Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

محطات من تاريخ الحركة الكردية في العراق/ الحلقة السابعة: الأحزاب والحركات الكردية منذ عام 2003 ولغاية اليوم: أولا: الحزب الديمقراطي الكردستاني: تقييم عام ورؤية مستقبلية

شاهو القره داغي

يعتبر الحزب الديمقراطي الكردستاني من أقدم الأحزاب الكُردية على الساحة السياسية في كردستان العراق، حيث تأسس في عام 1946 بعد انهيار جمهورية مهاباد الكُردية في إيران، وبرز في نطاق سلسلة تطور الفكر القومي لدى الكُرد في العراق وخاصة بعد نشوء وأفول عدة أحزاب كُردية في الفترة التي سبقت تأسيس الديمقراطي الكردستاني مثل حزب هيوا (1938) و حزب رزكاري (1945) اللذين لعبا دوراً مباشراً في نضوج الجانب السياسي لدى الكُرد في العراق ومهدا لظهور أحزاب جديدة على الساحة السياسية والتي تمكنت من تجنب الأخطاء التي وقعت فيها الأحزاب السابقة وحافظت على نفوذها وبقاءها مثل الديمقراطي الكردستاني الذي يعتبر الحزب الأول حتى الآن على مستوى كردستان العراق ويسيطر على المناصب الرئيسية كرئاسة كردستان ورئاسة الوزراء والمناصب الأمنية الحساسة.

النشأة والجذور الفكرية

ترتبط الجذور الفكرية للديمقراطي الكردستاني بجذور مؤسسيها وخاصة الملا مصطفى البارزاني المنتمي لعشيرة البارزاني التي سميت نسبة إلى قرية بارزان مركز العشيرة ومقر مشيختهم، ومن الممكن أن نقول أن بداية بروز عشيرة بارزان في الساحة الكوردية كانت في عهد الشيخ عبدالسلام الذي ظهر كزعيم ديني ووطني في آن واحد كما يصفه مسعود البارزاني في كتابه “البارزاني والحركة الكردية”.
حيث أجرى الشيخ إصلاحات داخلية واجتماعية في مناطق سيطرته ونجح في جمع عدد كبير من العشائر تحت نفوذه، وتبلورت في عهده رؤية قومية بعدما حاول تحقيق الكثير من المطالب بخصوص اللغة الكردية وتعيين الموظفين في المناطق الكُردية ممن يجيدون الكُردية والمساهمة والمشاركة في الكثير من الثورات الكُردية التي اندلعت في بداية القرن العشرين والتي رفعت مطالب قومية والمزيد من الصلاحيات للكيانات الإدارية المحلية.
بعد تأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني في إيران والتطورات السريعة للأحداث، توصل مصطفى البارزاني ورفاقه إلى قناعة بضرورة تأسيس الحزب الديمقراطي الكردي في العراق أيضاً، وتم عقد المؤتمر التأسيسي الأول للحزب الديمقراطي الكردي (بارتي ديموكراتي كورد) الذي كان اختصاره (البارتي) في 16/8/1946 في دار فهمي سعيد في العاصمة العراقية بغداد بمشاركة (32) مندوباً وشخصيات وطنية كثيرة، وقد حضر حمزة عبدالله ممثلاُ عن البارزاني و محمود أحمد ممثلاُ عن الشيخ لطيف الحفيد وشخصيات أخرى من بقايا حزب هيوا ايضاً ، وخلال المؤتمر تم اتخاذ العديد من القرارات والبنود التي أكدت على “حق الشعب الكُردي في نيل حقوقه القومية والديمقراطية ضمن الوحدة الوطنية للعراق” وصياغة الشعار المشهور (على صخرة الاتحاد العربي-الكُردي يتحطم الاستعمار ومشاريعه وأذنابه” مع دعوات لإصلاح الحياة الاجتماعية والاقتصادية وتنمية اللغة الكردية “.

