إن الأستنزاف العسكري والأقتصادي الكبير الذي تعرضت له القوات الأمريكية نتيجة الحروب العبثية التي خاضتها في المنطقة وحصراً في العراق وأفغانستان جعلها مستنزفة وكما قال “جو بايدن” إن “أمريكا تنزف” وهذا ما جعل أدارته تتبنى أستراتيجية جديدة تتضمن وقف هذا الأستنزاف ومواجهة النفوذ الصين، الأمر الذي أجبرها على الأنسحاب من أفغانستان تاركةً ترسانة عسكرية كبيرة بما فيها الطائرات والتقنيات الحديثة التي تكفي لبناء وتشكيل جيش كامل، وكأنها تريد إن تقول: بأن المصالح الأمريكية تقتضي إن نفعل هذا مع المسلمين في هذه الفترة، وفي تقديري هي تسعى لكسبهم وأستخدامهم مرة أخرى للوقوف بوجه النفوذ الصيني المتزايد بالمنطقة، وها هي تقبل بعودة حكومة طالبان لحكم أفغانستان كخط صد عقائدي كبير أمام النفوذ الصيني-الروسي-الإيراني، وبنفس الوقت هي رسالة للدول الإسلامية تقول بأن معادلة الصراع العالمي وأولوياته قد تغيرت نحو الصين لتصبح هي العدو الأول لنا، وقد صرح الرئيس الأمريكي جو بايدن حول هذا الأمر قائلاً: “إن قرارنا الخاص بأفغانستان لا يتعلق بأفغانستان فقط، فالأمر يتعلق بإنهاء حقبة من العمليات العسكرية الكبرى لإعادة تشكيل البلدان الأخرى”، وهنا نقول قد يتصالح بايدن مع الأنظمة العربية الحاكمة ولكن مع الشعوب الأسلامية فلا أعتقد ذلك سيكون مقبولاً على المدى القريب، لفقدان الثقة بالولايات المتحدة الأمريكية مما يجعلنا نقول كيف ستتعامل الأخيرة مع الشعوب الأسلامية والعربية خاصةً لكسبهم في معركتها القادمة سواءً مع الصين أو مع روسيا، كما أننا نسأل هل لو كان ذلك على حساب الأنظمة الحاكمة؟، التي بدأت تتخلى عنهم.
لا شك بأننا نعيش في مرحلة حاسمة تشهد تغيرات وتحولات وتطورات كبيرة التي أدت الى أنهيار وتداعي الكثير من مرتكزات النظام الدولي الذي قادته الولايات المتحدة الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية والى يومنا هذا الذي يشهد فيه تصدعاً كبيراً في العلاقات الدولية، ومن أهم المتغيرات الدولية هو الحرب الروسية- الأوكرانية، والصعود الصيني المهدد لعرى النظام الدولي، والذي يقابله تراجع أمريكي كبير وواضح وخاصة في منطقة الشرق الأوسط، الذي تراجعت أهميته بعد أن تغيرت الأولويات، والتهديدات، والتحديات نحو منطقة المحيطين الهادئ والهندي، كما إن هناك تطورات كثيرة طرأت بعد تفشي فيروس كوفيد-19والذي ينبأ بأن العالم ما بعد كورونا لن يكون كما كان قبلها بسبب الخلل الكبير في المؤسسات الإقليمية والدولية، والتي أدت الى تراجع الكثير من الدول التي تضررت بشكل كبير، مما يعني أننا قد نكون أمام مرحلة مفصلية في العلاقات الدولية لأستشراف عالم جديد متعدد الأقطاب، كما إن العلاقات الأوروبية-الأمريكية التي شهدت أرتباكاً كبيراً في الفترة الماضية وخاصة بعد الأنسحاب الذي جرى من أفغانستان يبدو بأنها قد عادت مرة أخرى للتموضع خلف الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب الروسية-الأوكرانية، ويبدو بأن قبولهم هذا مرغمين عليه بسبب خطورة الموقف و التهديد المباشر لأمن أوروبا، كما إن هذا التطور قد يؤدي الى مراجعات حقيقية فيما يخص حلف الناتو وسياسية الباب المفتوح فيما يخص انضمام دول جديدة للحلف مثل السويد وفنلندة، بعد أن أنتقل الصراع من الحرب على الإرهاب، الى التحدي الأكبر الذي تمثله روسيا وحربها على أوكرانيا، وكذلك الصعود الصيني، خصوصاً بعد الأنسحاب الأمريكي من أفغانستان، لذا فقد يميل النظام العالمي الجديد الى إقامة توازنات عالمية جديدة لبناء عالم متعدد الأقطاب.
