المقدمة:
يرتبط العرق وتركيا بعلاقات وثيقة تتميز بعمقها التاريخي الذي يرجع الى حقبة الدولة العثمانية وسيطرتها على العراق الأمر الذي ترك موروثاً ثرياً في العلاقة بين البلدين، حيث يرتبط الشعب التركي مع الشعب العراقي بروابط مشتركة كثيرة، منها رابطة الدين، والثقافة، والاقتصاد، والعرق، حيث التداخل في القومية الكردية والتركمانية والتي تدخل في طبيعة التركيبة السكانية لكلا البلدين، بالإضافة الى الموقع الجغرافي، والقواسم المشتركة ومنها القضية الكردية، ووجود الاقلية التركمانية في العراق، وقضية المياه، والملف الاقتصادي، والتبادل التجاري، وملف النفط والطاقة والاستثمار التي تجعل العلاقة بين البلدين أمر لا بد منه أنطلاقاً من مصلحتهما المشتركة، خاصةً وان البلدين تربطهما حدود برية مشتركة يصل طولها الى أكثر من(367)كم، ناهيك عن الملف الأمني وعقد الكثير من الاتفاقيات الاستراتيجية السياسية والاقتصادية والأمنية المبرمة بين البلدين.

إن من يراقب السياسية التركية في ثمانينات وتسعينيات القرن الماضي يجد بأن تركيا توجهت نحو الغرب، الأمر الذي كان فيه تجاهل كبير لحقائق التاريخ والجغرافي خصوصاً وأنها اهملت العلاقات مع دول الشرق أي المنطقة العربية والافريقية واتجهت نحو الدائرة الغربية، وهذا ما جعل حزب العدالة والتنمية ينتبه الى ذلك ويعمل على إعادة ترتيب الأوراق بعد فوزه في الانتخابات عام2002، لأنه قيادته أدركت بأن الانضمام الى الاتحاد الاوروبي أمر لا يمكن الوصول إليه بسهولة، بسبب وجود الكثير من العراقيل وتعنت بعض من الدول الاوروبية في ذلك، خصوصاً وإن المتغيرات الكبيرة التي طرأت على المشهد الإقليمي بعد احتلال العراق عام 2003، خلقت واقعاً إقليمياً جديداً في المنطقة ساهم في تغيرات على الساحة الاقليمية والدولية بما فيها وجود إقليم كردستان العراق، وهذا ما جعل حكومة السيد “رجب طيب أردوغان” تعمل على أتباع سياسة متأنية وهادفة ومتزنة باستخدام “القوة الناعمة”، والانفتاح السياسي، والاقتصادي، والاستثماري، من خلال تحسين علاقاتها مع دول المنطقة وخاصة البلدان المجاورة عبر الوسائل الدبلوماسية والاقتصادية،وعدم التدخل في الشؤون السياسية والابتعاد عن الصراعات الداخلية للحفاظ على علاقات مستقرة وسلمية.

في عام 2009 انتهجت تركيا سياسة “صفر مشاكل” وخاصة مع دول الجوار، كما عملت على تقديم نفسها كنموذج للديمقراطية، والتقدم الاقتصادي عبر دعم الحريات والحقوق وخاصة بعد ثورات الربيع العربي عام  2011، وما خلفه هذا الربيع من تداعيات خطيرة على المنطقة، بعد أن تحولت المظاهرات الى صراع مسلح بسبب استخدام مقاربة القوة في إنهائها من قبل الانظمة الحاكمة، ثم جاءت محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة عام2016، لتتجه تركيا نحو سياسية صلبة وقوية في استعادة دورها الإقليمي بعد أن سيطرت السياسة على العسكر، حيث تم استخدام القوة العسكرية لمواجهة ملفات ساخنة أصبحت تهدد الأمن القومي التركي، مما أدى الى مواجهات وخلافات مع الكثير من دول المنطقة وخاصةً العربية منها، ولكنها ما لبثت أن عادت السياسية الخارجية التركية نحو ترطيب العلاقات وتسوية الخلافات ببراجماتية عالية، ثم جاء فوز العدالة والتنمية بالانتخابات البرلمانية والرئاسية لعام2023، لتبدأ مرحلة جديدة استمراراً لما سبق وإكمالاً لمشروع حزب العدالة والتنمية، خصوصاً وأنها ستطلق يد الرئيس التركي “أردوغان” مرة أخرى في اتخاذ قرارات مهمة، لوجود تناسق في الرؤى والسياسات بين مؤسسات الدولة، وخاصةً بين الرئاسة والبرلمان دون تقييد أو تحجيم، بما يتلائم مع الاهداف الجديدة لتركيا بما فيها مراعاة المتغيرات الاقليمية والدولية.

