Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

العقوبات الامريكية على ايران واحتمالات المواجهة المقبلة (الجزء الثاني)

لا شك أن الخيارات المطروحة من قبل الإدارة الأمريكية للتعامل مع الملف الإيراني تعتمد على تغيير سلوك النظام أو مواجهة التغيير من الداخل وهذا هو الذي سيدفع النظام الحاكم في طهران إما إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات والموافقة على تغيير سلوكه بالمنطقة أو مواجهة تغيير الحكم مع ضغوطات خارجية، ولكن هذا لا يعني غياب الخيار العسكري الذي لم تصرح به الولايات المتحدة لحد كتابة هذه السطور، ولكني أعتقد أنه غير مستبعد عن الأجندة الأمريكية إذا ما فرضت عليها المواجهة العسكرية المباشرة، وكان هناك تصعيد من قبل الطرف الآخر إضافة إلى كثرة المتغيرات في الساحة الإقليمية والدولية علماً بأن سيناريو توجيه ضربات جوية محدودة مطروح من قبل حليفتها إسرائيل وتدعو إلى القيام بضربات جوية محددة للبرنامج النووي الإيراني، وقد نجحت الولايات المتحدة الأمريكية في لجمه طوال الفترة الماضية عدا بعض الضربات الجوية للتواجد الإيراني في سوريا بسبب تخطيها للخطوط الحمراء التي سمحت بها إسرائيل لتدخلها في سوريا، لذا فجميع الخيارات مطروحة ومتغيرة بشكل كبير تبعاً لمصالح الطرفين والمتغيرات الدولية علماً بأن المواجهة المحتملة بين الولايات المتحدة الامريكية وإيران أخذت حتى هذه اللحظة مسارات متعددة منها سياسية واقتصادية واجتماعية، والتي قد تتطور مستقبلاً لتكون مواجهة عسكرية بالوكالة، وقد تنتقل لتكون مواجهات محدودة أو مواجهة مباشرة وشاملة .

المسلك الأول سيناريو الفوضى:

وهو المسلك الأخطر في المواجهة المحتملة والذي تراهن عليه الإدارة الأمريكية بإحداث التغيير المنشود في السياسية الخارجية الإيرانية والذي يتطابق مع الرؤيا الأمريكية للحل مع إيران، ولكنه يعتمد على عامل الوقت في التأثير على الداخل الإيراني وخاصة مع الحزمة الثانية من العقوبات، والتي دخلت حيز التنفيذ في 5 نوفمبر تشرين الثاني عام 2018م، والتي تدفع باتجاه مزيد من الاستياء الداخلي لدى الشعب الإيراني تجاه حكومته مما قد يدفعهم إلى الخروج باحتجاجات ومظاهرات عارمة قد تؤدي إلى اضطرابات وفوضى غير مسبوقة في الداخل الإيراني والتي ستضعف وتزعزع استقرار النظام بشكل كبير جدًا ما يؤدي إلى مزيد من الضغط على القيادة الإيرانية وإرغامها على تحويل موارد إضافية للأمن الداخلي خصوصاً مع وجود أقليات ناقمة على النظام بشكل كبير جداً، وهنا يتبين خطورة الملف الاثني في إيران والذي يتمثل في الأكراد والاذريين والعرب الأحوازيين والبلوش الذين يعانون من التميز الاثني والعرقي والطائفي يضاف إلى ذلك وطأة القيود المفروضة عليهم والتي تعوقهم عن ممارسة حقوقهم إضافة إلى الظرف الاقتصادي المرير الذي تمر به البلاد، والذي قد يدفعهم إلى الخروج على النظام للمطالبة بحقوقهم المسلوبة، والتي قد تكون مصحوبة بموجة عنف شديدة قد تمهد لحرب داخلية ومواجهة مفتوحة مع الأجهزة الأمنية التي تعتبرهم في كل مرة أنهم ينفذون مخططات ومؤامرات خارجية تستهدف النيل من أمن البلاد واستقرارها .

المسلك الثاني: الثورة الناعمة لدفع النظام للمفاوضات:

ربما تؤدي العقوبات الاقتصادية إلى إجبار إيران على الجلوس لطاولة مفاوضات، والتي ستكون قاسية جداً خصوصاً وأن السيناريو الأول من الفوضى العارمة يكون قد بدأ يجتاح البلاد وسبب كثيرًا من الخسائر المادية؛ لأن غياب الخطط التكتيكية المحكمة لمواجهة تطورات الأحداث قد يعود بخسائر كثيرة وكبيرة في مختلف المجالات، وهذا الخيار قد يتم بعد فترة من الزمن بحيث تأخذ العقوبات مأخذها في التأثير السلبي المباشر على حياة المواطنين، وهنا ربما تنزلق البلاد إلى حرب داخلية تقوض الدولة وتؤدي إلى انهيار النظام، لذا يجب استغلال الفرصة للمحافظة على كيان الدولة وعدم انزلاقها إلى سيناريو الحرب الداخلية أو تغير النظام لأن جمود القادة مع وجود متغيرات دولية وإقليمية ومحلية دون تقدم أو تطور قد يفقد الشعب الثقة بقادتهم لذلك قد تقدم إيران مرغمة للجلوس إلى طاولة مفاوضات لكتابة اتفاق نووي جديد ومناقشة برنامج الصواريخ الباليستية والنفوذ الإيراني بما فيه من الدعم المادي واللوجيستي للمنظمات الإرهابية كحزب الله اللبناني وحزب الله الكويتي وحزب الله البحريني والميليشيات العراقية وأنصار الله في اليمن إضافة إلى حرية الملاحة الدولية بما يتلاءم مع المصالح الأمريكية الإسرائيلية في المنطقة وهذا السيناريو قد يكون الخيار الأخير قبل الانتقال إلى المواجهة العسكرية أو انهيار الدولة، وهنا لا بد أن نذكر بالتخادم الإيراني الأمريكي في المنطقة وخاصة احتلال أفغانستان والعراق والسماح لإيران بالتمدد في العراق وسوريا واليمن والسماح لها بدعم جميع المنظمات الإرهابية في المنطقة دون أن تكون لها تبعات وعقوبات على ذلك بالإضافة إلى توقيع اتفاق 5+1 وهذا السيناريو ينطبق مع الرؤيا الأمريكية للحل مع ايران، وقد أعلنت ذلك في أكثر من مناسبة أننا لا نريد تغيير النظام ولكن نريد تغيير سلوك النظام.

المسلك الثالث مشروع احتواء ايران:

إذا نجحت الحكومة الإيرانية في تجاوز عقبة العقوبات الأمريكية من خلال الالتفاف عليها أو من خلال كبح جماح الاضطرابات والمظاهرات الداخلية بالسيطرة عليها، والتي سبق أن كبحت جماحها في الفترة الماضية رغم انتشارها الواسع في كثير من المدن الإيرانية المهمة من خلال:

أولًا: استخدام القوة المميتة بنطاق واسع ومجابهة العنف بالعنف.

ثانيًا: الاشتباك العنيف المباشر لتخويف المعارضين وإجبارهم على الانسحاب من ميدان التظاهر.

ثالثًا: اعتقال أو اغتيال أو إجبار القيادات المعارضة على الإقامة الجبرية أو إجبارهم على الإدلاء بتصريحات لا تصب في مصلحة المتظاهرين.

رابعًا: استخدام التعذيب والإهانات وإجبار المتظاهرين على تقديم اعترافات متلفزة لكسر الروح المعنوية وتخويف وترويع الناس ودفعهم إلى الانسحاب.

لذا ما أرجحه أن الخيارات الأمريكية ليست كثيرة، فإما التغيير أو استخدام القوة العسكرية المحدودة، وهذا قد يعني الذهاب إلى المواجهة الشاملة والتي لم تطرح ضمن الخيارات الأمريكية لحد هذه اللحظة لأنها تتخوف من التداعيات والعواقب الوخيمة خصوصاً بعد تجربة مرة خاضتها القوات الأمريكية في العراق وأفغانستان أو قد يكون الخيار الآخر وهو احتواء إيران وبرنامجها النووي من جديد بتوقيع اتفاق إضافي، كما تريد طهران وهذا المسلك لا يصب في مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية ولا إسرائيل ولا المنطقة وكما يقال بالمثل العراقي(كنك يا بو زيد ما غزيت).

المسلك الرابع: احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة وغير المباشرة:

وهنا سنناقش الخيارات بشقيها المباشرة وغير المباشرة ونأخذ الاحتمالات التي قد يلجأ إليها الطرفان وكما يلي:

أولًا: المواجهة العسكرية غير المباشرة: يمكن أن نبينها كما يلي:

ثانيًا: سيناريو المواجهة المباشرة بين الطرفين:

سيبقى خيار المواجهة العسكرية المباشرة مطروح وبقوة علماً بأن إسرائيل تدفع باتجاه الضربة العسكرية القاصمة لإيران بمواجهة مباشرة، ولكن الولايات المتحدة ما تزال تراهن على الثورة الناعمة للتغيير، ولكنها تسعى بنفس الوقت إلى تعزيز التعاون العسكري بين إسرائيل من جهة والدول العربية في الخليج العربي ومصر من جهة أخرى لمواجهة الإرهاب أو أي عملية عسكرية محتملة، وهذا قد يعقد الحرب بالنسبة لإيران ووكلائها في المنطقة بشكل كبير ويجعل المخطط الإيراني يعيد حساباته في حالة وقوع هذه الحرب التي ستدخل فيها أطراف متعددة منها التحالف الذي يسمى ميسا تحالف الشرق أوسط الإستراتيجي، وستكون تداعياتها ليس على إيران وأدواتها فحسب، وإنما على المنطقة وهذا يتطلب أن تكون هناك تفاهمات مختلفة منها روسية أمريكية مسبقة ومنها أمريكية – إسرائيلية – عربية ويمكن مناقشة هذا الاحتمال من خلال ما يلي:

 

المسلك الخامس: تغيير موازين القوى:

إن حصول متغيرات دولية وإقليمية متسارعة في المنطقة قد تؤدي إلى تغيير موازين القوى بحيث تستطيع إيران أن تحافظ على ما حققته في الفترة الماضية وهنا لا بد أن نشير إلى أن إيران تراهن على عامل الوقت، خاصة فيما يخص الانتخابات الأمريكية القادمة وإمكانية تغيير الإدارة الأمريكية الحالية التي عملت على تقويض الاتفاق النووي الذي وقعه سلفه أوباما مع إيران، لذا هي تحاول أن تدفع الأمور إلى عام 2020م وبذلك تحاول أن تتحمل الضغوطات الكبيرة التي تتعرض لها من خلال محاولةً الالتفاف على العقوبات الأمريكية.

إن الحكومة الإيرانية تراهن على موقف الاتحاد الأوربي الذي رفض الانسحاب من الاتفاق النووي 5+1 وتعهد بمساعدة طهران لتخفيف العقوبات الأمريكية المفروضة عليها من خلال الوعود التي قطعها الاتحاد بضمان موارد اقتصادية لطهران واستضافة غرفة المقاصة أو صندوق العمليات الخاصة في إحدى دول الاتحاد بموافقة كل من روسيا والصين، لذا تنتظر ايران الإيفاء بالوعود الأوربية أو حصول متغيرات كبيرة وسريعة قد تؤدي إلى تغيير المزاج الأمريكي تجاه إيران أو انشغالها بملفات أهم، وهذا احتمال حصوله ضعيف حسب المعطيات الموجودة ولكنه غير مستبعد على المدى المتوسط أو البعيد، وهذا يعتمد على قدرة إيران على مواجهة العقوبات والالتفاف عليها.

إن الحكومة الإيرانية تراهن على جر القوات الأمريكية في المنطقة إلى صراعات جانبية قد تجبرها على تخفيف حدة التوتر مع إيران مثل فتح جبهة جديدة للمواجهة مع القوات الأمريكية في العراق وسوريا واليمن، إضافة إلى توتر العلاقات الأمريكية الروسية في قضايا المنطقة وخاصة سوريا، بالإضافة إلى جزيرة القرم التي أعادت روسيا ضمها إليها بعد أن كانت تعود لأوكرانيا منذ عام 1954م إضافة إلى توتر العلاقات الاقتصادية الأمريكية الصينية بسبب الضرائب التي فرضتها الإدارة الأمريكية على السلع الصينية.

الخاتمة:

ستبقى جميع الخيارات مفتوحة في المواجهة المقبلة مع إيران وخاصة السياسية منها، والتي تعول على دفع النظام إلى طاولة مفاوضات جديدة لتغيير سلوكه في المنطقة من خلال تأليب الداخل الإيراني بسبب العقوبات الامريكية ولكن إذا ما استنفدت الخيارات السياسية بما فيها المراهنة على عامل الوقت فحتماً ستتغير الأهداف والغايات، وقد تنتقل من المواجهة الداخلية إلى المواجهة العسكرية الخارجية بشقيها المباشرة وغير المباشرة.

ستبقى الإمكانيات العسكرية والخطط الإستراتيجية والتكتيكات التي تمتلكها الاطراف المتنازعة بالإضافة إلى الأخطاء والقرارات التي يمكن أن ترتكبها القيادات السياسية والعسكرية في هذه المواجهة هي التي ستحدد بوصلة المواجهة المقبلة خصوصاً عندما تقع القيادات أسيرة لرغبات عدوها، وهنا يجب الإشارة إلى أهمية مبدأ المباغتة والمبادأة والمرونة في الخطط التي تجعلك في مرتبة صناعة القرار أو الفعل وبقاء عدوك في موقف ردة الفعل، والتي غالباً ما تكون مرتبكة ومحسوبة من قبل القيادات العسكرية والأخطر من ذلك أن تتراكم عليك الأخطاء أثناء المعركة فتبدأ تتحكم فيك كثير من المواقف حيث يقول الكولونيل فولر: إن العدو لا يهاجم القائد ماديًا, وإنما عقليًا لأن العدو يهاجم أفكاره وعقله وخططه، لذلك فالضغط المادي المسلط على قواته قد يرغمه على تغيير خططه, وإن تغيير الخطة قد يؤدي إلى حدوث إرباك عقلي لدى الرجال, وهذا يجعل مخاوفهم تعيق مسار إدارته ويجبره على القبول بأقل ما يمكن من الخسائر.

Exit mobile version