ورثت إدارة بايدن موقفًا معقدًا في العراق، خاصة بعد أشهر من توقف العمليات ضد تنظيم الدولة “داعش” والدورات التدريبية المشتركة، والعديد من عمليات نقل القواعد وعمليات إعادة الانتشار على نطاق واسع، وإضعاف الحكومة الفيدرالية العراقية، وسلسلة الهجمات الأخيرة من الميليشيات المتحالفة مع إيران .
من غير المرجح أن تختار الإدارة الأمريكية إنهاء تواجد القوات الأمريكية في العراق، على الرغم من الضغوط المستمرة في هذا الاتجاه. علما أن تحديد أولويات استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2018 نحو الصين وروسيا وتخفيضات ميزانية الدفاع سيقيد أي تحرك لزيادة الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط، كما تصر الولايات المتحدة على ضرورة الحفاظ على العراق – بطرقه التجارية المهمة وموارده الطبيعية وقدرته على التأثير في استقرار الأمن الإقليمي. وعلى الرغم من الوعود بإحياء الاتفاق النووي لخطة العمل الشاملة المشتركة مع إيران، لا يزال لدى واشنطن مصلحة رئيسة في تقييد موقف طهران العدواني المتضمن استخدامها للمليشيات بالوكالة والأنظمة المتحالفة معها في الشرق الأوسط.
في الوقت الحالي، لدى الولايات المتحدة استراتيجيتان متزامنتان في العراق: الأولى مواجهة تنظيم الدولة “داعش” بالقوات المسلحة العراقية، بصيغتها الرسمية تحت تسمية قوة المهام المشتركة – عملية العزم الصلب (CJTF-OIR)، والأخرى بشكل غير رسمي لمواجهة التهديد المتنامي لنشاط المليشيات المدعومة من إيران. وهي أهداف يجب تقييمها في واشنطن بناءً على مزاياها الخاصة.
إن التحدي الذي يواجه إدارة بايدن في العراق هو كيفية تحقيق التوازن المناسب بين توزيع القوة، والنفوذ السياسي، والردع، وتجنب عدم الاستقرار الذي يمكن أن يخلق مرة أخرى فراغًا في السلطة في العراق ويشكل تهديدات طويلة الأمد للأمن الإقليمي وعبر القارات. فعراق ضعيف يمكن أن يفتح الباب أمام صراع واسع النطاق يؤثر على طرق التجارة وحرية الملاحة، والوصول إلى الموارد الطبيعية، ومنافسة القوى العظمى، وتدفق المهاجرين إلى الشرق الأوسط وأوروبا، ولديه القدرة على إشعال فتيل العنف المفرط في المنطقة كلها.
تخفيض القوات
إن أول ما أشعل شرارة الانسحاب الأمريكي من العراق، لم يكن تصويتًا برلمانيًا عراقيًا لطرد القوات الأمريكية في تداعيات التصعيد بين إيران والولايات المتحدة على إثر مقتل قاسم سليماني، بل الضربات الصاروخية الباليستية على قاعدة عين الأسد الجوية في محافظة الأنبار الغربية التي كانت ضمن عملية الحرس الثوري الإيراني التي أطلق عليها اسم “عملية الشهيد سليمان”.
أثبت الهجوم على عين الأسد أن قدرات الضربات الإيرانية تتقدم، مما جعل العديد من قواعد العمليات العسكرية معرضة للخطر؛ كانت القوة المادية للصواريخ العشرة هائلة لدرجة أنها فجرت موزعات الصابون على الجدران، وأوقفت المولدات الكهربائية، وخلقت حفرًا كبيرة مليئة بالركام. كان لدى الأفراد دقائق فقط للاختباء في مخابئ القاعدة، مما أدى إلى إصابة 109 من الأفراد الأمريكيين بإصابات في الرأس.
صُممت مخابئ قاعدة عين الأسد، لمواجهة مخاطر مقذوفات صاروخية غير موجهة، وليست صواريخ باليستية موجهة بشكل متكامل ذات إمكانية أكبر لإحداث تأثير مباشر وإلحاق المزيد من الضرر. أثبتت عين الأسد أنها جرس إنذار كبير لمهمة الولايات المتحدة في العراق، وأقنعت قوة المهام المشتركة CJTF-OIR والقيادة المركزية الأمريكية بأن وضع قوتها المنتشرة وقواعدها الكبيرة جعلتها معرضة بشكل خطير لهجمات متتالية من الحرس الثوري الإيراني. والمليشيات العراقية المتحالفة معها، لا سيما مع تقدم برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني.