التطور الأيديولوجي للحزب
كان الحزب وطنياً وديمقراطياً في البداية، إلا أن الكثير من اعضائه المؤسسين كانوا يتبعون الفكر المارسكي مثل صالح الحيدري وإبراهيم أحمد الذي كان له تجربة منفتحة بصورة عامة، وأحيانا كان الحزب يعمل على تقديم نفسه كحزب ماركسي وخاصة بعد المؤتمر العام للحزب في كركوك عام 1953، إلا أن تأثير زعيم الحزب الملا مصطفى بارزاني كان يرجع الحزب إلى هويته الوطنية وقوميته الكُردية، وكانت هناك مشاكل بين التيار العشائري والديني في الحزب والتيار الآخر الذي كان يمتلك رؤية مختلفة ويسعى لإبعاد تأثير العشيرة والقبيلة عن الحزب وهذه الصراعات منذ بداية تأسيس الحزب تسببت في انشقاق بعض القادة من الحزب وتأسيس الاتحاد الوطني الكردستاني لاحقاً – وهو ما سنتحدث عنه بالتفصيل في الحلقات القادمة.
ومنذ بداية الحزب ظهرت فيه ثلاثة تيارات رئيسية:
الأول: التيار العشائري بقيادة الملا مصطفى البارزاني مؤسس ورئيس الحزب.
الثاني: التيار اليساري الماركسي متمثلاً بالأعضاء السابقين في حزب شورش .
الثالث: تيار المثقفين القوميين وعلى رأسهم المحامي إبراهيم أحمد الذي كان على خلاف دائم مع التيار الآخر وكان سبباً لظهور الاتحاد الوطني الكردستاني لاحقاً.

أهداف الحزب على المستوى المحلي والإقليمي والدولي
للحزب الديمقراطي الكردستاني مجموعة من الأهداف على المستوى القومي والوطني والإقليمي والدولي، فعلى المستوى القومي يهدف الحزب إلى الدفاع عن الحقوق الكُردية في العراق وحماية التواجد الكُردي وتوثيق العلاقة مع سائر الأحزاب والمنظمات الكُردية لتحقيق الأهداف القومية المشروعة بصورة سلمية، والمساهمة في تدويل القضية الكُردية في إطار المنظمات الدولية الإقليمية.
بينما على المستوى الوطني يهدف الحزب إلى تحقيق التعددية السياسية وإرساء النظام الديمقراطي البرلماني الفيدرالي في العراق لضمان حق المواطنة الكاملة لكل العراقيين وحماية مكانة العراق دولياً وضمان استقلاله وترسيخ الوحدة الوطنية في كردستان والعراق ومعالجة القضايا العالقة بين الحكومة الكردية والمركز وفق الدستور، إضافة إلى ترسيخ مبدأ التعايش وروح التسامح بين كافة المكونات من القوميات والأديان والمذاهب وباقي الفرق.
أما على المستوى الإقليمي والدولي، فيهدف الحزب إلى تقوية العلاقات الودية بين كردستان ودول الجوار وتعزيز مبدأ المصالح المشتركة والاحترام المتبادل وحسن الجوار، والتمسك بأهداف الأمم المتحدة ومبادئها واحترام المعاهدات الدولية.

