الشهادات العليا والسياسات الحكومية الخاطئة:
 إن من يراقب القطاع التعليمي في العراق يجد بأن هناك ركام كبير وخطير للشهادات العليا، حيث فتح هذا الباب بعد الاحتلال على مصراعيه للحصول على شهادات عليا وبسهولة كبيرة وبأعداد فاقة حاجة البلد الداخلية، الأمر الذي شكل أزمة حقيقية للسلطات الحكومية وخاصة في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي المعنية بتعيين هذه الكفاءات، لأن هؤلاء المتخرجين يريدون تعينات وظيفية بعد تخرجهم ولا توجد هناك أمكانية على استيعاب هذه الأعداد الكبيرة من الخريجين في دوائر ومؤسسات الدولة ووزاراتها وجامعاتها، خصوصاً وإن هناك محسوبية واضحة في توظيف الكثير  منهم، لذا فهم يبحثون عن فرصة عمل كغيرهم من اقرانهم المنتمين الى أحزاب وميليشيات مسلحة والذين تم توظيفهم حال حصولهم على هذه الشهادات، علماً بأن أغلب هذه الشهادات يتم الحصول عليها من بلدان محددة مثل إيران ولبنان والتي تربطها علاقات متينة مع النظام السياسي الحاكم في العراق مما سهل عملية الحصول على هذه الشهادات، خصوصاً وإن هناك جامعات في هذه البلدان يعود بعضها لسياسيين عراقيين، كما تعتبر هذه البلدان مناسبة لهم من الناحية المادية والعقدية والفكرية، ولكنها غير مناسبة للدولة من الناحية العلمية كونها شهادات غير رصينة و مستواها هابط ولا يرقى الى المستويات العلمية المطلوبة.

لا شك بأن الوضع العراقي يعاني من ارتباك وانقسام سياسي حاد، ترافقه فوضى أمنية، واقتصادية، وفساد مالي وإداري، وهناك تخبط كبير على مستوى التخطيط الاستراتيجي وسوء الادارة، فهناك عشوائية غريبة في تبني سياسات تخريبية لبنية الدولة العراقية، بل إن هناك إصرار كبير على الاستمرار بهذه السياسات المتخبطة والخاطئة والتي تنفذ بدوافع سياسية وطائفية ضيقة تمارسها الطبقة السياسية الحاكمة للسيطرة على دوائر ومؤسسات الدولة لمصالح شخصية وحزبية، بعد أن غاب التخطيط الاستراتيجي القومي عن مؤسسات الدولة بمختلف اختصاصاتها ومجالاتها خصوصاً وإن حاجة البلد من الشهادات العليا كان يجب أن يتم بالتنسيق بين وزارة التخطيط ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي لمعرفة الاحتياجات والاختصاصات اللازمة لكل وزارة قبل أن يفتح باب الحصول على هذه الشهادات العليا بهذه الكثرة الغير معقولة والغير مبررة.

إن فتح باب الزمالات والبعثات الدراسية التي ترسلها الحكومة الى خارج العراق دون أن يكون هناك تخطيط دقيق لذلك يثير الكثير من التساؤلات حول الإجراءات الحكومية لمعالجة هذا الموضوع طوال الفترة الماضية ؟، علماً بأن رئيس الوزراء “محمد شياع السوداني” زاد الطين بلة عندما أطلق الاستراتيجية الوطنية للتربية والتعليم والتي تمتد من عام2023الى عام2031، والتي تتضمن ابتعاث طلاب للدراسة خارج العراق بمختلف الاختصاصات والمجالات، وقد أعلن عن بدء اجراءات أرسال (5) آلاف مبتعث عراقي الى جامعات خارج البلاد وصفت بالرصينة للحصول على شهادتي الدكتوراه والماجستير، مما يعني الاستمرار بالسياسات الخاطئة، حيث يقول مسؤول في وزارة التعليم العالي بأن “العراق يسجل سنوياً نحو (50) ألف شهادة عليا ما بين دكتوراه وماجيستير، ولك أن تتصور عدد الشهادات العليا في العراق من عام 2003 والى عام 2023.

لقد أثارت فضيحة بيع (27) ألف شهادة عليا (دكتوراه وماجستير) من قبل جامعات لبنانية الجدل والشكوك حول صحة ومصداقية هذه الشهادات والرسائل والاطروحات و رصانتها العلمية، حيث تم الحصول على هذه الشهادات مقابل مبالغ مادية، الأمر الذي دفع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الى إلغاء الاعتراف ببعض هذه الجامعات الاهلية لعدم التزامها بمعايير الرصانة العلمية، وهي متهمة بتهديم التعليم وتحويل الدراسة في هذه الجامعات الى سلعة استهلاكية هدفها الربح المادي، كما قامت الوزارة بحذف (27) جامعة إيرانية من قائمة الجامعات المعترف بشهادتها في العراق، وكذلك تعليق الدراسة بثلاث جامعات لبنانية، بعد أن تحولت هذه الجامعات الاهلية لبؤرة فساد هدفها الربح المالي.

لقد أصبح وظيفة هذه الجامعات استلام الاموال مقابل بيع الشهادات بغض النظر عن الرصانة العلمية، حيث تشير المعلومات الى قيام قسم واحد بأحد الكليات في جامعة لبنانية بمنح (1500) شهادة عليا بسنة واحدة لطلاب عراقيين، علماً بأن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي كشفت في أيار الماضي “إن عدد الطلبة العراقيين الدارسين خارج العراق حالياً حوالي (100) ألف طالب على صعيد الدراسات الاولية والعليا”، بينما قال وزير التعليم العالي “نعيم العبودي” في أذار الماضي “إن عدد الطلبة العراقيين الدارسين في إيران يبلغ(75)ألف طالب بمختلف جامعاتها!، وطالب “العبودي” نظيره الايراني بزيادة استيعاب قبول الطلاب العراقيين لديها لأن العبودي يرى بأن هذه الأعداد غير كفاية!، ولكن يبدو بأنها التبعية والمحسوبية.