خلال الأشهر الأخيرة من عام 2020، نفذت الولايات المتحدة استراتيجية انسحابات سريعة الخطى، حيث سحبت الأصول والأفراد من ثماني قواعد، بما في ذلك المواقع المهمة استراتيجيًا في القائم، قاعدة كي ون الجوية (K-1)، ومعسكر التاجي، وقاعدة التقدم الجوية، ومطار القيارة الغربي. مع انسحاب الولايات المتحدة طوال العام الماضي، أدت القذائف الصاروخية المتكررة التي تدعمها إيران والهجمات المقذوفة غير الموجهة التي تُطلق على الكتف على مواقع الولايات المتحدة والتحالف وقوات الأمن العراقية، جنبًا إلى جنب مع جائحة كورونا COVID-19، إلى تسريع وتيرة عمليات إعادة الانتشار وأوقفت العمليات والتدريبات الأمريكية العراقية المشتركة ضد تنظيم الدولة “داعش” لعدة أشهر.
قبل الذكرى السنوية لوفاة سليماني وبحلول 15 كانون الأول (ديسمبر) 2020، أعلن البنتاغون أنه أكمل جولته الأخيرة من الانسحاب بسحب 500 جندي. وبحلول نهاية العام، بلغ حجم القوة الأمريكية في العراق 2500. خلال عملية الانسحاب، أكدت قوة المهام المشتركة – عملية العزم الصلب على أن قرارها لم يكن رد فعل على هجمات المليشيات المرتبطة بإيران، بل كان نتيجة ثانوية للاستقرار العراقي وقدرة قوى الأمن الداخلي على الوقوف على قدميه من دون مساعدة من التحالف. إن هذا الإعلان يمكن الولايات المتحدة من حرمان الحرس الثوري الإيراني ووكلائه من رواية النجاح التي ربطت هجمات المليشيات على الأصول الأمريكية بهدفهم النهائي المتمثل في إخراج الولايات المتحدة من العراق. ومع ذلك، على الرغم من تأكيدات واشنطن على الاستقرار، هناك عدد لا يحصى من نقاط الضعف في المشهد الأمني العراقي واضحة جدا.
نقاط الضعف التشغيلية والهيكلية لقوى الأمن الداخلي
بينما يعد تقليص عدد الأفراد الأمريكيين وعمليات نقل القواعد خلال عام 2020 بأنها تتماشى بشكل أساسي مع خطط وزارة الدفاع طويلة الأمد، إلا أن عمليات دمجهم في ظل جائحة COVID-19 وسلوك فصائل الحشد الشعبي المدعومة من إيران كشف عن نقاط ضعف داخل الجيش العراقي، ولا سيما وجود فجوة عملياتية كبيرة بين جهاز مكافحة الإرهاب وقوى الأمن الداخلي. أحرزت قوى الأمن الداخلي، على مدى أكثر من عام، القليل من التقدم لتكون مستقلة من الناحية التشغيلية عن مساعدة قوة المهام المشتركة CJTF-OIR . أوضح تقرير فصلي للكونجرس صدر في نوفمبر/ تشرين ثاني 2019 عن عمليات المهام المشتركة، بأن قوى الأمن الداخلي سعت بصعوبة من أجل “إيجاد ومعالجة ” أهداف ووصف قدراتها الاستغلالية بأنها “غير موجودة فعليًا”. بينما سجل التحالف العديد من التحسينات في قدرات قوى الأمن الداخلي، إلا أن سلسلة من التوقفات في كل من التدريب ومهام مكافحة تنظيم الدولة “داعش”، قد هدد بإحراز تقدم في قدرات تلك القوى.
يحتاج العراق إلى إنفاق ما بين 6٪ و 7٪ من ناتجه المحلي الإجمالي ليكون قادرًا على الوقوف بمفرده من دون الاعتماد على معلومات، والخدمات اللوجستية، والدعم الجوي والأرضي، والمشورة التكتيكية للتحالف. بالنسبة للاقتصاد العراقي الذي دمرته الآثار الاقتصادية للوباء والسياسات المالية السيئة، وهو يعاني من أسوأ انكماش للناتج المحلي الإجمالي منذ عام 2003، فإن الإنفاق بنسبة 6-7٪ هو حلم بعيد المنال.
