أ. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية
– القانون الأساسي (الدستور) :
بعد المصادقة على المعاهدة وملاحقها قدم رئيس الوزراء في 3 نيسان 1924 لائحة القانون الأساسي الى رئيس المجلس التأسيسي لعرضها ومناقشتها واقرار المجلس لها، وقرر المجلس في 7 نيسان تأليف لجنة تدقيق لائحة القانةن الأساسي تألفت لجنة التدقيق من خمسة عشر عضوا، يمثل كل واحد لواءا من ألوية العراق عدا الموصل التي يمثلها عضوان، وانتخبت اللجنة من بين أعضائها أمجد العمري (نائب الموصل) رئيسا ويوسف غنيمة (نائب بغداد) مقررا لها.
احتوى القانون الأساسي على (123) مادة موزعة على مقدمة وعشرة أبواب، تناول الباب الأول حقوق الشعب كالمساواة أمام القانون وصيانة الحرية والمساكن وضمان حرية الاعتقاد والمساواة في التمتع في الحقوق واداء الواجبات.
ومما جاء في المادة الحادية عشرة من اللائحة أن “الاسلام هو دين الدولة الرسمي وتضمن لجميع ساكني البلاد حرية الاعتقاد التامة وحرية القيام بشعائر العبادة ما لم تكن مخلة بالأمن العام والأخلاق العامة”. وعني الباب الثاني بالملك وحقوقه، فقد جاء فيه : “سيادة المملكة العراقية الدستورية للامة هي وديعة الشعب للملك فيصل بن الحسين ثم لورثته من بعده”، ثم تطرقت المواد الى واجبات ومسؤوليات الملك. وطالب النائب داوود الجلبي في التعامل مع ما يقر برؤية ثاقبة بعيدة النظر خشية لما سيحدث في المستقبل : “…أرى مجلسا يريد أن يرجع القهقرى بينما يشكل مجلسا نيابيا لهذه المملكة، اذ به يضع في طريقه عقبه…أعني مجلسا معينا من جهة واحدة تتبع ارادة من عينه فيهدم بيسراه ما بناه بيمناه … ثم قلتم في دستوركم ان السيادة للشعب في مادة سابقة … أفتريدون أن تحددوا تلك السيادة افتكروا أيها النواب فيما جرى للامم من الثورات الدموية انكم ربما تكتبون مادة بقطرة من الحبر ثم تحتاج الامة في المستقبل لمحوها الى سيل كبير من الدماء”.
وعند التصويت على المادة الأصلية وافقت عليه الأكثرية، فذهب جميع الذين يطالبون بانتخاب الأعيان، وبذلك تحققت للملك سلطة قوية داخل المجلس.
وخصص الباب الثالث للسلطة التشريعية وهي منوطة “بمجلس الامة مع الملك”،ومجلس الامة يتألف من مجلسين للاعيان والنواب، وللسلطة التشريعية حق وضع القوانين وتعديلها والغائها.
وتناول الباب الرابع، وزراء الدولة، فحدد عددهم وبين واجباتهم ومسؤولياتهم امام مجلس النواب بصورة تضامنية أو منفردة “فاذا قرر مجلس النواب عدم الثقة بالوزارة بأكثرية الحاضرين فعليها أن تستقيل”.
أما الباب الخامس، فقد خصص للسلطة القضائية، وأهم ما تناوله تقسيم المحاكم الى ثلاثة أصناف، المحاكم المدنية والمحاكم الدينية والمحاكم الخصوصية، والمحاكم مصونة من التدخل فب شؤونها.
أما فيما يتعلق بالطوائف والأقليات، فقد أخذتها لائحة القانون الأساسي مآخذ الجدية والالتزام على اختلافها في العراق.
وتناولت بقية الأبواب الامور المالية، وادارة المحافظات (الألوية) وتأييد القوانين والاحكام، وبحث الباب التاسع في كيفية تبديل أحكام القانون الأساسي، ونص على أن : ” كل تعديل يجب أن يوافق عليه مجلس الامة” (الأعيان والنواب) بأكثرية مؤلفة من ثلثي أعضاء كلا المجلسين المذكورين.
وخصص الباب العاشر للمواد العمومية، فاعلان الأحكام العرفية وكيفية تفسير حكم من الأحكام القانونية.
وفي 10 تموز 1924 أقر المجلس التأسيسي القانون الأساسي العراقي، بعد اجراء تعديلات طفيفة عليه، ولم يتضمن ما يناقض أغراض المعاهدة العراقية – البريطانية.
ومع هذا كان له بالغ الأثر في تعيين شكل النظام البرلماني وارساء اسسه على قواعد تقليدية سار عليها البرلمان والوزارات المتعاقبة فيها. ولهذا عبر رئيس اللجنة “أمجد العمري” عن غبطنه وسروره، بقوله : ” الحمد لله الذي أعطانا دستورا من أرقى دساتير الامم”. عليه يمكن القول : أن لائحة القانون الأساسي تبقى وثيقة جديرة بالاعتبار وذلك لظروف وضعها والعراق تحت الانتداب البريطاني والاوضاع الاجتماعية والسياسية السائدة في العراق حينذاك.
كما تبين اسهام النواب بشكل فاعل في مناقشات لائحة القانون الأساسي العراقي من خلال خطبهم ومداخلاتهم التي تنم عن نوع من الحرص على مستقبل بلادهم.
