يقول البرفسور “محمد الربيعي” الاستاذ في “جامعة دبلن” رئيس شبكة العلماء العراقيين في الخارج، إن “الرصانة العلمية تداعت في الجامعات العراقية وأصبحت مفقودة”، ويضيف بـ”أن الجامعات العراقية أصبحت كالمصانع القديمة التي تنتج بضائع لا يرغب بها سوق العمل، وذلك يعود لهيمنة القوى السياسية على إدارة وتسيير التعليم العالي، وسوء سياسة القبول ونقص فرص البحث الحقيقي”، كما يضاف لذلك سياسية التوسع في القبول دون وضع معايير وشروط علمية رصينة، وأتباع سياسة القبول المبنية على المحسوبية والمنسوبية، والولاء الحزبي والطائفي، وتدخل الأحزاب والميليشيات المسلحة في عمل الجامعات، وتخويف وترويع الاساتذة، وانعدام كفاءة التدريس، وضعف المناهج، وهدر ونهب الموارد المالية، جميع هذه العوامل أدت الى تردي التعليم وفساده بعيداً عن مصالح العراق العليا.
يبدو بأن هدف الحصول على هذه الشهادات في غالبها هو لغرض اعتلاء مناصب حكومية، وتحقيق مكاسب مالية، حيث يقول الدكتور “بهروز الجاف” الأستاذ في “جامعة السليمانية”، “عندما يكون جلب الشهادات من الخارج جزءاً من التجارة السائبة فيتوقع الحصول على أردأ الأصناف من الشهادات و بأبخس الأثمان”، كونها تفتقد الى القيمة العلمية، ويضيف “عندما لا يكون الهدف من الشهادة العليا هو بناء شخصية علمية إبداعية خلاقة تخدم البلد، فهذا يؤسس لتضخم الشهادات الذي تختلط فيها الرصانة بالفساد، كما تفقد الشهادة قيمتها وسمعتها في المجتمع وسوق العمل” وتصبح عبارة عن سلعة تجارية يمكن الحصول بالمال دون أن يتكون هناك مؤهلات علمية احمل هذه الشهادة.

وزير التعليم العالي والبحث العلمي والشهادات المزورة:
لم تكن حكومة السوداني موفقة عندما قامت بتعيين وزير التعليم العالي والبحث العلمي من ميليشيا مسلحة، وهم يعرفون جيداً بأن شهادته غير معترف بها في العراق لمخالفتها معايير الرصانة العلمية، واليك أن تتصور حال التعليم العالي والبحث العلمي في العراق الذي يقوده مرشح تابع لعصابة مسلحة!، فقد تم تعيين “نعيم العبودي” من كتلة “صادقون” التابعة لميليشيا “العصائب” كوزير للتعليم العالي والبحث العلمي وهذه كارثة علمية تضيفها الطبقة السياسية الحاكمة لتاريخها الأسود في حكم العراق، خصوصاً وأنه يحمل شهادة الدكتوراه باللغة العربية، وكذلك شهادة الماجستير من الجامعة الاسلامية في لبنان، والتي ألغت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في العراق الاعتراف بشهاداتها، بسبب فضيحة تزويرها لشهادات علمية أعطيت لمسؤولين عراقيين مقابل مبالغ مالية، أي أنها شهادات مزورة تم شرائها بالمال، حيث بلغ عدد الشهادات التي تم الحصول عليها من لبنان بطريقة غير سليمة ومشبوهة نحو (27) ألف شهادة، وقد جاء ألغاء الاعتراف بشهادة هذه الجامعة بناءً على عدم التزامها بمعايير الرصانة العلمية، وتصور بأن أهم وزارة في العراق تديرها ميليشيا مسلحة، بوزير شهادته مزورة.
 