التأثير السياسي للديمقراطي الكردستاني
كان ولا زال الديمقراطي الكردستاني منذ تأسيسه في العام 1946 الفاعل السياسي الأول والأبرز على الساحة السياسية في كردستان العراق، خصوصا بعد نجاحه في التحول إلى غطاء لجمع كافة الأطراف والأفكار والشخصيات الوطنية التي كانت تسعى لتطوير الفكر القومي والمساهمة في تقديم عجلة القضية الكُردية إلى الأمام، واستمر تأثير الديمقراطي الكردستاني منذ تأسيسه وحتى إعلان الحكم الذاتي عام 1970 ، الذي يعتبر إنجازاً تاريخياً للقضية الكُردية ودرساً مهماً في إمكانية معالجة هذه القضية بالتفاوض والطرق السلمية بعيداً عن السلاح والنزاعات المسلحة.
شكلت اتفاقية الجزائر بين الحكومة العراقية والإيرانية ضربة موجعة على الديمقراطي الكردستاني الذي أصبح أمام خيارات ضيقة منها الاستسلام والتخلي عن المكاسب والبقاء في العراق أو الخروج من العراق إلى ايران أو دول أخرى وترك النضال بعد توقف الدعم الإيراني للحزب وتخليها عن دعم الحركة الكُردية كنتيجة للاتفاق مع العراق ، وقد أدى هذا الاتفاق إلى تضاؤل تأثير الديمقراطي الكردستاني في كردستان العراق لاسيما مع بروز قوى أخرى على الساحة مثل الاتحاد الوطني الكردستاني الذي وجد الفرصة مناسبة لظهور قوى سياسية جديدة تستأنف النضال الكُردي بعد النكسة التي لحقت بالديمقراطي الكردستاني.
أعاد الديمقراطي الكردستاني تنظيم صفوفه من جديد بعد هذه الحادثة وحاول تجاوز الصدمة، وشارك أنصاره في الأحداث التي أعقبت خروج العراق من الكويت عام 1991، حيث استطاع الديقراطي الكردستاني مع بقية الأحزاب والحركات الكردية السيطرة على المدن الكردية في شمال العراق وإبقائها تحت سلطة الأكراد، وقد تقاسم الكردستاني الديمقراطي الحكم في كرستان مع الاتحاد الوطني الكردستاني بالتساوي لغاية الدخول في حرب أهلية بين الطرفين الكرديين التي استمرت حوالي أربع سنوات – من 1994-1998 – ثم المرور بفترة القطيعة، كان الديمقراطي الكردستاني في هذه الفترة يحكم مناطق نفوذه في أربيل ودهوك، بينما الاتحاد يحكم مناطق السليمانية والمناطق التي يسيطر على عليها خارج نزولا إلى منطقة كفري، ولكن بعد 2003 ونتيجة لاحتلال العراق دخل الحزبان في اتفاق استراتيجي وتحسنت العلاقات بين الطرفين، ووجد الديمقراطي الكردستاني فرصة ذهبية لتثبيت نفوذه في عموم كردستان عندما اتفق مع الاتحاد الوطني الكردستاني على تولي الاتحاد رئاسة جمهورية عراق وتولي الديمقراطي الكردستاني رئاسة كردستان، ونتيجة لهذا الاتفاق انشغل (جلال طالباني) في بغداد وتراكمت المشاكل الداخلية للاتحاد الوطني ما أدى إلى انشقاق حركة التغيير في عام 2009، ليكون الديمقراطي الكردستاني هو الحزب الأكبر والابرز في كردستان منذ ذلك الوقت.