- قانون الانتخابات لسنة 1924 :
قدم مجلس الوزراء في 17 تموز 1924 الى المجلس التأسيسي لائحة قانون انتخاب النواب، وقرر المجلس تشكيل لجنة تدقيق لائحة قانون الانتخابات من (15) عضو، فانتخبت اللجنة ياسين الهاشمي (رئيسا) والدكتور داوود الجلبي (مقررا لها).
قدمت اللجنة تقريرها الى المجلس بجلسته (43) المنعقدة في 26 تموز 1924، ومما جاء فيه : ” نظرا لضيق الوقت ولوقوع التأخير في تأليفها لم تستحضر اللجنة مستندات وقوانين كافية، لفحص اللائحة المودعة اليها فحصا دقيقا، بل اكتفت بملاحظة قانون الانتخاب التركي وقانون انتخاب المجلس التأسيسي والتجارب التي مرت على قسم من أعضائها حين كانوا أعضاء في الهيئة التفتيشية والخبرة التي حصلت لديهم من خلال اشرافهم على جريان الانتخابات سابقا ولاحقا. ثم شرع النواب بمناقشة قانون انتخاب النواب الذي احتوى على (52) مادة، وأهم ما جاء فيه أنه أخذ بطريقة الانتخاب غير المباشر متأثرا بذلك بالقانون التركي، وقانون انتخاب أعضاء المجلس التاسيسي.
وعد كل لواء دائرة انتخابية وتنقسم تلك الدوائر الى ثلاث مناطق :
1 – المنطقة الاولى : وتتكون من الألوية الشمالية (الموصل، السليمانية، كركوك وأربيل).
2 – المنطقة الثانية : وتتكون من الألوية الوسطى : (بغداد، الدليم، ديالى، الكوت، الحلة، الديوانية وكربلاء).
3 – المنطقة الثالثة : وتتكون من الألوية الجنوبية : (البصرة، العمارة، المنتفك).
وتضمن القانون كيفية تأليف اللجان الانتخابية وواجباتها، كما نصت على الشروط الواجب توفرها في النائب وبين الطريقة التي بموجبها يتم انتخاب النواب، كما طالب بعض النواب منح حقوق الطوائف غير الاسلامية بزيادة مقاعدهم، واقترح النائب أمجد العمري، باعطاء الحقوق لطائفتي الصابئة والايزدية وانتخاب نائب عنهم يمثلهم، وحصلت الموافقة بأن يكون عدد المقاعد (8)، (4) للمسلمين و (4) لليهود.
كما طالب النائب أمجد العمري بمنح الحق الديمقراطي للمرأة لتأخذ دورها ومكانتها اللائقة في المجتمع، ” … يجب من الآن أن تفكروا بحقوق الجنس اللطيف حرصا على توازن جناحي الهيئة الاجتماعية لتأمين طيرانها في سماء الرقي”.
عليه يمكن القول ان المجلس لم يجر في أثناء مناقشات لائحة أية تعديلات أساسية عليها ووضع القانون للتصويت في 2 آب 1924، فحصلت الأكثرية بقبوله.
قبل أن يختم المجلس التأسيسي أعماله اقترح عدد من النواب تقديم تقرير الى الحكومة يطلب فيها اصدار عفو عام عن المسجونين السياسيين المشتبه بهم مع دخول العراق الى الحياة الدستورية وحظي الاقتراح بالموافقة.
كما وافق المجلس على مقترح امجد العمري بطبع مذكرات المجلس على شكل كتاب وتوزيعه وذلك “حتى تطلع الامة على تفاصيل أعمال المجلس الذي إلتأم لتأسيس حياتها الدستورية الديمقراطية”.
لذا نرى :
1 – لقد كان المجلس التأسيسي العراقي حدثا تاريخيا مهما، كان ذات تأثير كبير في حياة العراق السياسية والاقتصادية، فهو الذي وضع اسس نظام حكم في العراق قدر له ان يستمر حتى 14 تموز 1958 .
2 – ان هذا المجلس يمثل بالنسبة للعراقيين، في تلك المدة تحولا جذريا في حياتهم السياسية والاجتماعية، فهو اول مؤسسة تمثيلية تعقد في العراق.
3 – أصبح المجلس التأسيسي، سببا في خلق نوع من الوعي السياسي لدى السكان.
4 – أرسى المجلس التأسيسي، قيام أول حياة برلمانية عراقية لم يعهدها من قبل.
5 – ان هؤلاء النواب كانوا من بغداد وألوية (المحافظات) حسب الكثافة السكانية ومن مختلف فئات المجتمع وفيهم من شيوخ العشائر ممن لم يغفلوا المصالح الوطنية.
6 – ساهم النواب جميعا في اثراء الحياة السياسية والنيابية.
7- لعبت الحركة الوطنية دورا فاعلا، رغم عمرها القصير، وكانت معركة للواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي للعراق، ولم تكن تتصرف بتصرف غير مقبول، بل كانت ناضجة في مطاليبها وتحركها.
وبشكل عام :
على الرغم من الظروف المحيطة بالعراق سياسيا واقتصاديا والظروف الدولية، يمكن أن نقول :
نجح المجلس التأسيسي في اداء مهمته بوضع أسس قيام دولة عراقية – كما سنرى –
- للاستزادة والتفاصيل، ينظر للمصادر أدناه :
1 – مذاكرات المجلس التأسيسي العراقي، جزءان، (مطبعة دار السلام، بغداد، 1924).
2 – القانون الأساسي العراقي،(بغداد،1925).
3 – محمد مظفر الأدهمي،المجلس التأسيسي العراقي، جزءان، (بغداد، 1989).
4 – عبد الرزاق الحسني، العراق في دوري الاحتلال والانتداب، (صيدا،1938).