إن ما يفاقم مشاكل الميزانية العراقية هي سلسلة من مشاكل المشتريات والصيانة التي أضعفت بشكل كبير القدرات العملياتية لقوى الأمن الداخلي والقيادة والسيطرة المؤسسية. لا تزال قوى الأمن الداخلي تواجه صعوبات من أجل تشغيل منصات أسلحة متعددة الأنظمة والحصول على المعدات، وغالبًا ما تحصل على منصات ذات تكلفة عالية تمنع شراء المعدات بكميات كبيرة وبالتالي تصبح مكلفة للغاية من أجل العمل، مثل برنامج F-16 العراقي.
بالإضافة إلى ذلك، فإن النظام متعدد المنصات (أنظمة تشغيل مختلفة) يضر بقدرة قوى الأمن الداخلي على بناء تشكيلات أكبر وسن عمليات نقل داخلية بين الوحدات، بسبب الحاجة إلى الوقت الإضافي والتكاليف اللازمة لتدريب الأفراد على منصات منفصلة، مما يحول دون تكامل قوات الأمن المحلية في العراق وتكاملها على نطاق واسع.
عمليات النقل الأساسية وعملية العزم الصلب في سوريا
أدى انسحاب الولايات المتحدة من عدد من القواعد شمال العراق وغربه إلى إفساح المجال لتمدد نفوذ المليشيات وعزل قوات المهام المشتركة، عملية العزم الصلب CJTF-OIR شمال شرقي سوريا. وعلى الرغم من أنه تم نقل معظم القواعد إلى قوى الأمن الداخلي، إلا أنها لا تزال قابلة للاستغلال بسهولة من قبل الجماعات “الشيعية” المتحالفة مع إيران والتي تعمل تحت مظلة مليشيا “الحشد الشعبي” لتعزيز تهريب الأسلحة والمقاتلين وسلع السوق السوداء التي يديرها الحرس الثوري الإيراني إلى سوريا. وتعد مدينة القائم على وجه الخصوص نقطة ساخنة لمليشيا “الحشد الشعبي” مثل حزب الله، وهي مليشيا متحالفة مع الحرس الثوري الإيراني وتتمتع بالفعل بشبكة كبيرة من السيطرة على المعابر الحدودية والطريق الذي يمر عبر محافظة الأنبار إلى سوريا. ويشير إلى أن القوات الأمريكية في القائم وقواعد إقليمية أخرى بدأت، منذ سنوات، بجمع المعلومات الاستخبارية وعمليات خاصة عبر الحدود وضربات مدفعية لمنع المسلحين من عبور الدوريات الحدودية الضعيفة بحثًا عن ملاذ في العراق. لقد أثار نقل قاعدة القائم ومعدات بقيمة 900 ألف دولار خلال آذار/ مارس 2020، احتمال حدوث فراغ أمني يمكن أن تملأه الجماعات المتحالفة مع إيران، مع قدرة المليشيات المرتبطة بمليشيا “الحشد الشعبي” على المناورة بوحدات قوى الأمن الداخلي الضعيفة التي ورثت القاعدة لتعزيز سيطرة أكبر على طول المنطقة.
بدون الوجود الأمريكي أو سيطرة قوات الأمن العراقية القادرة على هذه القواعد على طول الحدود العراقية السورية، ستواجه حملة قوات المهام المشتركة CJTF-OIR تحديات أكبر، مع زيادة محتملة في وجود الحرس الثوري الإيراني والمليشيات العميلة شمال شرقي سوريا وانخفاض الدعم اللوجستي والاستخباراتي الإقليمي في العراق المجاور.
نصيحة للبيت الأبيض
ليست هناك حاجة لإعادة اختراع العجلة في العراق. يمكن لإدارة بايدن أن تبدأ خطها الأساسي نحو المسارح الأكثر تقليدية في أوروبا الشرقية والمحيط الهادئ، وتفصل العراق عن استراتيجية “الضغط الأقصى” التابعة لعهد ترمب ضد إيران، وتجنب توجهات بناء الدولة التي اعتمدتها الإدارات السابقة، وتحقيق توازن بين نزع السلاح وزيادة المشاركة الدبلوماسية واستمرار الدعم السياسي والاقتصادي.
من المهم أن تقوم واشنطن بصياغة سياسة خاصة للعراق حيث تكون معالجة الأنشطة الإيرانية الخبيثة هدفًا واحدًا و ليس الهدف الكلي. كذلك فإن للولايات المتحدة منافسين آخرين في العراق. حيث أدى التوغل العسكري التركي في المنطقة الكردية الشمالية من العراق، بالإضافة إلى المنافسة مع الصين وروسيا بشأن شراء الأسلحة وفرص الاستثمار، إلى جعل العراق منطقة جادة ومتنازع عليها. يجب أن تتضمن السياسة الجديدة مجموعة متنوعة من الفرص أبعد من الجانب العسكري، لتعزيز الحكم السيادي العراقي، بما في ذلك المساعدة والتنمية طويلة الأجل، وزيادة المشاركة الدبلوماسية، ودعم الإصلاحات السياسية والاقتصادية لتحقيق الاستقرار على المدى الطويل.