السياسية التركية ومعادلات القوة الاقليمية والدولية:
لقد عادت تركيا مرة أخرى الى معادلات القوة الاقليمية والدولية في المنطقة بعد غياب طويل، بعد أن انتهجت سياسية خارجية متدرجة ومتعددة الأبعاد والاتجاهات، وبنفس الوقت كانت جريئة ووازنة وصاعدة، جعلت منها دولة رائدة ومؤثرة في توازن القوى على المستوى الإقليمي والدولي، على الرغم من إن هذه التوازنات كانت صعبة ومعقدة الأ أنها أكسبتها مكانة استراتيجية كبيرة جعلت منها بيضة القبان في الكثير من قضايا وملفات المنطقة، خاصةً بعد أطلقت تركيا في عام2009سياسة” صفر مشاكل” لتصفير الخلافات السياسية مع الدول وخاصةً المجاورة منها، حيث لعبت تركيا دوراً كبيراً وبارزاً في أزمات وقضايا المنطقة الاقليمية والدولية الساخنة، خاصةً بعد ثورات الربيع العربي وما تلاها من أحداث بأعتبارها دولة مركزية ومحورية بسبب موقعها الجغرافي والاستراتيجي المسيطر على أهم الممرات الدولية وطرق التجارة العالمية، الأمر الذي مكنها من التأثير بشكل كبير على المصالح الاقليمية والدولية والتوازن العالمي، خصوصاً وأنها تعتبر الآن لاعباً أساسياً في العراق وسوريا وليبيا وقطر والصومال وأذر بيجان والحرب الروسية-الأوكرانية، ناهيك عن حضورها اللافت في القضية الفلسطينية، لذا فهي دولة اقليمية لا يمكن تجاوزها أو تجاهلها في ترتيبات المنطقة خصوصاً وأنها نجحت في توظيف المتغيرات الاقليمية والدولية للظهور كقوة إقليمية لها وزنها، وهذا ما أثبته التجربة والواقع، وهي تقوم بعملية تموضع جديدة تتناسب مع تعريف دورها الاقليمي والدولي، وانسجاماً مع دورها التاريخي وقدراتها الاقتصادية والعسكرية باعتبارها دولة علمانية ذات توجهات اسلامية.