السيناريوهات المحتملة:
السيناريو الأول: العودة الى الحرب الباردة : والتي ستأخذ أشكال متعددة بين روسيا والصين وحلفائها من جهة وبين الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها(حلف الناتو)من جهة أخرى وكما يلي :
أولا. تشكيل تحالفات عسكرية مقابلة: لا شك بأن الإعلان عن هذا التحالف الأمني سيطلق أمكانية قيام تحالفات مناهضة له، بل أنه سيدفع كلاً من الصين، وروسيا، وكوريا الشمالية، على التفكير بجدية لتشكيل تحالفات عسكرية لمواجهة هذا التصعيد الأمريكي في المنطقة، خصوصاً وقد صدرت تصريحات بذلك من قبل رئيس كوريا الشمالية الذي قال بأن هذا التحالف سيدفعنا للرد بالمثل من خلال تشكيل تحالفات مشابهة، كما إن هذا تشكيل هذا التحالف ينذر بتصاعد التوتر بين الدول الكبرى وحلفائها وهذا ما صرحت به الصين أيضاً، لذا سيكون هناك سباق محموم فيما يخص التحالفات وهذا ما يجعلنا نفسر تراجع الموقف الأمريكي فيما يخص فرنسا التي سيبقى خيار دعوتها لهذا التحالف والاستقلالية عن واشنطن ولندن قائمة، خصوصاً أذا حصلت تفاهمات أمريكية-فرنسية حول ذلك، وكذلك الدول الأوروبية الأخرى والتي مهما حصل بينها من معوقات ألا أنها في النهاية في تقديري لن تخرج عن الخيار الأمريكي في مواجهة التحديات الروسية-الصينية مهما حاولت أن تبقى بعيدة عن هذا الصراع.
ثانيا. أطلاق سباق تسلح جديد : لاشك بأن سباق التسلح لم ينتهي وهو قائماً على قدم وساق بين واشنطن، وبكين، وموسكو، والهند، حتى وصل الى معدلات غير مسبوقة، بحيث أوشك سباق التسلح على الخروج عن السيطرة حيث وصل الأنفاق العسكري العالمي في عام2019الى(1917) مليار دولار، بينما شهد عام2020زيادة كبيرة وصلت الى(1981)مليار دولار، وتأتي واشنطن على رأس الدول في الأنفاق العسكري الذي وصل الى(778)مليار دولار سنوياً، ولديها (5800)ألف رأس نووي، بينما تنفق الصين ما يقارب(252) مليار دولار سنوياً وهي تزيد من أنفاقها منذ(26)عاماَ، علماً بأن لديها(272)رأس نووي وهي تقوم بتشييد(120)صومعة جديدة للصواريخ النووية، ثم جاءت الهند بالمرتبة الثالثة بأنفاق سنوي يصل الى(73)مليار دولار، ثم حلت روسيا في المرتبة الرابعة بأنفاق(62) مليار دولار، ولديها(6370)ألف راس نووي، وهذا يبين بشكل كبير التنافس المحموم بين الدول الكبرى لضمان تفوقها العسكري والتكنولوجي بما فيها الردع النووي، ثم يأتي بناء وتشكيل هذا التحالف ليزيد من حدة التوتر ويطلق سباق تسلح جديد وبصورة علنية بين الصين وحلفائها من جهة وبين والولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها من جهة أخرى حتى ولو لم يصرحوا بذلك، علماً بأن الصين، وكوريا الشمالية، وإيران، حذرت من هذه الخطوة التصعيدية، وقالت بأن هذا التحالف سيدفع دول نووية مثل الصين وروسيا الى قيامها بتسليح دول أخرى من خارج النادي النووي على غرار الخطوة الأمريكية البريطانية بأتجاه أستراليا والتي جاءت خارج الضوابط والاتفاقيات التي تمنع أنتشار السلاح النووي مما يزيد حدة التوتر بالمنطقة، علماً بأن هذه هي المرة الأولى التي تتشاطر فيها واشنطن هذه التقنيات الحساسة مع دولة أخرى غير بريطانيا منذ عام1958، مما يعني وجود مخاوف حقيقة لدى واشنطن من الصعود الصيني، مما يعني زيادة كبيرة وخطيرة في حدة التوتر بهذه المنطقة الحيوية التي ستؤسس لحرب عالمية قادمة.
ثالثا. تشكيل قوة عسكرية أوروبية مستقلة: تعتبر هذه الخطوة التي أقدمت عليها واشنطن بتشكيل هذا التحالف مع لندن، وكانبيرا، هو تقويض وفقدان للثقة بين واشنطن والاتحاد الأوروبي، كما أنه أضعف حلف الشمال الأطلسي بشكل كبير والذي وصفه الرئيس الفرنسي “ماكرون” قبل سنة بأنه ميت سريرياً، خاصة مع تفرد الولايات المتحدة الأمريكية في اتخاذ القرارات العسكرية دون مشاورات مسبقة مع دول الاتحاد أو حلف الناتو، الأمر الذي قد يدفع دول الاتحاد الأوروبي الى فك الارتباط تدرجياً مع حلف(الناتو)، الذي تراجعت أهميته بعد هذا التحالف بشكل كبير، لأنه أصبح لا يلبي طموحات دول الأتحاد، الأمر الذي يدفعهم للتفكير جدياً في تشكيل قوة أوروبية مستقلة (الجيش الأوروبي) للدفاع عن المصالح الأوروبية الاستراتيجية بعيداً عن واشنطن، وهذا ما يؤكده “جوزيف بوريل” مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي الذي قال:” هذا يدفعنا مرة أخرى إلى التفكير في الحاجة إلى جعل مسألة الحكم الذاتي الاستراتيجي الأوروبي أولوية، وهذا يظهر أننا يجب أن نعيش بمفردنا” مما يجعلنا نقول بأننا قد نتجه الى عالم متعدد الأقطاب والتحالفات، بسياسات جديدة قد تتقاطع مع واشنطن في الكثير من الملفات، و لكن في تقديري لن تبتعد الدول الأوروبية عن الموقف الأمريكي كثيراً حتى لو تم تشكيل هذه القوة.

