتها مع العراق، سيقطع الطريق على فرنسا واليونان اللتين تحاولان استقطاب العراق ضد تركيا في إطار تنافسهما مع تركيا في شرق البحر الأبيض المتوسط.
لم تنس تركيا أن تبعث برسائل تطمينات للعراقيين، بسبب تجربة العراقيين السيئة مع تدخل دول الإقليم بشأن البلاد الداخلي، فقد قال الرئيس التركي أردوغان، “تقف تركيا على مسافة واحدة من كافة أطياف الشعب العراقي، من عرب وتركمان وأكراد، وسنة وشيعة”. وأضاف، “كل الشعب العراقي أخوة لنا، وتركيا تدعم وحدة أراضي العراق”. أما الكاظمي، فقد كان أحد أهداف زيارته إلى تركيا، إعطاء رسالة واضحة للأطراف الداخلية، بأن علاقته بالمحور الخليجي المكون من السعودية والإمارات، ليس بالقوة التي تُقلق إيران ومواليها في العراق، والتي أبدت شكوكها وامتعاضها من تقارب الكاظمي من السعودية في الفترة الأخيرة. فهو يتقارب الآن من تركيا التي تحتفظ بعلاقات جيدة مع إيران.
لكن يبقى الملف الأهم بالنسبة لتركيا والذي تم مناقشته مع الكاظمي، هو الموضوع الأمني الضاغط على تركيا في كردستان العراق، فتركيا تشعر بأن خطر حزب العمال الكردستاني بات كبيرًا، وهو ينشر سيطرته بإقليم كردستان والمناطق الكردية السورية، وبرغم الهجمات العسكرية التي شنتها تركيا ضد هذا الحزب، لكنها لم تستطيع حتى الأن الحدَّ من نشاطه. وأفادت تسريبات من مصادر مطلعة، أن اتفاقًا قد أبرم بين العراق وتركيا على مكافحة هذا التنظيم الإرهابي بمشاركة القوات العراقية والكردية التابعة للبارزاني وبإسناد مباشر من القوات التركية، يتمثل بشن عمليات عسكرية أكبر وأكثر نجاحًا ضد هذا الحزب في كردستان العراق، وقطع طرق تواصله مع مليشيا قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، حيث تشكل هذه المليشيا تحديًا عسكريًا عليها في سوريا، وتمُد حزب العمال بالأسلحة التي تأخذها (قسد) من الولايات المتحدة. كما يُرجح أن تقوم القوات الحكومية العراقية بالانتشار على طول حدود إقليم كردستان مع تركيا وسوريا، لمساعدة البيشمركة في قطع الطريق على حزب العمال في التسلل لأراضي الدولتين.
مثل هذه الاتفاقيات الأمنية، قطعًا سوف تعود بالنفع على الكاظمي، كون هذا الحزب الذي يتلقى دعمًا إيرانيًا عبر الحشد الشعبي، يشكل خطرًا أمنيًا له أيضًا، وتحجيم هذا الحزب، سيحُد من قوة الحشد وبالتالي تقوية للحكومة المركزية، نفس الحال، يجد الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني، مصلحة كبيرة في الحد من قوة حزب العمال الذي يُشكل تحديًا وجوديًا لمناطق سيطرته بإقليم كردستان. وقد اتهم البارزاني حزب العمال مؤخرًا، بلعب دورٍ أساسي في تأجيج الشارع الكردي ضد حكومته، ومهاجمة مقرات حزبه، ووصل الأمر أن هاجم بيشمركة البارزاني لأكثر من أربع مرات خلال هذا الشهر. بل وصل خطر حزب العمال، إلى محاولاته لتقسيم الإقليم وذهاب السليمانية وحلبجة تجاه بغداد والانفصال عن الإقليم إداريًا. وهي رغبة إيرانية قوية تعمل عليها منذ فترة طويلة بمساعدة أطرافها العاملة في العراق.
ولأجل ذلك، كانت تصريحات وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، وهو (عضو في الحزب الديمقراطي الكردستاني ومستشار سابق لمسعود البارزاني)، صريحة في هذا الشأن، حينما قال: (الدستور العراقي لا يسمح لأي منظمة بالعمل من أرض العراق ضد دول الجوار)، أما الكاظمي، فقد قال خلال مؤتمره الصحفي المشترك مع الرئيس التركي أردوغان، “لا يمكن للعراق إبداء التسامح تجاه أي (جماعة) تهدد تركيا”. بالمقابل، أبدى وزير الخارجية التركي مولود تشاويش أوغلو، استعداد بلاده لتقديم شتى أنواع الدعم للعراق لاجتثاث منظمة “بي كا كا” من الأراضي العراقية. ويعتقد الكاظمي، إن تجربة الاتفاق الذي أبرمه مع أربيل فيما يخص سنجار وطرد حزب العمال منها، يمكن البناء عليه كتجربة ناجحة وتعميمها على باقي المناطق التي يتواجد فيها حزب العمال وبمساندة تركية.
لقد أيقن الكاظمي، أن الفرصة مناسبة، لقبول اليد التركية الممتدة إليه، ليستعين بها في مواجهة خصومه الداخليين، سواءً كانوا من حزب العمال أو المليشيات التي تشكل تحديًا صارخًا له ولحكومته وللدولة العراقية بشكل عام. ويرى الكاظمي، أن النجاحات العسكرية التي حققتها تركيا في أذربيجان ومن قبلها في ليبيا وسوريا، تشجعه لطلب الدعم العسكري منها، سواء على صعيد التسليح أو التدريب أو حتى مشاركة القوات التركية في شن الهجمات على خصومه في كردستان أو في مناطق أخرى. وعلى هذا الأساس، فمن غير المتوقع أن يطلب العراق، انسحاب القوات التركية من الأراضي العراقية، وملف حزب العمال ما زال غير منتهي حتى الآن، لا سيما وأن التواجد العسكري التركي بالأراضي العراقية جاء وفق اتفاقيات مسبقة بين البلدين.
مقال خاص براسام

