لقد حاول الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” أن يعمل على توازنات صعبة، وأن يظهر نزعة القوة، والاستعلاء، والتفوق، والاكتفاء، والانعزال، في التعامل مع الدول وخاصة الكبرى، كي يثبت بشكل عملي للدول الكبرى وعلى رأسها الصين وروسيا بأن أمريكا اليوم ليس أمريكا الأمس في عهد الرئيس باراك أوباما، الذي سمح لأنظمة عدوة للولايات المتحدة الأمريكية مثل روسيا، والصين، بزيادة قوتها ونفوذها على حساب المصالح الحيوية الولايات المتحدة الأمريكية، بعد أن أحجمت وترددت إدارة أوباما عن اتخاذ قرارات مهمة، كان يمكن لها أن تحد بشكل كبير من الاندفاع الروسي، الصيني، الايراني في المنطقة، والتي زادت من نهجها العدواني في تحدي نفوذ الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها في ملفات متعددة.
لقد أرد “دونالد ترامب” أن يوجه رسالة قوية بتوازنات صعبة، مفادها بأنه أذا قال فعل!، وإذا وضع خطوط حمراء فلن يسمح لأحد بتجاوزها !، وهذا ما فعله عندما قام بقصف “قاعدة الشعيرات” في سوريا، أو في قتل “قاسم سليماني” وأبو “مهدي المهندس” في العراق، خصوصاً وأنه كان يدعو لأنهاء الحروب العبثية التي لم تجني منها الولايات المتحدة الأمريكية غير خسارة الأموال والدماء بسبب التدخل المباشر في حرب أفغانستان والعراق، لذا عمل على التدخل الغير مباشر في مواجهة تنظيم الدولة، كما فرض عقوبات اقتصادية على ايران وميليشياتها المسلحة في المنطقة، مستبعداً الخيار العسكري ألا في حالة الدفاع عن النفس، وهذه توازنات صعبة بين عدم الخوض في حروب مباشرة، وبين فرض القوة لردع الدول، ومنعها من تهديد مصالح الأمن القومي الأمريكي.
من الملفات المهمة والقضايا التي أثرت عليها السياسية الخارجية لإدارة “ترامب”، هو انسحابها من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، حيث علمت الادارة على ازدراء المنظمات الدولية، والقانون الدولي، والانساني، وذلك بانسحابها من العديد من الاتفاقيات، والمعاهدات، والمنظمات الدولية المهمة، التي يقول “ترامب” بأنه أنسحب منها لأنها “سيئة”، وفيها “ثغرات مجحفة”، لا تخدم مصالح الولايات المتحدة الامريكية السياسية والاقتصادية، بقدر ما تنفع وتخدم الاطراف الاخرى، وخاصة خصومها، وهذا يعيدنا الى حرب احتلال العراق في عام2003، عندما تفردت الولايات المتحدة الامريكية، وبريطانيا، في شن الحرب على العراق خارج قرارات الشرعية الدولية، ومجلس الأمن، لذا يرى “ترامب” بأن هذه الاتفاقيات أضرت كثيرا بمصالح الولايات المتحدة، وإن هذه الإجراءات جاءت تحت شعار “أمريكا أولاً”، الأمر الذي أفقدها ثقة الكثير من دول المنطقة، وعرض مصداقيتها، وسمعتها الدولية، ونفوذها العالمي، ومصالحها الحيوية، الى الكثير من الانتقادات، والتهديدات، بسبب الانسحاب من المعاهدات والاتفاقيات على مدى أربع سنوات مضت وهي كما يلي:
• الانسحاب من الشراكة عبر المحيط الهادي: لقد انسحبت الادارة الامريكية من الاتفاقية التجارية التي تضم(12)، دولة من الدول المطلة على المحيط الهادي، والتي تمثل(40%)، من الاقتصاد العالمي وتضم كل من:(الولايات المتحدة الأمريكية، وأستراليا، وكندا، واليابان، وماليزيا، والمكسيك، ونيوزيلندا، وسنغافورة، والبيرو، وفيتنام، وتشيلي، وبروناي)والتي وصفها “ترامب” بأنها سيئة لأمريكا، علماً بأن هذه الاتفاقية كانت بمبادرة من الرئيس الأمريكي السابق “بارك أوباما”.
• الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ: لقد أثار انسحاب واشنطن من اتفاقية “باريس للمناخ” في1 يونيو/حزيران عام2017، ضجة كبيرة علماً أنها وقعت في ديسمبر/كانون الأول عام2015، وشاركت فيها نحو(171)، دولة وتبلغ حاليًا الدول الموقعة علي هذه الاتفاقية(195)، دولة وقد أثار انسحاب الولايات المتحدة الامريكية سخط المجتمع الدولي، الأمر الذي عرضها لانتقادات لاذعة، كونها الدولة الثانية في العالم من حيث الانبعاثات الغازية التي تسبب الاحتباس الحراري، وقد دخل الانسحاب من هذه الاتفاقية حيز التنفيذ.
