أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

مدخل:

كان لقيام الحرب العالمية الثانية أثر سلبي على نمو وتطور اقتصاديات معظم دول العالم، إذ أجبرت ظروف وتطورات الحرب الدول المتحاربة على إنفاق أموال طائلة لخدمة أغراض المجهود الحربي وتكييف صناعتها وتجارتها للأغراض العسكرية فعملت إلى تحويل مصانعها الإنتاجية السلمية إلى مصانع عسكرية تنتج الآلات الحربية وقطع الغيار وأثر ذلك بطبيعة الحال في انتاج تلك الدول من المنتوجات القطنية والصوفية والآلات الزراعية والبضائع الاستهلاكية، كما عملت ظروف الحرب على ارباك حركة المواصلات الدولية واشتداد المخاطر البحرية وارتفاع أجور النقل التجاري وكذلك ارتفاع أجور التأمين البحري على السفن التجارية، على أثرها اضطربت حركة الاستيراد والصادرات بين الدول الصناعية وبين الدول المستهلكة وارتفعت معظم أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية والكمالية نتيجة ازدياد الطلب لأغراض الاستهلاك والخزن، كما أدت الحرب إلى نقص كبير في الإنتاج الزراعي والصناعي العالمي، فاضطرت الدول المتحاربة إلى تخصيص إنتاجها المخصص للتصدير لأغراض الاستهلاك المحلي بسبب النقص الكبير في الإنتاج، كما حصل نقص كبير في الأيدي العاملة والأراضي الزراعية، فعلى سبيل المثال لا الحصر، واجهت بريطانيا نقصاً كبيراً في عدد الفلاحين ونقص مماثل في الأراضي الزراعية وصل إلى النصف، نتيجة التحاق معظم الشباب بالخدمة العسكرية، وتحويل الأراضي إلى مناطق عسكرية، كما أصبحت معظم مناطق شرق آسيا والشرق الأوسط بمثابة مستودعات زراعية لخدمة المجهود الحربي للأطراف المتحاربة، فأدى ذلك إلى شحة المنتوجات الزراعية وخاصة الغذائية منها الحنطة والشعير والرز، كما أوجدت الحرب صعوبة في التحويل النقدي بسبب القيود التي فرضتها أقطار عديدة على تحويل العملة.

أوضاع العراق الاقتصادية والاجتماعية قبيل الحرب العالمية الثانية:

طرأت أحداث سياسية واقتصادية واجتماعية على الواقع العراقي لابد من إلقاء نظرة سريعة عليها قبل التطرق إلى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

بعد تحرر العراق من الانتداب البريطاني في الثالث من تشرين الأول عام ١٠٣٢م – أي قبل ما يقارب 90 عاماً – وأصبح عضواً في عصبة الأمم (هيئة الأمم المتحدة فيما بعد) كان ذلك مقابل اعتراف وإقرار العراق على الاعتراف بكافة المعاهدات التي عقدتها بريطانيا باسمه، وبكافة الالتزامات المالية وحقوق الشركات الأجنبية، مما هيأ لبريطانيا إمكانيات واسعة للتدخل في الحياة السياسية للعراق.

اتسم عقد الثلاثينات بضعف الإدارة خاصة بعد وفاة الملك فيصل الأول، إذ أحدثت وفاته فراغاً سياسياً مما نتج عنه ظهور حركات عشائرية، منها: حركة الشيخ خوام (١٩٣٥م) وبني ركاب (١٩٣٦م) والرميثة في نيسان (١٩٣٦م) وأدت هذه الحركات العشائرية ومقاومة السلطة إلى انصراف عدد كبير من الفلاحين عن الزراعة، مما أدى إلى ضعف الإنتاج الزراعي، كما أن توجه الحكومة نحو القضاء على هذه الحركات بالقوة أدى إلى تخصيص مبالغ مالية كبيرة من ميزانية الدولة لتجهيز القوات المسلحة، وعلى ما يبدو أن هذا الوضع أدى إلى تدهور الوضع الاقتصادي أكثر فأكثر وإهمال الكثير من المشاريع الاقتصادية.