نفوذ الحزب والحفاظ على الصدارة
على الرغم من تأسيس العديد من الأحزاب والحركات السياسية الجديدة في كردستان العراق، إلا أن الحزب الديمقراطي الكردستاني نجح في الحفاظ على مكانته ونفوذه وقوته داخل المنطقة، وفي الانتخابات العراقية المبكرة التي جرت في العاشر من تشرين/أكتوبر عام 2021، نجح الديمقراطي مجدداً في الحصول على أعلى الأصوات على مستوى الأحزاب الكردية في كردستان، وحل في المرتبة الرابعة على مستوى العراق بحصوله على 33 مقعدا برلمانيا ما يعزز من حضوره خلال الفترة القادمة وفي تشكيل الحكومة الجديدة، حيث بدأت الأطراف الفائزة كالتيار الصدري و ائتلاف دولة القانون بالمفاوضات مع الديمقراطي الكردستاني باعتباره الطرف الأقوى على الساحة الكردية.
يسيطر الديمقراطي الكردستاني على أبرز المناصب السياسية والإدارية والأمنية في كردستان العراق، حيث يشغل نيجيرفان البارزاني ابن أخ مسعود البارزاني منصب الرئاسة، بينما مسرور بارزاني نجل مسعود بارزاني يدير الحكومة، إضافة إلى أن الوزارات المهمة كوزارة الثروات الطبيعية والداخلية ومجلس أمن كردستان من حصة الديمقراطي الكردستاني، ومن الواضح أن التيار المسيطر داخل الحزب هو البارزانيين الذين يتحكمون بالمناصب العليا سواء داخل الحكومة أو الحزب، حيث يقود مسعود البارزاني رئاسة الحزب الديمقراطي، إضافة إلى وجود كيان بعنوان “مقر البارزاني” الذي يُجسد نفوذ مسعود البارزاني ويؤكد بقاء ثقله حتى الآن داخل المؤسسات الحزبية والحكومية، وكما تقول الخبيرة في الشؤون الكردية ميغان كونيلي “فإن عائلة البارزاني من شأنه أن ينافس الهيئات الحكومية كمركز ثقل لوضع السياسات، ويتم التأكيد على مركز البارزاني كمؤسسة بديلة تظهر بصورة أقوى من المؤسسات الحكومية .
وهناك عدة أسباب لبقاء الديمقراطي الكردستاني في الصدارة دون منافسة وخاصة بعد تراجع الاتحاد الوطني الكردستاني نتيجة للمشاكل والصراعات الداخلية في الحزب:
1. هناك مرجعية واضحة داخل الحزب الديمقراطي الكردستاني يتمثل بشخص (مسعود البارزاني) الذي يتمتع بقوة ونفوذ كامل داخل الحزب حتى بعد إجراء الاستفتاء الذي كان من تداعياته تخلي البارزاني عن منصب رئاسة كردستان، وبسبب وجود هذه المرجعية فإن الحزب قادر على الصمود أمام صراع الأذرع والمصالح التي قد تتشكل لدى القيادات الحزبية أو المسؤولين في الخط الثاني، وحتى في حال وجود مشاكل حزبية فإن هناك شخص قادر على ضبط الأوضاع ومنع تدهورها في الوقت المناسب.
2. إضافة إلى العلاقات المحلية مع الأطراف العراقية داخل البلاد، فإن للحزب علاقات قوية مع الدول والأطراف المجاورة (تركيا، إيران) والإقليمية (دول الخليج وغيرها)، إضافة إلى علاقات ودية وصداقة قوية مع دول عظمى كالولايات المتحدة الامريكية وفرنسا و بريطانيا وغيرها من الدول الأوروبية التي تسارعت إلى فتح القنصليات في مدينة أربيل لتعزيز العلاقات مع الديمقراطي الكردستاني بسبب عامل الاستقرار، وبالتالي يستفيد الديمقراطي من هذه العلاقات في تعزيز حضوره على المستوى الداخلي.
3. غياب أحزاب أخرى قادرة على منافسة الديمقراطي الكردستاني في كردستان، حيث أن الاتحاد الوطني الكردستاني الذي كان نداً للديمقراطي حتى عام 2009، بات اليوم منشغلاً بخلافاته الداخلية ناهيك عن خسارته في الانتخابات الأخيرة في معقله (السليمانية) لصالح (حركة الجيل الجديد) الذي تأسست قبل سنوات، وباقي الأحزاب المعارضة تعاني من المشاكل والصراعات الداخلية، ما يمنح مجالاً كبيراً للديمقراطي بالعمل بحرية في ظل غياب الخصوم الحقيقين القادرين على منافسته أو تشكيل خطر على نفوذه داخل كردستان.
4. احتكار المجال التجاري والاقتصادي والسيطرة على الإيرادات المالية واستخدام الأموال لبناء مشاريع (إعلامية) ضخمة ولوبي كبير للتسويق والترويج للديمقراطي الكردستاني داخليا وخارجيا، وبحسب النائب في البرلمان العراقي سوران عمر فإن رئيس حكومة كردستان يمتلك الحصة الأكبر في شركة (مجموعة ستير) التي تتكون من 12 شركة وبنكا واحدا و 10 شركات مشتركة من بينها شركة (كار) العملاقة في مجال الطاقة، ويؤكد النائب أن هذه الشركات تمتلك ثروة وإمكانية أكبر من الحكومة وتعمل بحرية دون الخضوع للإجراءات والقوانين الحكومية.
5. الديمقراطي الكردستاني أكثر مركزية من ناحية صنع القرار والتوجيه وأكثر مؤسساتية من ناحية التنظيم ، ويستغل الحزب الخطاب القومي للتأثير على الجماهير الكُردية ويقدم نفسه على أنه حامل مشروع الدولة الكُردية في العراق مستشهداً بالاستفتاء الأخير الذي أجري في عام 2017.