• الانسحاب من منظمة اليونسكو: لقد انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل في أكتوبر /تشرين الأول عام2017، من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «يونسكو»، بذريعة تحيزها ضد اسرائيل، والتي طالبت بإصلاح جذري لهذه المنظمة التي اشتهرت باهتمامها بمواقع التراث العالمي، والتقاليد الثقافية، وقد دخل القرار حيز النفاذ في31ديسمبر من عام 2018، وهي ليست المرة الأولى التي تنسحب فيها واشنطن من المنظمة، بل سبق لها وإن انسحبت من اليونسكو عام1984.
• الانسحاب من الميثاق العالمي للهجرة: في ديسمبر/كانون الأول عام2017، قررت الولايات المتحدة الانسحاب من المفاوضات الأممية بشأن الميثاق العالمي للهجرة، الذي شاركت فيه(193)، دولة وتم تبني الإعلان في سبتمبر/كانون الأول عام2016، وأقرته منظمة الأمم المتحدة بالإجماع تحت اسم «إعلان نيويورك للاجئين والمهاجرين»، بهدف تحسين ظروف اللاجئين والمهاجرين.
• الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني: في مايو/أيار عام2018، قرر الرئيس الأمريكي الانسحاب من الاتفاق النووي الذي أطلق عليه أتفاق(5+1)، ووقعت عليه الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، بالإضافة الى ألمانيا، فضلًا عن إيران، والذي تم توقيعه عام2015، إبّان ادارة باراك أوباما، وهو الاتفاق الذي انتقده ترامب في حملته الانتخابية، واصفًا الاتفاق بـ«الكارثي» وقد أيدت واشادت اسرائيل بقرار الانسحاب.
• الانسحاب من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة: والذي تأسس في عام 2006، من أجل تعزيز ومراقبة وحماية حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم، وقد انسحبت الولايات المتحدة من هذا المجلس في يونيو/حزيران عام2018، لتحيز المجلس ضد إسرائيل، حيث وصفت المندوبة الأمريكية بالأمم المتحدة “نيكي هيلي” المجلس بأنه منظمة «منافقة وأنانية وتستهزئ بحقوق الإنسان»، وقد وصف مفوض حقوق الإنسان بالأمم المتحدة السابق “زيد بن رعد الحسين”، الموقف الأمريكي بأنه «مخيب للآمال» بينما اشادت اسرائيل بهذا القرار.
• قطع الإمداد عن الأونروا: في أغسطس عام2018، حيث أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية تجميد المساعدات المقدمة لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، في مجالات الصحة، والتعليم، والتشغيل، والبالغة بنحو(65)، مليون دولار تنفيذًا لقرار الرئيس الأمريكي “ترامب” في سياق التضييق الاقتصادي والمالي، لدفع الاطراف نحو التطبيع والسلام، ثم صدر قراراً أخر في أكتوبر/تشرين الأول عام2019، يقضي بقطع المساعدات عن الوكالة، الأمر الذي ألحق أضرارًا كبيرة بنحو(5)، ملايين لاجئ فلسطيني، كانوا يعتمدون عليها في معيشتهم اليومية، وقد نددت “جامعة الدول العربية” بهذا القرار الذي رفضه البرلمان الأوروبي في وقت لاحق.
• الانسحاب من المعاهدة الدولية لتجارة الاسلحة التقليدية، والحد من التسلح مع روسيا: لقد انسحبت الادارة الأمريكية من العديد من الاتفاقيات التي أبرمت مع موسكو في حقبة الثمانينات إبان انتهاء الحرب الباردة، وحقبة التسعينات بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، حيث أبرمت كل من واشنطن، وموسكو، مجموعة من الاتفاقيات للحد من سباق التسلح بين الدوليتين، بما فيها تقيد بيع الاسلحة لجهات متورطة بجرائم حرب، وقد انسحبت أدارة ترامب من هذه الاتفاقيات بذريعة خرق موسكو لها، وقد كان يتم تجديد هذه الاتفاقيات حسب الجدول الزمني للاتفاقيات المبرمة بينهما، وخاصة “الاسلحة الاستراتيجية”، ومن أهم الاتفاقيات التي تم الانسحاب منها هي:
(1)الانسحاب من معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى: ففي أغسطس من عام2019، لم تجدد واشنطن هذه المعاهدة التي تم توقيعها مع روسيا في عام1987، وقد ساعدت على إبطاء سباق التسلّح بينهما.
