الجيش العراقي يقتحم ميدان المعركة بقوة:
لقد بدأت طلائع القوات العراقية البرية بالوصول الى سوريا فجر يوم10/11تشرين الأول/أكتوبر، حيث وصل اللواء العراقي المدرع(12)بقيادة “المقدم الركن سليم الأمامي” الى منطقة “الغوطة” جنوب العاصمة “دمشق”، والذي تم نقله على الشاحنات الثقيلة لنقل الدبابات، التي تمكنت من نقل “كتيبة دبابات المعتصم” و”كتيبة دبابات قتيبة” و”الفوج الميكانيكي الثالث” مع “كتيبة مدفعية” و”بطرية لمقاومة الطائرات”، بينما تخلفت “كتيبة دبابات القادسية” نتيجة النقص الكبير في شاحنات نقل الدبابات، كما إن طلائع “اللواء الميكانيكي الثامن” بدأت بالوصول بنفس الليلة بقيادة “العقيد الركن محمود وهيب”، الذي ألتقى الرئيس السوري “حافظ الأسد” في ملجأ القيادة العامة للقوات السورية في “جبل قاسيون”، وأبلغه بوصول أولى قطعات الفرقة العراقية المدرعة الثالثة وأنها على مقربة من العاصمة “دمشق”، حيث تم توجيه اللواء الميكانيكي الثامن الذي بدأ يصل يباعاً بإعادة التزود بالوقود والاندفاع فوراً على محور دمشق- الصنمين- درعا، لأن القيادة السورية كانت تتوقع أن تقوم القوات المدرعة الإسرائيلية بحركة إحاطة واسعة لتطويق “دمشق” بجهد رئيسي على محور القنيطرة- غباغب- الكسوة- دمشق، مع جهد ثانوي على محور القنيطرة- سعسع- كناكر- الكسوة- دمشق، لتثبيت القوات السورية هناك.
أمر لواء أبن الوليد يصف دخوله للمعركة:
يصف أمر اللواء (12) المدرع “المقدم الركن سليم شاكر الأمامي” موقفه عند وصوله الى سوريا قائلاً: “كنت عند وصولي إلى كل مركز مروري أترجل من السيارة، وأسأل مسؤول المرور فيها، أو من أجده من العسكريين السوريين، إن كان هناك من مقر عسكري أستطيع الاتصال به؟، أو الاستفسار منه؟، عما سيؤول إليه حالنا ولكن دون جدوى، بل وفي إحدى النقاط اقترح علي ضابط سوري أن أذهب إلى الأركان العامة في “دمشق” إذ سأجد هناك كل ما أريد من إجابات لكل ما قد يخطر على بالي من أسئلة!، ولكني لم أكن لأفعل ذلك تحت أي ظرف من الظروف، إذ متى سأصل؟، ومتى سأعود؟، ثم هل سأبقي اللواء خلال رحلتي هذه يواصل سيره أم يقف على الطريق؟، وماذا لو كانت الأركان العامة قد أرسلت إلى أمراً ما !، أو أحد ممثليها وصل إلى مقر لواءي قبل عودتي!، فهل سأترك لهم توجيه اللواء؟،… قلت لصاحب الاقتراح لن أذهب إلى الأركان العامة، وسأواصل مسيري” وأضاف” بأن اللواء المدرع (12) تابع مسيره إلى “منطقة أنخل”، حيث حاول أمر اللواء التحدث مع المركز المروري هناك، وتكررت الاقتراحات بالعودة إلى الأركان العامة، حينها قال لهم أمر اللواء أنه سيواصل السير حتى “مدينة درعا” ثم سيدخل إلى الحدود الأردنية لأنه لن يسمح أن يطلع النهار لتغدو أرتال اللواء هدفا سهلا للطيران الإسرائيلي، حينها وصل ضابط سوري برتبة مقدم ذكر أنه أمر لواء مدرع وقد انسحبت قطاعاته، وأنه سيترك مواقعه في منطقة أنخل وهي جاهزة كموقع دفاعي جيد، فقام اللواء المدرع (12) بالانتشار في أنخل وأخذ المواقع الدفاعية قبل طلوع شمس يوم11أكتوبر.