إن مراجعة السياسة الضرورية تجاه العراق تأتي وسط مناخ سياسي دقيق حيث يكون التوقيت مهمًا . فمع اقتراب الانتخابات البرلمانية العراقية المقرر إجراؤها في تشرين الأول (أكتوبر) 2021، يجب على الولايات المتحدة ضمان عدم قيامها بأي تحرك مفاجئ أو جذري في العراق يمكن أن يعرض نفوذه في بغداد للخطر ويمكّن المليشيات التي ترعاها إيران.
يجب ألا تنشغل الولايات المتحدة في “فخ الأرقام” الذي كان يشغل الإدارات السابقة، وأن لا تركز بشكل مفرط على تعداد القوات الفعلي. وإنما يجب التركيز على هدف المهمة بشكل عام وتوازن القوة الأوسع الذي ترغب في تحقيقه في العراق. فمع تقليص الوجود الأمريكي بالفعل إلى 2500 جندي مقاتل في العراق ونقل القواعد الأكثر ضعفًا، لا يحتاج البنتاغون إلى بذل المزيد من الجهد في عملية الدمج. بدلاً من ذلك، يجب على واشنطن التركيز على تعزيز دفاعات قواعدها الحالية وعلى جهود الاستقرار الأمني والاقتصادي.
يجب أن تسعى إدارة بايدن إلى تعديل استراتيجية واشنطن في العراق ككل وليس فقط المهام الحالية لقوة المهام المشتركة، عملية العزم الصلب ضد تنظيم الدولة “داعش”، مع تحقيق الهدف النهائي المتمثل في نقل الأصول بسلاسة وبناء قوى الأمن الداخلي، بشكل كامل وتهيئتها كقوة مشاة خفيفة قادرة على مكافحة المتمردين والتهديدات الحضرية، والسيطرة على منافذ الدخول الوطنية، وإنشاء قيادة وسيطرة أكثر تكاملاً. يجب أن تظل فرص التدريب وتكامل المنصة لتحسين الوصول التشغيلي أولوية قصوى لـ CJTF-OIR في العراق، لا سيما في معالجة الفجوات بين جهاز مكافحة الإرهاب وقوى الأمن الداخلي. يجب على الإدارة إجراء مراجعة شاملة لتقارير CJTR-OIR قوة المهام المشتركة ربع السنوية حول تقدم المهمة ضد تنظيم الدولة “داعش” والقدرات التشغيلية لجهاز مكافحة الإرهاب العراقي من أجل تحديد مستوى التدريب المستمر والدعم العملياتي الذي يجب أن تقدمه الولايات المتحدة. مع الحفاظ على وضع أكثر تماسكًا في العراق واستمرار المهمة في سوريا، يجب على الولايات المتحدة تعديل القدرة التشغيلية داخل القواعد المجاورة أثناء التنسيق مع قوى الأمن الداخلي للاحتفاظ بالسيطرة على القواعد السابقة على طول الحدود العراقية السورية.
لقد استثمرت الولايات المتحدة، منذ حرب عام 2003، ما يقرب من 900 مليار دولار، وأكثر من 4500 شخص، وما يقرب من عقدين من البحث عن الذات في العراق، ولم تحقق استراتيجية ناجحة. إن المزيد من الانسحاب سيكون ضروريًا حيث تستعد الولايات المتحدة لمزيد من الصراعات التقليدية ضد الصين وروسيا، لكن يجب أن تكون واشنطن حذرة من التخلي عن العراق بالكامل. لا يزال الأمن البشري والاستقرار في العراق، وهو منتج رئيس للنفط وقلب الشرق الأوسط، يندرج بشكل مباشر ضمن المصلحة الوطنية للولايات المتحدة. ليس هناك حل سحري لتحقيق الأمن في هذا البلد. لكن يجب على إدارة بايدن تصميم استراتيجية شاملة للعراق مع مجموعة من الأدوات، باستخدام زيادة الفعالية الدبلوماسية، وتعزيز التدريب المشترك لقوى الأمن الداخلي، والدعم السياسي والاقتصادي كصيغة دعم لعملياتها العسكرية الحالية.
معهد الروابط الجديدة/ كارولينا روز
ترجمة وتحرير: راسام

