الحصول على آثار تبلغ من العمر أكثر من 5000 عامًا لم يكن يومًا أمرًا سهلًا أو رخيصًا. لكن في غضون سنوات قليلة، بات العراق، آخر بلد احتل في حوض بلاد ما بين النهرين، بلاد السومريين والآشوريين والبابليين، أرض خصبة للمهربين والمتاجرين بالشر. أرض غارقة في التاريخ، ما بين نهري دجلة والفرات، وتعج بالمواقع الأثرية. لكنها لسوء الحظ، مليئة بالحفريات الخطرة، والمواقع المدمرة التي يقودها مجموعة من اللصوص منعدمي الضمير. وانتشار الفساد والفصائل المسلحة من مختلف التوجهات شجع هذه التجارة، الأمر الذي خلف استياءا لدى السلطات المحلية.
ليث مجيد، مدير مجلس الآثار والتراث العراقي، تحدث لوكالة الأنباء الفرنسية AFP معتذرًا: “لا نملك إحصائيات عن عدد الآثار والتحف التي تم تهريبها من العراق”. إلا أن الأرقام أقل غموضًا من الطريقة الأخرى لتجارة التحف غير المشروعة؛ الإنترنت. حيث عرضت عدة مواقع للمزادات تحفًا ضُبط مهربون وهم يبيعونها متلبسين. أحدها كان موقع liveauctioneers.com الذي عرض “لوحًا من الطين السومري”، عليه نص مسماري، والذي يعد أقدم كتابات العالم، يُعتقد أنها تعود لـ3000 سنة قبل الميلاد. سعر اللوح حوالي 645 يورو، وسيصبح ملك، حسب الموقع، “رجل نبيل من سوسكس”. من الصعب التأكد إن كانت هذه القطعة الصغيرة ذات الـ70 غرامًا، قد تم تهريبها من العراق، حيث كانت متواجدة في القرن الرابع قبل الميلاد، في أحد المدن السومرية.
إيران مركز عالمي
من المواقع الأثرية القديمة في الكوت والسماوة والناصرية، ينقل المهربون غنائمهم نحو مستنقعات جنوب البلاد والعمارة، بلدة قريبة من إيران. عالم آثار عراقي، فضل عدم ذكر اسمه، يقول لوكالة الأنباء الفرنسية “إن إيران باتت مركزًا لتهريب الآثار”. حيث تعبر معظم القطع الأثرية المسروقة الحدود نحو إيران قبل أن تركب البحر عبر قوارب صيد نحو دول الخليج. طريق آخر تقطعه هذه القطع، عبر الصحراء غرب العراق نحو الحدود الأردنية والسورية والتركية.
كما يلعب فساد رجال السلطة وتدني الأجور، دورًا أساسيًا في هذه الظاهرة. ففي موقع جنوب العراق حيث ازدهرت الحضارتان السومرية والبابلية، أكد أحد الحراس (الذي لا نستطيع الكشف عن هويته ومكان عمله خوفًا على سلامته) لوكالة الأنباء الفرنسية تصادفه مع عدد من المهربين بشكل منتظم. يقول الحارس: “رأيت ذات يوم شاحنة تصل بثلاثة مسلحين بدؤوا بالحفر، وحينما صرخت عليهم، شرعوا في إطلاق النار في الهواء وصرخوا في وجهي: “هل تعتقد أنك في بيتك هنا؟ّ”. نقص الموارد التي وضعتها السلطات لحماية المواقع الأثرية أمر شائع كذلك، حيث يعيش ما يقارب 40% من 40 مليون مواطن عراقي تحت خط الفقر. كما يعد النظام العراقي واحدًا من أكثر الأنظمة فسادًا في العالم وفقًا لتصنيف منظمة الشفافية الدولية غير الحكومية. وبالتالي، أصبحت ظروف تهريب التحف أكثر مساعدة للشبكات الإجرامية. وبحسب مصدر حكومي في مقابلة مع وكالة الأنباء الفرنسية، فقد كسبت الجماعات المسلحة (بعضها قريب من إيران) نفوذًا كبيرًا.
كذلك، فعند احتلال تنظيم داعش لمساحات شاسعة من الأراضي العراقي بين عامي 2014 و2017، نهبت عشرات الكنوز التي تعود لحقبة ما قبل الإسلام، باستخدام الجرافات والفؤوس والمتفجرات. كان هذا حال موقع نمرود، جوهرة الإمبراطورية الآشورية التي تأسست في القرن الثالث عشر ما قبل الميلاد. حيث شهدت هذه العاصمة القديمة دمار 60% من رفاتها الذي تحول إلى غبار. كما أن جنود التنظيم الإرهابي مارسوا التهريب – بحسب خبير أمني أوروبي أكد أن الأمر أدى لكسبهم أموالًا كثيرة – رغم أن هذه الظاهرة تأثرت بها سوريا بشكل أكبر.
ووفقًا لتقرير نُشر عام 2020 عبر منظمة “المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية”، فإن الدخل السنوي لداعش مقدر بين 2.35 و2.68 مليار دولار، منه 20 مليون دولار من الإتجار بالتحف وفرض الضرائب خلال عام 2015.
الجدير بالذكر، أن عددًا من التحف تعاد إلى العراق بين الفينة والأخرى. فمنذ أسابيع قليلة، أعادت الولايات المتحدة الأمريكية 17 ألف قطعة أثرية تبلغ من العمر قرابة 4 آلاف عام نُهبت خلال العقود الأخيرة. ورغم ترحيب مسؤول حكومي بهذه المبادرات، إلا أنه يرى أن المشكلة تكمن في دول الجوار للعراق، والمتواطئة في التهريب، بحسب قوله، فالدولة العراقية ضعيفة، وإيجاد حل لظاهرة تهريب القطع الأثرية لا يعد ضمن أولوياتها. كذلك، فانعدام أي نظام مراقبة لنقاط بيع التحف عبر الانترنت، يعد أحد أهم أسباب انتشار هذه الآفة، رغم بعض محاولات خطابات التهدئة، على غرارBritish TimeLine Auctions، الشركة الأم لموقع liveauctioneers.com، الذي يقول إنه على دراية تامة بمشكلة تهريب بعض “السلع الثقافية”. كريس رين، مدير المجموعة تحدث لوكالة الأنباء الفرنسية قائلًا: “نستثمر الكثير من الأموال والجهود من أجل القضاء على هذه المخاطر من الحدود الإيرانية – العراقية، وحتى العالم الرقمي، فتداول التحف والآثار المنهوبة، لا يزال يحرم بلدًا بأكمله من تراثه الخاص”.
لو فيغارو، وكالة الأنباء الفرنسية
ترجمة وتحرير: راسام

