Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

ميليشيات الظلام في العراق .. تحديات أمام “بايدن”

القليل من الناس داخل العراق أو خارجه سمع عن ميليشيا “حراس الدم” قبل أن تعلن تلك المجموعة مسؤوليتها عن إطلاق مجموعة صواريخ على مدينة أربيل في الشهر الماضي مستهدفة قاعدة عراقية تستضيف القوات الأمريكية.
أدى ذلك الهجوم، إلى مقتل متعاقد مدني وجرح جندي أمريكي، وقد قاد إلى أول عمل عسكري للرئيس جو بايدن، حيث أمر الطائرات المقاتلة الأمريكية بشن ضربات في سوريا ضد الميليشيات العراقية المدعومة من إيران نهاية شهر شباط الماضي.
لقد كان الهجوم من قبل المليشيات اختبارًا مبكرًا لكيفية رد إدارة بايدن على الأعمال الاستفزازية من قبل المتشددين، كما أبرز الهجوم التحديات التي تواجهها واشنطن في سعيها لإعادة التواصل مع إيران بشأن اتفاقها النووي وتهدئة التوترات التي تصاعدت خلال رئاسة دونالد ترمب.
لقد كان من أبرز مخلفات الأعمال العدائية بين إدارة ترمب وإيران هو ظهور أكثر من اثنتي عشرة مليشيا ظل (مقاومة) غامضة في العراق، مثل (حراس الدم)، والتي صعدت من هجماتها ضد الأفراد والأصول الأمريكية خلال العام الماضي.
ويرى المحللون إن هذا النهج اكتسب زخما بعد أن اغتالت إدارة ترمب قاسم سليماني، أبرز قائد عسكري في إيران، وأبو مهدي المهندس، قائد مليشيا بارزة في العراق، في غارة أمريكية بطائرة بدون طيار بالقرب من مطار بغداد في كانون الثاني/ يناير 2020. إن الهدف المعلن من قبل العديد من هذه الجماعات هو الانتقام لمقتل سليماني والمهندس (أبطال المليشيات الشيعية).
لقد أضافت هذه الجماعات درجة أخرى من التشدد خلقت بيئة لا يمكن التنبؤ بها بشكل أكبر في دولة هشة أصلا تستضيف 2500 جندي أمريكي وتشهد صراعا أمريكيا – إيرانيا. إنهم يشكلون تهديدا كونهم عنصرا معقدا للحالة القائمة، في الوقت الذي يسعى فيه بايدن إلى الابتعاد عن حملة الضغط القصوى التي قادها ترمب ضد إيران، وتقليل التوترات الإقليمية، والعودة إلى الاتفاق النووي لعام 2015 .
قال سجاد جياد، الزميل في مؤسسة القرن ومقرها بغداد: “إن سبب وجود هذه الجماعات هو جر الولايات المتحدة إلى صراع”.
ويعتقد بعض المحللين أن إيران استخدمت وكلاءها في هجوم أربيل لزيادة الضغط على واشنطن قبل أي مفاوضات جديدة، على الرغم من قول البنتاغون إنه لم يعثر على دليل بضلوع إيران في الهجوم.
قال ريناد منصور، محلل العراقي، في تقرير نشرته صحيفة (جاثام هاوس) مؤخرا عن المليشيات: “يفترض الناس أن بايدن سيغير سياسة الولايات المتحدة في المنطقة بشكل كامل بين عشية وضحاها، لكنه ورث صراعًا ساخنًا للغاية وهناك أشياء مختلفة جدًا في حالة تغير مستمر”.
وأضاف أن ظهور مجموعات مجهولة ذات قيادات غير واضحة يجعل من الصعب على إدارة بايدن معرفة الجهة التي تواجهها، ويعقد آمال الحكومة العراقية في متابعة إصلاح أمني هادف.
إن الصورة مشوشة بحقيقة أن مجموعات (المقاومة) تعتبر واجهات لقوات شبه عسكرية مدعومة إيرانيا وراسخة ومتأصلة بعمق في الهياكل الأمنية والسياسية العراقية، بما في ذلك منظمة بدر والعصائب وكتائب حزب الله.