بدأ اللواء المدرع (12) بالانفتاح بشكل تعبوي وقتالي ضمن قاطع يقع تحت مسؤولية “فرقة المشاة السورية الخامسة” والتي كانت تتواجد في “منطقة أنخل” بعد أن قاتلت بشكل تراجعي بعد أن تغير الموقف لصالح القوات الاسرائيلية، وتحولت القوات السورية للدفاع بسبب الهجوم الاسرائيلي المدرع المدعوم بإسناد جوي كبير وفعال، الأمر الذي غير الحسابات وقلب موازين القوى على الأرض بشكل كبير وخطير، حيث باشر اللواء المدرع (12) بعد تقديم إيجاز بسيط لقيادة اللواء من قبل ضابط الارتباط السوري عن الموقف بالتقدم على محور الصنمين- قيطة – كفر شمس – كفر ناسج – تل الشعار دون أي استطلاع مسبق لميدان المعركة المحتمل لمواجهة العدو الصهيوني المتقدم على هذا المحور، وقد واجهت القوات العراقية صعوبات في قلة المعلومات عن العدو، والدلالة، والتنسيق مع القوات الصديقة، وعدم تخصيص جهد جوي لدعمها، بالإضافة الى قلة المعلومات عن المنظومات الإدارية القريبة، التي تشمل نقاط العتاد، والوقود، والإخلاء الطبي، ومواقع التصليح والإنقاذ، يضاف لذلك إن هذه القوات كانت في حركة مستمرة مما يؤثر على قدراتها القتالية والبدنية، علماً إن هناك معارك عنيفة كانت تدور على محور تل الشعار- تلول المال- العدسية، حيث استبسلت القوات السورية في الدفاع عن أرضها، وقدمت الكثير من التضحيات لصد القوات المعادية، كما وردت معلومات تشير الى إن القوات المدرعة الاسرائيلية اجتازت “تل الشعار” وهي تتقدم نحو مفرق “سعسع” وقرية “كناكر”.
في يوم 12 تشرين الأول/ أكتوبر 1973 أصطدم اللواء المدرع (12) بتشكيل مدرع اسرائيلي في معركة تصادفية سريعة تفاجأت بها القوات الاسرائيلية، التي ذهلت من هذه القوات التي تقتحم ميدان المعركة بقوة تزيد عن (100)دبابة، وعجلة قتال مدرعة، حيث درات معارك عنيفة وقوية استطاعت فيها قوات اللواء المدرع (12) أن تكبد العدو خسائر كبيرة، أجبرتهم على التراجع والانسحاب الى الخلف، تاركين دباباتهم المدمرة، وجثث جنودهم، وقد تزامن ذلك مع دخول “اللواء الميكانيكي الثامن” الى منطقة “كفر ناسج” ليشكل قاعدة دفاع خلف اللواء المدرع (12)، وهنا وصلت المعلومات عن تطور الموقف الى القائد الاسرائيلي (لانير) الذي كان واقفاً على “تل الشعار” ويرصد بمنظاره الشخصي صعود سحابة كبيرة من التراب والدخان الأسود تلوح في الأفق، حيث أيقن القائد الاسرائيلي بأن الاستخبارات الاسرائيلية أخفقت وأخطأت في تقدير وصول القوات العراقية ودخولها المعركة، الأمر الذي أجبره على أصدر أوامره بوقف التقدم نحو العاصمة “دمشق”، وتغير ناصية قواته لمواجهة القوات العراقية التي هددت قواته المتقدمة بالعزل، والتطويق، وبهذا تحولت القوات الاسرائيلية من الهجوم الى الدفاع، وبهذا استطاعت القوات العراقية المدرعة أن تمنع سقوط “دمشق”، وتغير موازين القوى على الأرض، مع تتابع وصول القوات العراقية الى سوريا، حيث أكتمل وصول لواءين مشاة هما “اللواء الخامس” و”اللواء الميكانيكي (20)” وتم انفتاحهما للدفاع في القاطع الشمالي من جبهة القتال، كما أنفتح اللواء الاردني المدرع (40) في مفرق منطقة “شيخ مسكين” بالقاطع الجنوبي من الجبهة السورية.
تواصلت الاشتباكات مع القوات المدرعة الاسرائيلية يومي 13 و 14 تشرين الأول، وتعرض اللواء المدرع (12) واللواء الميكانيكي (8) الى قصف جوي عنيف من قبل الطيران الاسرائيلي، الذي ركز جهده الجوي على القاطع الأوسط، ليضرب منظومات الدفاع الجوي السورية التي فاجأت الطيران الاسرائيلي بمنظومات دفاع جوي حديثة مثل (الكافدرات – ومنظومة سام6- وكتائب مدافع الشلكا)، هذا بالإضافة الى (البيجورا – ومنظومة سام 3 وكتائب صواريخ الفولكا – ومنظومة سام 2)، التي تعرضت لضربات جوية اسرائيلية موجهة مما أضعف قدرتها على التصدي، ولكنها الحقت خسائر كبيرة بطائراتهم (فانتوم-أف4-سكاي هوك)، وقد استطاعت القيادات العسكرية العراقية أن تتغلب على الكثير من المعوقات من خلال التنسيق مع القوات السورية، لتوفير العتاد، والوقود، وتصليح الإعطاب، وأخلاء الجرحى والشهداء، علماً بأن الموقف بدأ يتصاعد بشكل خطير بعد أن كثف العدو من قواته المدرعة التي تراجعت من المحور الشمالي الى المحور المركزي (الأوسط) لمعالجة الموقف المرتبك، ولمواجهة القوات العراقية المهاجمة، كما نجحت القوات الصهيونية في استعادة مرصد “جبل الشيخ”، كما وصل في هذه الاثناء “الفوج الثاني قوات خاصة بقيادة الرائد الركن نزار الخزرجي” الى منطقة قتال اللواء المدرع (12)، واشتبك مع قوات العدو واستطاع تدمير (12) دبابة اسرائيلية.