كما أدى عدم استقرار الوضع الاقتصادي، وتعاقب وزارات متعددة على سدة الحكم إلى عدم ثبات التخطيط الاقتصادي، فكانت كل وزارة جديدة تقوم بإلغاء البرامج الاقتصادية لسابقتها وتحاول أن تبني سياسة جديدة، لذا كان من الطبيعي أن يتردى الوضع الاقتصادي سلباً بتردي الأوضاع السياسية واضطراب الأمن.

واقع الاقتصاد العراقي قبيل الحرب العالمية الثانية:

ساهم اكتشاف النفط عام ١٩٢٧م وتسويقه تجارياً عام ١٩٣٤م في زيادة واردات العراق، إلا أن العراق لم يستفد من أموال النفط بسبب الامتيازات النفطية الممنوحة للشركات الأجنبية، فضلاً عن التخبط وانعدام التخطيط في صرف هذه الأموال بالإضافة إلى عدم استغلال عائدات النفط واستثمارها بالشكل الأمثل لتنمية الاقتصاد العراقي بما يحقق الطموح.

الصناعة:

اعتمد الاقتصاد العراقي على الزراعة بشكل رئيسي، لذلك لم تقم في العراق صناعة متطورة ومعامل حديثة وبقي القطاع الصناعي يتمثل بوجود الحرف والصناعات اليدوية الموروثة، مما اضطر العراق إلى استيراد معظم حاجاته من البضائع الاستهلاكية والإنتاجية المصنعة من الخارج، وشهدت الصناعة نمواً بطيئاً في هذه الفترة، لأن الدولة لم تول اهتماماً يذكر لهذا القطاع.

أما قطاع الصناعات التحويلية فقد شهد تحسناً في هذه الفترة، وأخذت تعتمد على تحويل بعض المنتجات المحلية كالتبغ والحبوب والقطن، بالإضافة إلى ذلك شهدت هذه الفترة ظهور صناعات أخرى كصناعة الكبريت والدباغة والطباعة.

ويلحظ أن النمو في التصنيع اقتصر على قطاعين الأول هو قطاع المواد الانشائية كالطابوق التي أصبحت معامله حتى سنة (١٩٣٩م) تصل إلى (١٣) معملاً إلا أن هذا القطاع واجه عقبات مالية وسياسية، وزاد الطين بلة قيام الحرب العالمية الثانية، كذلك تم تأسيس شركة الدخان الأهلية عام ١٩٣٦م.

أما القطاع الثاني الذي شهد تحسناً في هذه الفترة فهو قطاع الصناعات التحويلية التي تعتمد على تحويل بعض المنتوجات المحلية كالتبغ والقطن والحبوب، ومن المفيد بالإشارة إلى ان الحكومة ساهمت في تطوير الصناعة فاتخذت عدداً من الإجراءات منها إنشاء المصرف – الزراعي – الصناعي – برأسمال نصف مليون دينار الذي ساهم في إنعاش الصناعة في الفترة ما بين (١٩٣٦ – ١٩٤٠م) بتقديمه القروض لأصحاب المشاريع الصناعية وتسهيل استيراد المواد الأولية لتوسيع مصانعهم.

التجـارة:

تطورت تجارة الاستيراد خلال هذه الفترة نتيجة تطور علاقة العراق التجارية بالدول الأخرى، ولعل أهم تطور طرأ على تجارة الاستيراد خلال فترة الثلاثينات هو ازدياد قيمة المستورد من اليابان، إذ أصبحت تحتل المرتبة الثانية للدول المصدرة للعراق، حيث بقيت الهيمنة في مقامها الأول باعتبارها أهم دولة مستورد منها.