من الجدير بالذكر الاشارة الى تقرير رسمي صدر عن مفتش وزارة التعليم العالي في سبتمبر أيلول عام 2009 والذي أكد وجود (2769) شهادة مزورة خلال عامين، بينما إن “لجنة النزاهة البرلمانية ” كشفت عن وجود أكثر من (30) ألف شهادة دراسية مزورة في جميع مؤسسات الدولة العراقية، وهناك مكاتب في بغداد يمكنك شراء شهادتك الخاصة منها، علماً بأن وزارة الداخلية العراقية اعترفت في عام 2007 بأن أكثر من تسعة آلاف من موظفي الخدمة المدنية بمن فيهم مسؤولون رفيعي المستوى في مكتب رئيس الوزراء قدموا شهادات جامعية مزورة لغرض التوظيف والتحكم بأجهزة ومؤسسات الدولة، بينما تضيف لجنة النزاهة البرلمانية بأن هناك أكثر من (2000) مسؤول عراقي كبير ممن هم بدرجة نائب في البرلمان أو من هم وكلاء وزراء، أو من هم مدراء عامون، أو أعضاء في مجالس المحافظات زوروا شهاداتهم، والكثير منهم يتمتعون بمناصبهم الحالية، مضيفة أن هناك أكثر من (800) امرأة زورنّ شهاداتهن الدراسية أيضاً، وهذا المعلن من الشهادات المزورة واليك أن تتصور الغير معلن منها؟ !!خصوصاً وإن تقرير الشفافية الدولية بأن الفساد في العراق سيصبح على الأرجح “أكبر فضيحة فساد في التاريخ”.

قرارات وزارية ارتجالية وغير مهنية:
إن قيام وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بتعميم كتاب الى الجامعات العراقية فيه موافقة وزير التعليم العالي على مقترحات رفعت له من مستشاريه حول معاقبة وتحويل الاساتذة الذين انخفضت نسبة نجاحهم عن (30%) الى اللجان التحقيقية الأمر الذي يفرض نسبة نجاح عالية على الاساتذة الجامعيين وتهديدهم بالإحالة الى لجان تحقيقية!، بعد تقديم استفسار من عميد الكلية للأستاذ عن أسباب ذلك، وفي حالة عدم القناعة بالإجابة يصار الى تشكيل لجنة لإعادة التصحيح وفق للإجابة النموذجية، وفي حالة وجود اجحاف بحق الطالب يصار الى تشكيل لجنة تحقيقية واستبعاده عن وضع الاسئلة والتصحيح، وفي حالة تكرار هذه النسبة سيتم وقفه عن التدريس وتحويله الى مناصب ومهام ادارية، الأمر الذي أثار ضجة كبيرة وانتقاداً واسعاً بين الاوساط الاكاديمية، لأن القرار الجديد سيجبر الاساتذة على منح الطلاب درجات فوق استحقاقهم الامتحاني، بحيث تؤهلهم هذه الدرجات للنجاح لكي يتخلص الاستاذ من التحول الى لجنة تحقيقية بسبب تدني نسبة النجاح، مما يعني فرض نسبة نجاح معينة ومفروضة بغض النظر عن قناعة الاساتذة التدريسين، وقد أثار هذا القرار تذمر واستيلاء الكثير من الكفاءات الاكاديمية والتدريسية، لكون هذا القرار غير مهني، وغير أداري، ولا يليق بوزارة التعليم العالي التي يجب أن تكون قراراتها ذات مهنية عالية، وعلى أسس علمية رصينة، كما إن مثل هذه القرارات ستجعل الطلاب يتمردون على أساتذتهم لكونها قرارات ارتجالية ستؤدي في نهاية المطاف الى تدني مستوى التعليم، ويعتبر هذا القرار من قرارات كثيرة تم اتخاذها بشكل غير مدروس.

