الباحث : حسين صالح السبعاوي
تقع مدينة ديالى شرق العراق على الحدود مع إيران وتبعد ٥٧ كم عن العاصمة بغداد، تحدها ٤ محافظات هي واسط وصلاح الدين والسليمانية والتأميم، عدد سكانها ١ مليون و ٦٠٠ ألف مواطن، مساحتها ١٧،٦٨٥ كم، وهي ذات أراضي خصبة يزرع فيها كافة أنواع المحاصيل الصيفية والشتوية وخاصة الفواكه، حتى إنه يطلق عليها (مدينة البرتقال)، مصدرها المائي نهر ديالى الذي يصب في نهر دجلة، أما السكان فالمدينة متنوعة يشكل فيها العرب السنة أكثر من ٧٠% والشيعة ٢٠% والاكراد والتركمان ١٠% يرتبط بها ٦ أقضية و ١٧ ناحية أبرز الأقضية التابعة لها قضاء بعقوبة المركز وقضاء المقدادية والخالص.
تعرضت مدينة ديالى لانتهاكات جسيمة من قتل واختطاف واعتقال من قبل المليشيات الطائفية، وتعتبر مليشيا بدر والعصائب هما أبرز قوتان مسيطرتان على المدينة وهما من قامتا بهذه الانتهاكات التي أدت إلى عملية نزوح وتهجير الأهالي من مناطقهم السكنية، وقد أشارت موقع الجزيرة نت إلى أن عدد المهجرين والنازحين قرابة ٥٠٠ ألف مواطن، وقد تركز القمع والتهجير على المناطق التي أدناه:
١- قضاء المقدادية ومركز ناحيتي أبي صيدا والوجيهية والقرى التابعة لهما .
٢- القرى المحيطة بقضاء الخالص مع الاستيلاء على بساتين المواطنين وممتلكاتهم .
٣- القرى التابعة لقضاء بعقوبة وناحية الهويدر وقراها ومناطق الكاطون وحي المعلمين .
٤- ناحية العظيم والقرى التابعة لها .
٥- ناحية بهرز والقرى المحيطة بها .
وهنا اكتفي بهذا العدد ولا يسع المجال لذكر كافة المناطق والقرى التي هجرت بسبب الإنتهاكات التي مارستها المليشيات الطائفية .
أما أنواع الإنتهاكات التي مارستها المليشيات وحسب تصريح محافظ ديالى الأسبق فكما يلي :
عدد المخطوفين في المدينة ٢٧٣٨٠ مواطنا من مكون واحد.
عدد القتلى ٧٨٥٩٨ أغلبهم من ضباط الجيش العراقي السابق وأطباء ومهندسين وأساتذة جامعات وعلماء دين وتجار.
عدد المعتقلين ٥٢٣٢٠ معتقلا بتهم كيدية، وقد مات منهم الكثير داخل السجون أبرزهم الشيخ حسن ملا علي والشيخ بشير الجوراني، إذ كلاهما قتلا في السجن بسبب التعذيب . وعشرات الائمة والخطباء وغيرهم.
وقد صرح محافظ ديالى عمر الحميري أنه في سنة ٢٠١٤ إلى سنة ٢٠١٥ قد هجّر اكثر من ٥٣ الف عائلة من ديالى، كذلك صرح رئيس اللجنة الأمنية الدكتور حسين الزبيدي عن عمليات تهجير ممنهجة وانتهاكات جسيمة تمارسها المليشيات الطائفية، ومن الجدير بالذكر أن أي مسؤول محلي يدلي بأي تصريح ضد المليشيات ويذكر انتهاكتها ضد السكان يتم استهدافه سواء من قبل القضاء بتهم كيدية أو من قبل المليشيات مباشرة، كما جرى مع المحافظين السابقين لديالى عبد الناصر المهداوي وعمر الحميري وأعضاء مجلس المحافظة فيها مثل عبد الجبار علي الخزرجي ونائب المحافظ محمد حسين صكاع وحكم على الأخير بالإعدام ثم خفف إلى المؤبد .
أدت هذه الإنتهاكات والتهجير إلى عملية تغيير ديمغرافي في ديالى، ومن خلال نظرة بسيطة إلى نتائج الإنتخابات المحلية في نهاية ٢٠٠٥ وكيف كانت الأغلبية للعرب السنة فيها حسب النتائج التي أعلنتها مفوضية الإنتخابات في ديالى التي تبلغ حصتها ٢٩ مقعدا تتنافس عليها الكتل السياسية ورغم كل التزوير والمقاطعة للانتخابات إلا أنها أظهرت النتائج التالية :
العرب السنة ١٨ مقعد .
الأكراد ٦ مقاعد .
الشيعة ٥ مقاعد .
أما الإنتخابات التي أجريت في عام ٢٠٠٩ فبدأت تتغير النتائج وقد أوتيت عمليات القمع والتهجير أكلها . فقد حصل المكون السني على ٢٠٩١٢٠صوتا بما يساوي ٤٥،٣% من نسبة عدد المصوتين الكلي.
المكون الشيعي ١٧٠٢٩٢ صوتا، ما يساوي نسبة ٣٦،٩% .
المكون الكردي حصل ٤٩٤١٥ صوتا بما يساوي على نسبة ١٤،٤% من عدد المصوتين حسب ما أعلنته مفوضية الإنتخابات في حينها .