إن السياسية الخارجية التركية لحزب العدالة والتنمية في السنوات الاخيرة بنيت على العمق الاستراتيجي والسياسية المتعددة الأبعاد، لكون تركيا دولة محورية ومركزية وقوة اقليمية لها ثقلها السياسي والاقتصادي والعسكري وليس من دول الأطراف، لذا نرى بأن هناك أهتماماً كبيراً بالمنطقة أو الدائرة العربية في السنوات الأخيرة بعد أن كانت مقتصرة على الدائرة الغربية، وهذا ما جعلها تتوسع الى دوائر أخرى لها ارتباطات قومية ودينية وثقافية وجغرافية مع تركيا ومنها دول الدائرة القوقازية، وهذا ما يجعلها دولة محورية ولاعباً مهماً على المستوى الإقليمي والدولي، لأن التغيير الذي حصل في البيئتين الاقليمية والدولية أتاح لتركيا فرصة ثمينة لاستعادة دورها في المنطقة، وخاصةً عمقها العربي، في وقت كانت تعاني فيه الدول العربية من مآزق داخلية تتمثل بتداعيات الربيع العربي، وأزمة كورنا، وتداعيات الحرب الروسية-الاوكرانية، وفقدان شعبية الأنظمة الحاكمة، في ظل تصاعد الدور الإيراني الخطير الذي عمل على تقويض الأمن والاستقرار في دول المنطقة، مما يدفع الجميع الى البحث عن توازنات وتحالفات للتوازن القوى في المنطقة، في ظل وجود فراغ وضعف في هيكلية النظام العربي الحاكم، والذي فشل في مواجهة نفوذ القوى الاقليمية وخاصةً إيران.

لقد اتسمت السياسة التركية في الفترة الماضية بالقوة، حيث استعرضت تركيا قدراتها العسكرية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط وخارجه رغم الأزمات التي تمر بها المنطقة، ومنها ازمة “كوفي 19” التي تجاوزتها بأقل الخسائر، وكذلك قدرتها على مساعدة الكثير من الدول في العالم وخاصةً الفقيرة منها، كما أنها تدخلت عسكرياً في سوريا لمحاربة الارهاب، ومطاردة حزب العمال الكردستاني، واستطاعت تنفيذ العديد من العمليات العسكرية مثل (نبع السلام، درع الفرات، غصن الزيتون، المخلب السيف)التي تمخض عنها السيطرة على مناطق كثيرة في سوريا والعراق لمنع قوات قسد الديمقراطية من السيطرة على الشريط الحدودي، وقطع التواصل الجغرافي بين المناطق الكردية في سوريا، وكذلك لمنع مقاتلي حزب العمال الكردستاني من التواجد العسكري على الأراضي العراقية، حيث كان هناك قصف جوي وتوغل بري عسكري الى الداخل العراقي، وكذلك هناك تدخل عسكري تركي في ليبيا، وقاعدة عسكرية تركية في قطر، والصومال.

إن السياسية الخارجية التركية شهدت في بعض فتراتها علاقات مضطربة ومواجهات ساخنة وتوترات كبيرة في العلاقات مع اسرائيل، ومصر، والامارات، والسعودية على خلفية مقتل جمال خاشقجي، ومحاولة الانقلاب ضد قطر، بالإضافة الى التصعيد ضد اليونان، وقبرص، ولكنها سرعان ما عادت الى ترميم علاقاتها الخارجية مع تل أبيب، والدول الخليجية، حيث تمت مصالحات ولقاءات وفتحت قنوات للحوار وكسر الجليد بين تركيا وبين الكثير من الدول العربية، بما فيها مصر والسعودية التي وافقت على أيداع خمسة مليار دولار قبل الانتخابات التركية، وكذلك تمت المصالحة مع الامارات، كما عادت العلاقات الاقتصادية والتبادل التجاري مع هذه الدول، وجميع هذه المصالحات ساعدت على تهدئة الأوضاع في ليبيا، ودفعت تركيا لتكون جزءً من واقع مقبول في منطقة مضطربة، وخاصة وإن دول الخليج العربي تفضل العمل والاستمرارية على التغيير، خصوصاً بعد إن أصبحت تركيا كانت أكثر حضورا في النظام الاقليمي والدولي، بعد أن انتهجت سياسة الحياد في الحرب الروسية الاوكرانية مما أسهم في تعزيز مكانة تركيا لدى الاطراف الدولية سواء موسكو والدول الغربية، كما أنها منحتها سياسية أكثر استقلالية عن توجهات وسياسات حلف الناتو، وهذا ما جعلنا تنجح في الوساطة بين كييف وموسكو فيما يخص اتفاق الحبوب بشأن تبادل الاسرى.