 لم تكن الإجراءات التي اتخذتها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي كافية لمعالجة هذه المشكلة، لأن المصيبة لا تزال تداعياتها قائمة والكثير من أصحاب الشهادات المزورة والغير رصينة أصبحوا يحكمون في دوائر ومؤسسات الدولة المهمة والحيوية، بحيث لا توجد وزارة ألا وفيها الاف من الشهادات المزورة، وهناك الكثير من السياسيين بل آلاف من الطلاب الذين حصلوا على شهادات مزورة من جامعات أهلية مقابل مبالغ نقدية لا زالوا يعملون بدوائر ومؤسسات الدولة المختلفة كمدراء عامين، ووكلاء وزارات، وأعضاء هيئات مستقلة، وعاملون في سفارات، ولعل من أبرزهم رئيس مجلس القضاء الاعلى “فائق زيدان” والأمين العام لمجلس الوزراء “حميد العزي” الذين حصلوا على شهادة الدكتوراه من الجامعة الاسلامية في لبنان وغيرهم الكثير، لا سيما وإن هناك جامعات في إيران ولبنان تملكها شخصيات سياسية ونواب سابقين متورطة بهذا التزوير!، كما إن هناك سوق في طهران أسمه “كوجة مروي” مختص بالتزوير وهو معروف لدى الطلبة العراقيين هناك وبإمكانك الحصول على الوثائق المطلوبة لقاء مبالغ مالية.

الغريب بأن هذا الفساد والتخريب يجري في مؤسسات الدولة على مرأى ومسمع من جميع المؤسسات ذات العلاقة!، ولكن لم يتخذ أيً منها أجراء قانوني بحق المزورين!، بل لم يحاسب أحد على تزويره وتحايله على القانون، بسبب تراخي القضاء العراقي، وصمت الحكومة بجميع مؤسساتها الرقابية على هذا التزوير الذي يعد جريمة وخيانة كبرى لا يمكن تجاوزها أو غض النظر عنها مهما كانت الاسباب والدوافع السياسية والطائفية في ذلك، بل “إن مجلس النواب العراقي حاول مراراً التغطية على هذه الظاهرة من خلال شمول مزوري الشهادات الاكاديمية بقانون العفو العام”، بل “أنه أصدر قانوناً عام2020 يتيح للمزورين معادلة الشهادات التي حصلوا عليها والتغطية على تزوير شهاداتهم العليا!”، علماً بأن قانون العفو الذي صدر في عام2016، شمل جرائم التزوير، لذا فهم يعملون على شرعنة التزوير وحماية المزورين!، لذا نجد لا أحد يتكلم عن هذه الشهادات التي وجدت طريقها الى دوائر ومؤسسات ووزارات الدولة كموظفين، وأساتذة في الجامعات العراقية مما زاد من مواطن الخلل فيها، لذا لا نجد هناك أي قرارات قانونية تعالج المشكلة بأثر رجعي، بل أن دوائر المراقبة والمحاسبة غابت بشكل كامل تقريباً عن هذه الشهادات المزورة .

لقد كان يجب أن تخضع عملية التقديم الى الشهادات العليا الى معايير وشروط معينة تتعلق بالعمر، والدرجة الوظيفية، وسنوات الخدمة، والبحوث التي قدمها الطالب، والحاجة الى التخصصات حسب احتياجات الوزارات ودوائر الدولة، والسؤال المهم ما قيمة هذا الركام الكبير من الشهادات العليا في بلد متخلف على جميع المستويات والقطاعات؟، وما هو دور هذه الشهادات في التنمية والتطوير، وأين ستعمل هذه الشهادات بعد تخرجها؟، وأية مؤسسات ودوائر في الدولة تستوعب هذا العدد الكبير من الشهادات؟، بحيث فقدت الدولة السيطرة على نظام الابتعاث والزمالات، بعد أن فشلت في إصدار قوانين تنظيم هذه القضية حسب النوع، والاختصاص، والاحتياج، والرصانة العلمية، وشروط المعادلة.

كان يجب على الدولة ومؤسساتها العلمية التربوية والقانونية أن تعمل على عدم فسح المجال أمام الشهادات المزيفة للحصول على مناصب عليا بمؤهلات زائفة، لأن ذلك سيؤدي الى تردي مؤسسات الدولة وفسادها وتخريبها وانهيارها، خصوصاً وإن كانت الكثير من هذه الشهادات على نسق رسالة الماجستير في كلية الآداب جامعة البصرة، الموسومة بعنوان “صناعة الحلويات والمعجنات في محافظة كربلاء المقدسة” دراسة في جغرافية الصناعة!!!، وهذا يثير تساؤلات عن قيمة الدراسات والبحوث التي قدمت للحصول على هذه الشهادات؟، وما مدى نفعها ومصداقيتها؟، ولماذا الإصرار على فتح تخصصات التي لا تجدي نفعاً؟، ولماذا يتم فتح المجال للحصول على شهادات عليا في بلد يعاني من فوضى أمنية وسياسية واقتصادية وفساد يضرب جميع مفاصل الدولة العراقية، الأمر الذي سيثقل كاهل الدولة العراقية في المستقبل لكثرة الشهادات وقل المناصب والشواغر في دوائر الدولة، كما إن هذه الشهادات تتطلب ميزانيات مالية ترهق ميزانية الدولة فيما يخص الرواتب والمخصصات.