وهكذا بدأت نتائج التغيير الديمغرافي تظهر أكثر فأكثر في انتخابات ٢٠١٤، ثم تحولت الأقلية إلى أكثرية في انتخابات ٢٠١٨ .
أنواع الإنتهاكات التي مورست ضد السكان
مورست ضد السكان أنواع مختلفة من الانتهاكات منها القتل والخطف والاعتقال والتهديد والابتزاز وطلب الفدية من الميسورين. لكن أبشع أنواعها تمثلت في عمليات الإعدام الجماعي التي نفذت في السجون، ومن أبرزها :
• إعدام جماعي في سجن بهرز .
• اعدام جماعي في سجن بعقوبة المركزي .
• سجن مركز أبي صيدا .
• سجن المفرق .
في جميع هذه السجون – أعلاه – نفذت عمليات إعدام جماعي ضد المعتقلين الأبرياء .
أما أبرز المذابح التي حدثت هي مذبحة جامع سارية في شهر مايو سنة ٢٠١٣ التي راح ضحيتها أكثر من ٤٠ مصليا و ٤٦ جريحا من المصلين الذين كانوا يؤدون صلاة الجمعة، والسبب في كثرة الضحايا هو نوع العبوات التي استخدمتها المليشيات، وهي صناعة إيرانية يطلق عليها ( العبوة النافورية )، وهذا النوع من العبوات يطلق على الهدف بطريقة أفقية ليصيب أكبر عدد من الأفراد، وقد استخدم هذا النوع من العبوات منذ سنة ٢٠٠٦ التي كان يجهزهم بها الحرس الثوري الإيراني .
مراحل التغيير الديمغرافي
بدأ التغيير الديمغرافي على شكل مراحل بعد الاحتلال سنة ٢٠٠٣ وكما يلي :
١- سنة ٢٠٠٦ بعدما تم تفجير مرقد الإمامين علي الهادي والحسن العسكري (رضي الله عنهما) في سامراء ثم بدأت الحرب الطائفية في العراق .
٢- سنة ٢٠٠٩ عندما أعلنت نتائج الانتخابات وتبين الفرق الكبير في النتائج وعدد السكان ونسبة كل مكون فيها .
٣- سنة ٢٠١٢ عندما انتفضت المدن العراقية وخاصة في الوسط والمدن الغربية ضد سياسة رئيس الوزراء نوري المالكي الطائفية .
٤- سنة ٢٠١٤ بعدما سيطر تنظيم الدولة على أجزاء كبيرة من المحافظة .
أهداف التهجير الذي حصل في ديالى
١- إحداث تغيير ديمغرافي في المدينة على حساب المكون السني الذي يمثل الأغلبية فيها .
٢- رغبة إيران في السيطرة على المدينة بسبب قربها من بغداد بحيث المسافة بينهما لا تتجاوز ٦٠ كم وبهذا تعتبر اقصر الطرق من إيران إلى بغداد .
٣- خدمة المشروع الإيراني الذي يعتمد على مبدأ تصدير الثورة والتي وصلت إلى سوريا ومنها إلى البحر المتوسط، ويعتبر طريق ديالى هو من اقصر الطرق البرية وأكثرها أمناً لإيصال معداتها العسكرية إلى حلفائها .
موقف المجتمع الدولي مما يجري من انتهاكات للمدينة
يعتبر التهجير القسري جريمة ضد الإنسانية حسب معاهدة جنيف لسنة ١٩٤٩ومعاهدة روما لسنة ١٩٩٨، وما جرى في ديالى هو ممارسة كافة الانتهاكات والجرائم المنظمة والإبادة الجماعية والتهجير القسري والتغيير الديمغرافي، وكل هذه تعتبر جرائم ضد الإنسانية إلا أن المجتمع الدولي ومؤسساته والمنظمات الحقوقية التابعة له وقفت موقف المتفرج ولم تقم بما يجب عليها القيام به لإيقاف هذه الانتهاكات وهذه هي الازدواجية التي يمارسها النظام الدولي ضد قضايانا الإنسانية بشكل عام. ولم أجد حالة مشابهة لما جرى في ديالى إلا في سوريا عندما مكّنت الدول الكبرى الأقلية التي ينتمي إليها حافظ الأسد وعائلته من الأغلبية وجعلته يحكمهم بالنار والحديد حتى قام بتهجير نصف السكان من الشعب السوري ليبقى هو في السلطة، وهذا يشبه ما يجري في ديالى عندما سمحوا للأقلية أن تحكم الأكثرية وتسومهم سوء العذاب من تهجير وقتل واعتقال وتمارس ضدهم كل انواع الانتهاكات وهي في مأمن من أي عقوبة وحساب، أما لو حدث ما جرى في أي دولة من دول العالم غير الدول العربية والإسلامية لتحركت كافة المؤسسات والمنظمات الدولية بل لتحركت الجيوش والأساطيل لإيقاف هذه الانتهاكات ومحاسبة فاعليها أشد الحساب .
لكن من يستطيع الإفلات من المحاسبة في الدنيا فلن يستطيع الإفلات من العقوبة الإلهية يوم القيامة.
(وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا)
مقال خاص براسام
التغيير الديمغرافي في ديالى