تسريب الاسئلة الوزارية:
لقد أصبحت قضية تسرب وسرقة وبيع الاسئلة الوزارية للصفوف المنتهية في العراق قضية روتينية طوال السنوات الماضية، وهذا يبين الخلل الكبير في أدارة الوزارة التي فشلت في المحافظة على سرية الاسئلة الوزارية بسبب غياب الأمانة العلمية وعدم الشعور بالمسؤولية، والعجيب بأننا الى يومنا هذا لم نشهد تقديم أي مسؤول حكومي للقضاء لمحاسبته على هذا الاهمال الجسيم الذي يصل الى الخيانة العظمى، الأمر الذي جعل الوزارة تتخذ إجراءات ترقيعية لمعالجة هذه المشكلة فعمدت الى نقل الاسئلة عبر البرامج الالكترونية، خصوصاً وأنها قامت بتأجيل الامتحانات لعدة مرات بسبب هذا التسريب، الأمر الذي يبين فشل الوزارة على ضبط الاسئلة خصوصاً وإن التأجيل يؤثر على أوضاع الطلاب النفسية، ويؤثر على نتائج قبولهم في الجامعات، وذلك بوصول طلاب غير كفوئين الى تخصصات بمجالات مهمة، مما يعني انحراف المناهج التعليمية عن مسارها العلمي، خصوصاً وإن التعليم أصبح لا يلبي متطلبات التقدم العلمي في العصر الحديث، بحيث لا توجد هناك معايير تدريب وتعليم مناسبة للجامعات والكليات التربوية، الأمر الذي أدى الى حالة من الاحباط لدى المجتمع العراقي.

الخاتمة:
لا شك بأن التعليم في العراق يعاني من تخلف كبير على المستوى العلمي والتربوي والاداري، خصوصاً فيما يخص الموارد البشرية العلمية، والبنى التحتية التعليمية، والتي حكمتها المحاصصة الطائفية بين المكونات بعد احتلال العراق عام2003، حيث تتحمل الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا مسؤولية الفساد الذي زرعته في دوائر ومؤسسات الدولة العراقية باعتماد المحاصصة في تقسيم المناصب والوزارات على أساس طائفي وعرقي بغض النظر عن الكفاءة العلمية والقدرة على إدارة هذه المؤسسات ومنها وزارة التربية والتعليم الأمر الذي أدى تراجع التعليم في العراق بشكل كبير وخطير بعد أن فشل التعليم الحكومي الى درجة جعلت الاهالي يتوجهون الى الدروس الخصوصية والمدارس الاهلية بسبب ضحالة التدريس، والفساد المالي والاداري، وتسيس العملية التربوية، وانتشار التزوير، ورسوخ النزاعة الاقصائية الطائفية، وقلة الكوادر التعليمة، وقلة المدارس الحكومية، واكتظاظ المدارس بالطلاب، وانتشار المدارس الكرفانية والطينية، ناهيك عن المدراس الاهلية، وعدم توفر القرطاسية والمستلزمات التدريسية الكاملة من كتب ومقاعد دراسية وسبورات ومختبرات علمية، كما أثرت على التعليم الهجرة القسرية للكفاءات العلمية وتعرضهم للخطف، واغتيال المثقفين العراقيين، ونزوح الكثير من المحافظات العراقية، وتخلف المناهج التعليمية، وتسرب وبيع الاسئلة، وتغير الاسماء على دفاتر الامتحانات، وتزوير الوثائق والعلامات، وتزوير وشراء الشهادات العليا التي بدأت تمنح كألعاب الأطفال، والتدخل السياسي، والخارجي، بما فيها تدخل الميليشيات المسلحة التي أصبحت تفرض أرادتها السياسية الطائفية بقوة السلاح، وتشويه الذاكرة الثقافية، بحيث أصبحت المؤسسات التعليمية والتربوية فاسدة، ومدمرة، ومخربة، ومتخلفة علمياً، وبعيدة عن أنظمة التعليمة الحديث واخلاقياته، وجميع هذه السلبيات أدت الى تراجع التعليم في العرق الذي تم إخراجه من قائمة التصنيف العالمي للتربية والتعليم لعام2021، “مؤشر دافوس لجودة التعليم”.