Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

تصاعد الصراعات الداخلية مع استضافة العراق للمحادثات السعودية الإيرانية

تصاعدت المشاعر المعادية لإيران في العراق، في ظاهرة باتت متزايدة بشكل ملاحظ، خاصة بعد اغتيال معارض بارز ومنتقد للنظام الإيراني، لتجتاح الاحتجاجات مدن الأضرحة الشيعية، لما وصف بأنه “تمهيد” لصيف حافل بالسخط والغضب.
وفي وقت يتعامل فيه العراق مع الأزمات الداخلية بسبب الأطماع والتدخلات الإيرانية، تعتبر إيران العراق “أرضًا محايدة” لإجراء مفاوضات هادئة مع السعودية، حيث تبدي المملكة استعدادها للتفاوض مع إيران بعدما شعرت بأنها “محرومة” من حليف آخر: واشنطن.
ويبدو أن السعودية الغنية بالنفط بدأت تتراجع مقابل الصعود الإيراني، بعد انسحاب أمريكا من دعم السعودية، مما يترك العراق في وضع محفوف بالمخاطر، إذ سيكافح لإخراج نفسه من السطوة الإيرانية.

تزايد السخط على إيران من قلب الأراضي الشيعية
الاحتجاجات العنيفة استمرت دون توقف في عدد من المدن العراقية ذات الأغلبية الشيعية، وذلك منذ مقتل ناشط سياسي معروف وناقد مناهض للحكومة، على يد ميليشيات موالية لإيران في الساعات الأولى من صباح يوم 9 مايو 2021.
إيهاب الوزني، منسق الاحتجاجات في مدينة كربلاء، كان أحد أشد المعارضين للفساد مشددا الخناق على الجماعات المسلحة المرتبطة بطهران، والنفوذ الإيراني داخل الأراضي العراقية. حيث قتل ليلًا، برصاص رجال كانوا على متن دراجات نارية في كمين سجلته أشرطة المراقبة، قبل أن تؤكد قوات الأمن وزملاء الضحية مقتل الناشط السياسي.
الوزني كان قد نجا من حادث اغتيال بأعجوبة في ديسمبر 2019، بعدما استخدم أشخاص على دراجات نارية أسلحة كاتمة للصوت لاغتيال زميله الناشط السياسي فاهم الطائي، حينما كان الوزني يقله إلى منزله في كربلاء، حيث تتواجد الجماعات المسلحة الموالية لإيران.
الرجلان كانا من الشخصيات الرئيسية في حركة الاحتجاج الوطنية التي اندلعت في العراق في أكتوبر 2019، ضد الفساد الحكومي والتدخل الإيراني. ما أسفر عن مقتل أكثر من 600 شخص، معظمهم قتل في الشوارع خلال المسيرات، فيما استهدف آخرون على أعتاب منازلهم بعيدًا عن المظاهرات.
الاحتجاجات اندلعت في كربلاء، الناصرية، والديوانية جنوبي العراق ردًا على مقتل الوزني، حيث دعا أهالي المنطقة إلى وقف إراقة الدماء والفساد المستشري. إضافة لوضع حد لسياسة الإفلات من العقاب، التي تستفيد منها الميليشيات الموالية لإيران.
ففي تسجيل مقطع فيديو من المشرحة التي وضعت فيها جثة الوزني في البداية، كشف ناشطون سياسيون عن المسؤولين عن جريمة القتل. حيث قال أحدهم: “الميليشيات الإيرانية هي التي قتلت الوزني، إنهم سيقتلوننا جميعًا، إنهم يهددوننا، والحكومة تلتزم الصمت!”.
وبعد اغتيال الوزني بـ24 ساعة، كانت هناك محاولة لاغتيال الصحفي أحمد حسن برصاصة في رأسه عند وصوله لبيته في الديوانية. خضع حسن لعملية جراحية في المخ، ولايزال في حالة حرجة في أحد مستشفيات بغداد.
المتظاهرون في كربلاء كانوا على درجة من الغضب، دفعتهم لإضرام النار في ممتلكات تابعة للقنصلية الإيرانية، ما دفع طهران لتسليم خطاب احتجاج للسفير العراقي في إيران، للمطالبة بحماية المواقع الديبلوماسية الإيرانية.
أحمد المحمود من مكتب العلاقات الخارجية العراقية في لندن، يصرح للعربي الجديد قائلًا: “لطالما نصبت إيران نفسها كمدافعة عن حقوق الشيعة. ومع ذلك قُتل العديد من المتظاهرين منذ عام 2019، على يد جماعات شيعية مدعومة من رجال دين موالين لإيران”.
ويضيف محمود: “الحقيقة أن معظم الشيعة العراقيين العاديين بدؤوا يدركون أن إيران لا تريد الخير لهم، بالنسبة لهم إيران تريد الخير لإيران”.
الهجوم على القنصلية في كربلاء له أهمية مزدوجة، بسبب المكانة الدينية للمدينة لدى الشيعة، بمن فيهم القيادة الإيرانية، قائلين إن كربلاء هي المدينة التي قُتل فيها الحسين، حفيد النبي محمد (صلى الله عليه وسلم).
وتعلق إيران أهمية كبيرة على هذه المدينة، لدرجة أنه خلال الحرب الإيرانية – العراقية في ثمانينيات القرن الماضي، استخدمت إيران اسم المدينة في العديد من العمليات العسكرية ضد القوات المسلحة العراقية. حتى أن أحد شعاراتهم كان: “الطريق إلى القدس يمر من كربلاء”.
استفزازات الميليشيات الموالية لإيران لم تغضب سكان المناطق الشيعية فقط، بل امتد الأمر لسكان المناطق السنية أيضًا.
حيث صدرت أوامر بإزالة ملصقات المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وقاسم سليماني، قائد الحرس الثوري الإسلامي الذي قتل على يد إدارة ترامب أوائل عام 2020، حيث تم إزالة هذه الملصقات في مدينة الأعظمية في بغداد.
الميليشيات الموالية لإيران وضعت الملصقات بجوار مسجد الإمام أبو حنيفة، الذي يعتبر أشهر مقر للتعليم الديني، والذي يضم ضريح الإمام الذي يحمل المسجد اسمه، حيث يجله أهل السنة.
محمود، معارض عراقي، يقول للعربي الجديد إنه بصرف النظر عن هدوء الأوضاع بسبب فيروس كورونا، فمن المرجح أن تكون هناك إجراءات أخرى، ممهدة لصيف آخر من الاحتجاجات التي أصبحت عادة عراقية منذ أكثر من عقد.
ومع اقتراب موعد الانتخابات التي ستقام في موعد لاحق من هذا العام، إضافة لتزايد العنف ضد النشطاء السياسيين والمعارضين، فمن المرجح أن تؤدي أشهر الصيف الحارقة وانقطاع التيار الكهربائي المعتاد، إلى اندلاع موجة أخرى من الاحتجاجات.
تاريخيًا، فقد قُمعت التظاهرات والاحتجاجات باستخدام العنف العشوائي من قبل القوات الحكومية والميليشيات. رغم ذلك، فعادة ما يتم إشعالها من جديد إما بعد التجاوزات المستمرة أو الانتهاكات الجديدة التي ترتكبها السلطة والميليشيات.

