Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

المشاعر المعادية لإيران عند نقطة الغليان

أدانت إيران حرق قنصليتها في مدينة النجف الشيعية المقدسة عقب تصعيد قوات الأمن العراقية العنف ضد المتظاهرين الذين يرون بشكل متصاعد أن السلطات الإيرانية هي المسؤولة عن القمع.

إن الاحتجاجات المناهضة للحكومة التي بدأت في 1 أكتوبر / تشرين الأول، تبدو إلى حد كبير كانتفاضة عامة للأغلبية الشيعية في جنوب ووسط العراق. لقد أدت الحملة الحكومية إلى مقتل 350 شخصا على الأقل وإصابة 15000 شخص. كما قتل 28 محتجا آخر بالرصاص، 24 منهم في مدينة الناصرية، وأصيب 165 شخصا خلال الليل. وفي بغداد قال مسؤولون  – يوم الخميس الماضي – إن أربعة متظاهرين قتلوا وأصيب 22 آخرين.

لقد سمح المتظاهرون الذين اقتحموا القنصلية في النجف للموظفين الإيرانيين بالفرار دون إصابتهم بأي أذى، لكنهم أسقطوا العلم الإيراني واستبدلوه بعلم عراقي.  وفي أماكن أخرى من النجف، وفي مدن جنوب العراق الأخرى، نظموا اعتصامات وأغلقت الطرق المؤدية إلى ميناءي العراق الرئيسيين في أم قصر والزبير.

في أعقاب حرق قنصلية النجف، دعت طهران إلى استجابة “مسؤولة وقوية وفعالة” من قبل الحكومة العراقية.

لقد حاولت بغداد – بقوة –  الحد من أنباء الاحتجاجات وقتل المتظاهرين على يد القناصة ولكن دون جدوى.  حيث غالبا توثق لحظة وفاتهم بواسطة كاميرات الهاتف. وعلى الرغم من إغلاق حوالي تسع قنوات تلفزيونية وقطع الإنترنت لفترات طويلة، فقد تبين أن قمع المعلومات لا جدوى منه لأن الاحتجاجات واسعة الانتشار إلى درجة لا يمكن عزلها.

إن حرق القنصلية الإيرانية في مدينة النجف المقدسة له أهمية خاصة لأن المدينة موطن السلطات الدينية الشيعية برئاسة آية الله العظمى علي السيستاني. وتدميرها هو علامة على أن الكثير من الشيعة العراقيين تخلوا عن أي شعور بالتضامن الديني مع إيران كدولة شيعية. وقد أصدر السيستاني بيانات تدعو إلى إصلاح الحكومة ووضع حد للعنف على أيدي قوات الأمن، ولكن دون جدوى.

يبدو أن النخبة السياسية العراقية قد خلصت إلى أنها تواجه تهديدا وجوديا ويجب عليها أن تسحق الاحتجاجات بكل الوسائل الممكنة. ويمثل حرق القنصلية الإيرانية في النجف، مرحلة جديدة في تصاعد الأزمة.

ومن المرجح أن يقوم الجيش العراقي برد فعل أكثر عنفا. حيث أعلن إنه أنشأ “خلايا أزمات” عسكرية مدنية خاصة “لفرض الأمن واستعادة النظام”، على الرغم من أن إطلاق النار على المتظاهرين وقتلهم كان له نتائج عكسية ولم يؤد إلا إلى تأجيج الغضب الشعبي.

بدأت الاحتجاجات على نطاق محدود منذ شهرين مع مطالب باتخاذ إجراءات من جانب الحكومة لتوفير فرص العمل، ووضع حد للفساد وتوفير الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه. لقد كانت هناك مظاهرات حاشدة مع مطالب مماثلة في بغداد في عام 2016 والبصرة في عام 2018، وفي كلتا الحالتين كان هناك خسائر كبيرة في الأرواح، إلا أن شرطة مكافحة الشغب العراقية والقوات شبه العسكرية الموالية لإيران فتحت النار هذا العام على الحشود، مما أسفر عن مقتل 10 أشخاص على الأقل في اليوم الأول.

حوّل رد الفعل العنيف الذي قامت به السلطات احتجاجا صغيرا إلى أكبر تهديد للوضع السياسي الراهن في العراق منذ الغزو الأمريكي وسقوط نظام صدام حسين في عام 2003. ومنذ البداية أطلق القناصون النار على متظاهرين غير مسلحين وأصابوهم في منطقتي الرأس والصدر. كما حطمت الفرق شبه العسكرية محطات التلفزيون وداهمت المستشفيات التي عالجت المتظاهرين المصابين وقامت بضربهم واحتجازهم. ان العدد الصحيح للقتلى غير معروف، لكن من المرجح أن يكون أعلى بكثير من العدد الذي اعترفت به السلطات.

يقال إن الجنرال الإيراني قاسم سليماني – قائد قوة القدس التابعة للحرس الثوري – هو من خطط لهذا القمع الوحشي. ويبدو أنه قد نشط قبل الأوان بتحضير تدابير مضادة مخططة مسبقا ليتم تنفيذها من قبل مسؤولي الحكومة العراقية والقادة شبه العسكريين المقربين من إيران قبل وقت طويل، وقبل ان تشكل احتجاجات الشوارع أي تهديد حقيقي للوضع الراهن.

في الحقيقة إن المظاهرات كلها في المناطق الشيعية وليس في المناطق السنية أو الكردية وهذا ما يجعلها تهدد النخبة الشيعية الحاكمة بشكل خاص. فالنخبة معروف كونها تستنزف عائدات النفط، ولكن لفترة طويلة كان الكثير من الشيعة أكثر قلقا بشأن التهديد الوجودي الذي يشكله تنظيم الدولة (داعش) لمجتمعهم.

إن هزيمة تنظيم الدولة (داعش) بعد حصار الموصل الذي استمر تسعة أشهر في 2016 – 2017 ، جعل الشيعة العراقيين يشعرون بالأمان، لكن ذلك سمح لهم أيضا بالتعبير عن غضبهم من نقص فرص العمل والمرافق الأساسية، على الرغم من كونهم يعيشون في دولة من أكبر منتجي النفط في العالم. حيث بلغ إجمالي العائدات النفطية 7 مليارات دولار في شهر واحد في وقت سابق من هذا العام.

من المرجح أن تضاعف إيران دفعها نحو زيادة القمع مع استمرار الاحتجاجات في التوسع. حيث يروج القادة الإيرانيون وحلفاؤهم في العراق لنظرية المؤامرة، وهي تصوير الهجمات المناهضة للحكومة والهجمات المناهضة لإيران على أنها عمل من جانب وكلاء القوى الأجنبية مثل الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. وبالنظر إلى هذا التفسير للأحداث، فإن القمع يمكن أن يزداد سوءا.

 

اندبندنت / باتريك كوكبيرن

ترجمة وتحرير: رسام

Exit mobile version