وشهدت التجارة العراقية تحسناً ملحوظاً لاسيما بعد تطبيق قاعدة الاستيراد النسبي (هو تحديد قيمة ما يمكن استيراده من اليابان وبين ما يمكن تصديره لها)، وقد بدأ تطبيق هذه القاعدة منذ أواسط عام ١٩٣٦م، وكان الغرض منها إصلاح الميزان التجاري، وإيقاف زحف التجارة اليابانية واكتساحها السوق وبالأخص الأقمشة، وسرعة تلبية الصناعات اليابانية للطلبات كلما ترد إليها ولسهولة الدفع بسبب نظام العملة العراقية القائمة على أساس الصرف بالباوند الإسترليني.

كانت واردات العراق تصل إلى (٣٠,٣٤٪) من بريطانيا من مجموع قيمة الاستيراد، والهند (١١,٥٢٪) وأمريكا (٥,٧٨٪)، فألمانيا (٥,٠٩٪) فبلجيكا (٤,٧٩٪) فإيطاليا (٣,١٢٪).

وشهدت التجارة انتعاشاً، إذ أخذ بعض التحسن يطرأ على أسعار المنتوجات الزراعية والصناعية وعلى حركة تصديرها إلى الخارج، وأخذت الأوضاع الاقتصادية بالتحسن تدريجياً مطلع عام ١٩٣٣م، وازدادت تجارة العراق الخارجية، إثر استيراد شركة النفط الأجنبية للمعدات والآلات، فأدى ذلك إلى ارتفاع دخل الفرد العراقي عن طريق التوسع في نفقات المصالح الحكومية والمشاريع العامة حتى أصبحت إيرادات شركة النفط من أهم ما استجد في تاريخ العراق الحديث.

أما التصدير فقد ازدهر إثر تزايد دخل الفرد العراقي وميزانية الدولة وازدياد الطلب على المواد الأولية والغذائية الحيوانية والكمالية، وفي السياق نفسه شهدت تجارة الترانزيت عبر العراق نشاطاً كبيراً.

وعلى الرغم من ذلك بدأ تدهور الوضع الاقتصادي في العراق وتفاقمه إبان فترة الحرب العالمية الثانية بسبب السياسة التي اتبعتها بريطانيا كسبب رئيسي لتدهور الأوضاع، إذ عمدت بريطانيا إلى استغلال الأراضي الزراعية والمياه لإقامة مزارع خاصة لها، كما قامت باستغلال الفلاحين للعمل في مزارعها مما أدى إلى انخفاض مستوى الإنتاج الزراعي العراقي، كذلك تسببت بريطانيا من خلال استغلالها البشع للموارد الاقتصادية في إلحاق الكثير من الأضرار للأراضي الزراعية وللفلاحين في آن واحد، فعلى سبيل المثال، أسست الحكومة العراقية جمعية التمور عام ١٩٣٩م، وهي تمثل اتحاد منتجي التمور، وعند اندلاع الحرب العالمية الثانية وقعت بريطانيا مع جمعية التمور عقدا تعهدت به أن تشتري التمور من المنتجين بأسعار محدودة وزهيدة ومنع منح أي إجازة لتصدير التمور وبذلك أصبحت (شركة اندرووير) هي المحتكرة لتصدير تمور العراق، الأمر الذي جعلها تجني الأرباح الناجمة عن تضخم الطلب على التمور.

ولم تكتف بريطانيا باستغلال موارد العراق لخدمة قواتها في الداخل فحسب، بل استغلتها لتمويل حلفائها في الخارج.

كما استغلت القوات البريطانية معظم الأيدي العاملة الماهرة في معاملها العسكرية، كما قامت بتسخير إمكانيات مديرية الأشغال العاملة لخدمة مجهودها الحربي، فقامت بإنشاء خطوط المواصلات، مما كان له تأثير سيء في تطور الصناعة العراقية.