قال مسؤولو دفاع أمريكيون إن الضربات الجوية الأمريكية، التي أصابت منطقة حدودية عراقية تسيطر عليها الفصائل المتحالفة مع إيران، كانت تستهدف مليشيا كتائب حزب الله وكتائب سيد الشهداء – وليس الجماعة التي تبنت هجوم أربيل -.
وفي المقابل نفت مليشيا كتائب حزب الله تورطها في العملية، وهي المجموعة التي سبق وحملها ترمب مسؤولية هجوم صاروخي على القوات الأمريكية في العراق في ديسمبر/ كانون أول 2019 دفعه لإصدار أمر باغتيال سليماني. لكن مسؤولي دفاع أمريكيين قالوا إن أولئك الذين يعلنون المسؤولية هم “مجرد مجموعات واجهة تم إنشاؤها للمساعدة في إنكار مسؤولية الجماعات الأساسية”.
لقد توسعت الجماعات الأساسية في السلطة منذ أن تم حشدها مع المليشيات الأخرى عام 2014 لمواجهة تقدم تنظيم الدولة (داعش). واستفادت تلك الجماعات من دورها في هزيمة تنظيم الدولة لتعزيز قاعدتها الشعبية وتوسيع طموحاتها السياسية.
من الناحية الأمنية، هناك أكثر من اثنتي عشرة مليشيا تحت مظلة وحدات (الحشد الشعبي)، وهي قوة شبه عسكرية تضم أكثر من 100 ألف عنصر وحصلت من الحكومة على ميزانية قدرها 2.6 مليار دولار العام الماضي.
كما تُشير أصابع الإتهام إلى مليشيات الظل، بالإضافة إلى الهجمات على المصالح الأمريكية، بقتل وترهيب المتظاهرين السلميين والنشطاء والمنتقدين.
قال مايكل نايتس، الزميل في معهد واشنطن، إن إنشاء (الواجهات) هو استراتيجية طورها سليماني، الذي ترأس فيلق القدس الإيراني، الذراع الخارجية للحرس الثوري. فالمجموعات ذات الأسماء المستعارة تمنح المجموعات المؤسسة (إنكارًا معقولًا) حتى لا يضر بقاعدتها الشعبية .
وأضاف نايتس “إنه جزء معقول جدا من استراتيجية تقويض الدولة العراقية وفي نفس الوقت بناء هذه الجماعات سياسيا”. هؤلاء الناس يريدون الحصول على رواتب من (الحشد الشعبي). لكن في الوقت نفسه يريدون عصيان التسلسل القيادي العراقي والقيام بهجمات إرهابية داخل العراق وخارجه.
وقال منصور: “إنه من المفارقة بأن المهندس كان يعمل على فرض مزيد من السيطرة والمركزية على المليشيات قبل أن تقتله إدارة ترمب”.
وأضاف إن “اغتيال المهندس هز العملية المركزية غير المستقرة أصلا في العراق”. وفي الوقت الذي يرى فيه الكثيرون بأنه كان لاعباً رئيساً في حملة الحكومة العراقية على المتظاهرين عام 2019، وبالتالي يجب تصفيته، إلا أن تلك الضربة، مثل الأعمال العسكرية السابقة في البلاد، فشلت في حماية المحتجين بشكل أفضل… أو تعزيز مصالح واشنطن في الحد من النفوذ الإيراني”.
وذكر منصور إنه تحدث إلى مقاتلين في مجموعات (طليعية)، مثل مليشيا كتائب حزب الله، التي ليس لها قاعدة شعبية، وادّعوا أنهم لا يعرفون من هم قادتهم.
ويرى منصور أن التحدي الذي تواجهه واشنطن، هو “أن هذا الانتقام سيستغرق سنوات. هؤلاء الرجال لن ينسوا مقتل المهندس”.

اندرو انجلند و جلو كورنش/ فايننشل تايمز

ترجمة وتحرير: راسام

Exit mobile version