(2)تتهم الولايات المتحدة، روسيا بانتهاك معاهدة الأسلحة النووية، من خلال تطوير ونشر صواريخ جديدة، يمكن أن تصل رؤوسها النووية لأهداف أوروبية، بما في ذلك القواعد العسكرية الأمريكية.
(3)الانسحاب من معاهدة الاجواء المفتوحة: وهي المعاهدة وقعت عام1992، ودخلت حيز التنفيذ عام2002، والتي كانت تهدف لتعزيز الشفافية بين(34)، جيشًا في العالم- من بينها الجيشان الأمريكي والروسي- ، والتي تسمح لأطراف الاتفاقية بتشارك مجالاتها الجوية، والقيام بطلعات جوية استطلاعية، بطائرات غير مسلحة، والتي انسحب منها ترامب في مايو الماضي، وقد أعرب حلف شمال الأطلسي “الناتو” عن أسفه من قرار الرئيس الأمريكي بالانسحاب.
(4)معاهدة ستارت الجديدة: وهي المعاهدة التي وقعت بين روسيا، والولايات المتحدة الأمريكية، في عام2010، وتنتهي مدتها في فبراير عام2021، وتعد من أكثر المعاهدات تهديداً بالإلغاء، والتي تحد من الأسلحة الاستراتيجية بين أكبر قوتين عسكريتين في العالم، حيث يحتدم الخلاف بينهما بشأن الشروط اللازمة لتجديد الاتفاق، حيث لم تعرب إدارة ترامب عن نيتها في تجديد الاتفاق.
• الانسحاب من منظمة الصحة العالمية: تعتبر الولايات المتحدة الامريكية عضو مؤسس في منظمة الصحة العالمية التي تأسست في عام1948، والدعم الاكبر لها مالياً، والتي تعنى بالرعاية الصحية في العالم، حيث أعلن الرئيس الامريكي ترامب بوقف التمويل لهذه المنظمة والبالغ(450)، مليون دولار وقال بأنها تخدم المصالح الصينية، ثم أعلن الانسحاب منها في يوليو الماضي، ولكنها لا تزال عضواً في المنظمة، لأن قرار الانسحاب يستغرق عاماً ليدخل حيز التنفيذ، علما إن الرئيس الامريكي وجه لها انتقادات لاذعة، بسبب تفشي فيروس كورونا”كوفيد19″، وتأخرها في اجراءات التصدي لهذه الجائحة محملاً إياها والصين مسؤولية في أنتشار الفيروس.
إن انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية إثار انتقادات واسعة عليها داخلياً، وخارجياً، وقوض مكانتها العالمية كقوة عظمى، وقلل تأثيرها في القضايا والشؤون الدولية، لأن التنصل من هذه المنظمات والمعاهدات يعني بداية حقيقية لانهيار النظام الدولي القائم، الذي يتجه نحو الفوضى على كافة المستويات، السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، خصوصاً بعد جائحة “فيروس كوفيد19″، وتأثيرها الكبير على العالم بأسره، لذا فالسؤال هل ستستمر الادارة الأمريكية القادمة بإدارة بايدن بنفس النهج الحالي؟، أم أنها ستعمل على وضع جديد للسياسية الخارجية يختلف عما كانت عليه سابقاً، على أن لا تسير على خطى أوباما في التعامل مع القضايا الساخنة الكبرى في العالم، وخاصة الشرق الأوسط، بما فيها وضع حد لحروب الولايات المتحدة الأمريكية في افغانستان، والعراق، وسوريا، وإدارة المنافسة الاقتصادية، والعسكرية، والتكنلوجية مع الصين.
لقد كانت الفترة الرئاسية لإدارة ترامب حافلة بالإخفاقات في الكثير من المجالات، بل إن الكثير من الاجراءات زادت الأوضاع تعقيداً، الأمر الذي سيجعل إدارة بايدن أمام تحديات كثيرة، بسبب النهج الفوضى في ملفات السياسية الخارجية، والتحديات الداخلية المتمثلة بتفشي فيروس “كورونا”، وتأثير ذلك على الاقتصاد، لذا فقد ركزت السياسات المتبعة لإدارة ترامب على الطموحات الشخصية، أكثر من تركيزها على ملفات الأمن القومي الأمريكي، والمصالح الحيوية لواشنطن، حيث نجد إن هذه الإدارة فشلت في تحقيق نتائج ملموسة في الكثير من الملفات الساخنة، ومنها: الملف النووي الإيراني، وملف كوريا الشمالية، وكذلك تعقيدات العلاقة مع الصين، وفشل سياسية “المواجهة” معها، وكذلك التمدد والتوسع الروسي في المنطقة، هذا بالإضافة الى التخبط في الملف السوري، والليبي، والعراقي، الذي بدا يشكل تهديد مباشر للمصالح الحيوية الأمريكية، والتواجد العسكري والدبلوماسي فيه.