تدهور الوضع الاقتصادي أكثر بعد دخول اليابان والولايات المتحدة الحرب في كانون الأول ١٩٤١م مما أدى إلى ارتفاع أسعار المواد ارتفاعاً كبيراً، وذلك لانقطاع العلاقات التجارية بين اليابان والعراق وانسحاب اسطولها التجاري من المحيط الهندي فانقطعت معظم المواصلات بين الشرق والغرب، وأصبحت القوافل التجارية معرضة للهجوم، فضلا عن اتجاه الدول إلى تقليص الإنتاج المدني لانشغالها بالإنتاج الحربي، إضافة إلى ما تقدم قامت بريطانيا باستغلال جميع مفاصل الحياة الاقتصادية في العراق، وسخرتها لخدمة مجهودها الحربي فاستغلت الطرق وسكك الحديد وميناء البصرة وكذلك المرافق الصحية والثقافية كدوائر التعليم والمستشفيات وحتى المؤسسات العسكرية في العراق.

من المشاكل التي واجهها العراق مشكلة الأرصدة النقدية التي تراكمت خلال الحرب العالمية الثانية، نتيجة قيام السلطات العسكرية البريطانية بتمويل نفقاتها العسكرية عن طريق إصدار أموال مالية حكومية بريطانية باعتها إلى لجنة العملة العراقية في لندن مقابل إصدار الأخيرة دنانير عراقية، وهكذا استطاعت بريطانيا تمويل الحرب عن طريق الأقطار السائرة في ركابها كالعراق، وقد بلغت الأرصدة حتى سنة ١٩٤٥م، سبعين مليوناً من الجنيهات الإسترلينية مقارنة بخمسة ملايين جنيه إسترليني سنة ١٩٣٨م.

بدأت آثار الحرب العالمية الثانية تظهر بشكل جدي وخطير بعد وصول القوات البريطانية ودخولها إلى العراق.

إثر إخفاق ثورة مايس ١٩٤١م، اشتدت الأزمة الاقتصادية وتفاقمت آثارها بشكل كبير، كما أن اتساع نطاق المعارك قد ساهم في تفاقم آثار الأزمة الاقتصادية واشتداد وطأتها على الاقتصاد العراقي، لا سيما بعد أن قررت السلطات البريطانية تجهيز قواتها محلياً لصعوبة الاستيراد من الخارج.

كانت لوسائل النقل لدى الحلفاء دور كبير في تلبية الحاجات العسكرية ولعدم وجود وسائل نقل يملكها العراق يمكن أن تساعد في استيراد البضائع، اضطربت الأسواق إذ شحت البضائع والسلع وارتفعت أسعارها، كما بدأت نفقات الدولة تتضخم تضخماً مضطرداً، الأمر الذي أضر بالاقتصاد العراقي كثيراً، نتج عن ذلك تدهور القوة الشرائية للدينار العراقي، حتى بلغت القوة الشرائية له في بعض السنين سدس ما كانت عليه عام ١٩٣٩م.

هل اتخذت الحكومة العراقية إجراءات بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية، وما هو موقف بريطانيا وخصوصاً سياستها المتبعة في مركز تموين الشرق الأوسط؟ – هذا ما سنتطرق إليه في الحلقة القادمة –

المصادر والمراجع المعتمدة:

١ – حسين عمر، اقتصاديات الحروب، (القاهرة، ١٩٥٦م).

٢ – عبد العزيز نوار، التاريخ المعاصر لأوربا، (القاهرة، ١٩٨٢م).

٣ – جعفر عباس حميدي، تاريخ العراق المعاصر (١٩١٤ – ١٩٦٨م)، (بغداد، ٢٠١٥).

٤ – مجيد خدوري، تحرر العراق من الانتداب، (بغداد، ١٩٣٥م).

٥ – عبد الرزاق الحسني، تاريخ العراق السياسي الحديث، ج٣ ، (بيروت، ١٩٨٣م).

٦ – نوري خليل البرازي، الصناعة ومشاريع التصنيع في العراق، (بغداد، ١٩٦٧م).

٧ – محمد سلمان حسن، التطور الاقتصادي في العراق (١٨٦٤ – ١٩٥٨م)، ج١ ، (بيروت، ١٩٧٣).

٨ – عبد الرحمن الجليلي، محاضرات في اقتصاديات العراق، (الجامعة العربية، معهد الدراسات العربية، ١٩٥٥م).

مقال خاص براسام