العراق كأرض محايدة للمفاوضات السعودية الإيرانية
رغم انعدام الاستقرار الداخلي، فقد استضاف العراق مرات عديدة محادثات هادئة بين إيران والسعودية، وذلك بحسب تصريحات أدلى بها رئيس الجمهورية برهم صالح، دون تقديم أي معلومات إضافية أو تفاصيل بهذا الصدد.
المحادثات المباشرة بين الرياض وطهران جرت في التاسع من أبريل الماضي، لكن لم يتم الإبلاغ عن أي مفاوضات سابقة، مما يدل على أن العراق كان يلعب دورًا رئيسيًا كوسيط ديبلوماسي بين الطرفين، نظرًا لانعدام العلاقة الرسمية بينهما.
بالنسبة للإيرانيين، فالعراق وسيط مناسب لما تتمتع به طهران من نفوذ كبير في مؤسسات الدولة والجهاز العسكري في البلاد. أما السعودية، فيعتبر العراق أرضًا محايدة باعتباره بلدًا عربيًا.
إيران والمملكة العربية السعودية قطعا علاقتهما الرسمية فيما بينهما عام 2016، وانخرطا في سلسلة من الحروب بالوكالة، شاركت فيها حكومات وجماعات مسلحة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
رغم ذلك، فقد صرح ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قائلًا: “إن سياسة حكومته الآن تسعى لعلاقة مميزة وجيدة مع طهران”.
ويرتبط هذا التغير في السياسة السعودية، بقرار الرئيس الأمريكي جو بايدن بإشراك إيران ورفع العقوبات عنها، مقابل استئناف شروط خطة العمل الشاملة المشتركة، المعروفة باسم: الاتفاق النووي الإيراني.
ففي عام 2015، كانت إدارة أوباما تتفاوض على هذه الصفقة مع إيران، إلا أن إدارة ترامب تخلت عنها عام 2018، وسعت لإبرام اتفاق جديد يقيد أنشطة إيران الإقليمية، وبرنامجها الخاص بالصواريخ البالستية.
قوة إيران تكمن في سيطرة وكلائها على مؤسسات السوق السوداء التابعة لداعش شمال العراق، حيث هاجمت ميليشياتها مصالح أقوى دولة في العالم. ما أجبر أمريكا على سحب وحداتها العسكرية من العراق.
لكن، حتى لو هدأت الأوضاع بين الطرفين، فمن غير المرجح أن يستفيد العراق. بل قد يخسر. فسقوط جميع خصوم إيران وعدم وجود دولة ترغب في منافسة نفوذ طهران، سيجد العراق صعوبة أكبر في الحفاظ على استقلاليته في الحكم.
هيكل السلطة هذا، سيؤدي لمزيد من عدم الاستقرار الاجتماعي، وسيستمر العراقيون في الغضب على المسؤولين بسبب انصياعهم للتعليمات الإيرانية. وقد يؤدي عدم الاستقرار هذا إلى حرب أهلية، حيث تحمل كل من جماعات المعارضة السنية والشيعية السلاح ضد الدولة، في محاولة لاستعادة بلادهم من قبضة إيران.

فريق عمل موقع “ذا نيو آرب”
ترجمة وتحرير: راسام

Exit mobile version