Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

إعادة العراقيين إلى العصور المظلمة!

شاهو القره داغي

منذ الأول من أكتوبر العام/ تشرين الماضي وحتى اليوم يتظاهر الآلاف من العراقيين في الساحات و الشوارع في بغداد ومحافظات أخرى للمطالبة بحقوقهم و تغيير الطبقة السياسية الفاسدة و إنهاء فوضى السلاح و التخلص من النفوذ الإيراني في العراق. وعلى الرغم من مزاعم الرئاسات الثلاث و المرجعية الدينية و قادة الأحزاب السياسية و الميليشيات على حماية المتظاهرين ، إلا ان القوات الأمنية الحكومية و العصابات المنفلتة و الفصائل المسلحة أدارت العديد من عمليات القمع و قتلت أكثر من 600 متظاهر و أصابت أكثر من 25000 بسبب استخدام الرصاص الحي و عمليات القنص و اطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع على رؤوس المتظاهرين السلميين.
وعلى الرغم من الآلة القمعية للسلطة ، إلا ان المتظاهرين أصروا على الاستمرار في نضالهم و ثورتهم حتى تحقيق كامل مطالبهم وحاولوا إيصال أصواتهم إلى كافة الأطراف الداخلية و الخارجية للإسراع في الاستجابة لمطالبهم و إنهاء نزيف الدم الذي يذهب بحياة العشرات على يد القوات الأمنية و الميليشيات.
هذا الإصرار العراقي يقابله عناد شديد من قبل قادة الأحزاب السياسية وخاصة زعيم ميليشيات البدر (هادي العامري) و زعيم ميليشيا سرايا السلام (مقتدى الصدر) ، حيث يرفض هؤلاء تقديم أي تنازل لصالح المتظاهرين. ويحاولون بكل الطرق و الوسائل القضاء على الحراك الشعبي ، سواء عن طريق تفعيل الميليشيات لمهاجمة الساحات ، او عن طريق المحاولات المستمرة من قبل (مقتدى الصدر) لركوب موجة الثورة أو خلق مظاهرات موازية في سبيل لفت الانتباه و إبعاد التركيز عن التظاهرات الحقيقية لإخمادها و التخلص منها .
من الصعب التوفيق بين إرادة الجيل الجديد الحالي الذي يريد العيش كباقي الشعوب و التمتع بحقوقه و حرياته و ثروات بلاده و العيش بسلام و استقرار في ظل نظام سياسي عادل ، و بين إرادة الميليشيات وقادة الأحزاب الدينية التي تريد تحويل العراق الى ساحة صراع و ربط مصير العراق بمصير ما يسمى بمحور المقاومة بقيادة طهران و إضعاف الدولة لصالح الميليشيات و الاستمرار في نهب الثروات على حساب العراقيين.
وفي الوقت الذي تنشغل دول العالم بتعليم ابنائها وبالاختراعات و الإنجازات و دراسة المستقبل و المضي نحو الأمام، يعمل قادة الميليشيات في العراق على إعادة العراقيين إلى العصور الوسطى المظلمة عن طريق سياساتهم القمعية و رفضهم للتغيير و قمعهم لكل الطاقات و محاولة خلق بيئة طاردة للكفاءات و منعزلة عن العالم و بعيدة عن التطورات الخارجية .
من أبرز ملامح العصور المظلمة استغلال الدين من قبل رجال الكنيسة للسيطرة على المال و السلطة و استخدام الدين لتوجيه العامة وتغييب العقل، وهذا ما يحاول الأحزاب الدينية تنفيذه في العراق وفرضه على العراقيين ، حيث ينتظر الملايين من المواطنين فتوى دينية لتحديد مستقبل البلاد ومصير الأجيال ، وكأن الدولة لا تمتلك المؤسسات او القوانين او الدستور !
بالإضافة إلى ذلك، فإن محاربة الاحرار ومن يتبنون خطا فكريا مستقلا ويدعون للتفكير العقلاني والتسامح كان من سمات العصور المظلمة ، و هذه من أبرز ملامح دولة الميليشيات التي يحاولون فرضها على العراقيين. حيث يتم اغتيال الدكاترة و أساتذة الجامعات و الصحفيين وتهديد الناشطين ودفعهم للهروب من العراق للقضاء على أصحاب العقول ليسود الجهل ويسهل توجيه المجتمع حسب رغباتهم .
ثورة أكتوبر/ تشرين شكلت انعطافة كبيرة في الساحة السياسية العراقية ، حينما قدمت صورة مشرقة عن هذا الجيل الذي يبحث عن الحياة و الاستقرار ولم يتأثر بمحاولات التجهيل و التخدير و نشر المخدرات و الفوضى وزرع اليأس و الحقد و الكراهية والفتنة الطائفية داخله. فلم تعد الأطراف السياسية وقادة الميليشيات يضمنون بقاء نفوذهم و سلطتهم و مكاسبهم ، ومن المؤكد أنهم يشعرون بهذه التغييرات الجذرية و يصبون كل جهودهم لإفشال هذا الحراك الشعبي الذي سيغير وجه العراق ويبشر بمستقبل أفضل في حال نجاحه .
هذه الحركة الاجتماعية هي نتيجة تراكم الأخطاء لأكثر من 16 عاما وليست ردة فعل مفاجئة على حدث معين. ومن الصعوبة أن تنتهي بسهولة دون إحداث تغييرات حقيقية تؤثر بشكل إيجابي على حياة المواطنين و تنهي الظلم الواقع عليهم. وفي حال إصرار الأحزاب و الميليشيات على مواجهة الثورة الشعبية و الإبقاء على الفساد و الفوضى و الإرهاب و القتل والالتفاف حول مطالب المتظاهرين و حياكة المكائد لإفشالها و إخمادها، فإن حياة العراقيين في العراق ستكون “مقرفة ووحشية وقصيرة!” على حد وصف الفيلسوف الإنكليزي هوبس حياة الانسان في العصور المظلمة .

مقال خاص براسام

Exit mobile version