الديمقراطي الكردستاني والطموح العابر للحدود
إضافة إلى الأحلام والأهداف القومية لدى الديمقراطي الكردستاني داخل العراق، هناك محاولات لبناء نفوذ وتأثير على مستوى دول الجيران وخاصة مناطق التواجد الكُردي في كل من (تركيا، إيران، سوريا)، حيث نجح الديمقراطي الكردستاني – وبجهود شخصية من قبل مسعود البارزاني – في وساطته بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني والوصول إلى اتفاق للسلام والذي نتج عنه تأسيس حزب الشعوب الديمقراطي وساهم في إيقاف الحرب الدائرة بين الطرفين، فأثبت ذلك قدرة الديمقراطي الكردستاني على التأثير حتى خارج حدود كردستان العراق.
أما في سوريا فقد كان هناك اهتمام خاص من الديمقراطي الكردستاني بالقضية الكُردية في سوريا ومحاولات دائمة لتوحيد الرؤية الكُردية هناك، وقد أشرف مسعود البارزاني على تأسيس المجلس الوطني الكردستاني (تحالف يضم 15 مجموعة كُردية ) في أكتوبر/ تشرين الأول 2011 مع مقاطعة الأطراف القريبة من حزب العمال الكردستاني في الانضمام لهذا التحالف، ثم نظم البارزاني في يناير/ كانون الثاني 2012 لقاءً في أربيل للمعارضة الكردية السورية بحضور وزير الخارجية التركي داوود أوغلو، كما توسط البارزاني في 11 يوليو/تموز (2012) للوصول إلى اتفاق وحدة بين المجلس الوطني الكردي والاتحاد الديمقراطي تحت اسم (المجلس الكردي الأعلى) وتم تأطيره قانونيا في اتفاقية أربيل في يوليو/تموز 2012 .
وعلى الرغم من فشل محاولات الحزب الديمقراطي الكردستاني من بلورة مشروع كُردي جامع في سوريا تحت رعايته بسبب رفض حزب الاتحاد الديمقراطي – المسمى الآخر للعمال الكردستاني في سوريا – السماح لهذه المشاريع بالنجاح أو السماح لأطراف قريبة من البارزاني بالعمل في المناطق الكردية، إلا أن محاولات البارزاني كانت واضحة في لعب دور أوسع في كردستان سوريا وتقديم نفسه كمرجع كُردي في مواجهة الأحزاب الأخرى التي تتبع عبدالله أوجلان وتعتبره (زعيما روحيا) لها.
أما في إيران فقد يبدو التأثير أقلا في ظل القبضة الأمنية الإيرانية على المناطق الكُردية، وعلى الرغم من ذلك فإن الديمقراطي الكردستاني قد فتح المجال أمام الأحزاب والشخصيات المعارضة الكُردية للنظام الإيراني بالتواجد في كردستان والعمل بحرية ، وهو الأمر الذي أزعج النظام الإيراني ودفعه لاتهام أربيل مرارا بدعم الجماعات الكُردية المعارضة لطهران والتهديد بالتدخل العسكري لإنهاء التهديدات الأمنية ما لم يتوقف الديمقراطي عن هذا الدعم.
إن هذه النشاطات الخارجية والتفاعلات مع القضايا الكُردية في مناطق الجغرافيا الكُردية في المنطقة تكشف مساعي الديمقراطي الكردستاني بلعب دور عابر للحدود وتشكيل مرجعية كُردية تابعة له عموماً ولمسعود البارزاني خصوصاً، وعلى الرغم من التحديات التي تواجه هذا المشروع إلا ان الإمكانيات المادية المتوفرة وحالة الاستقرار الموجود في كردستان العراق يدفع بالحزب إلى لعب هكذا أدوار بصورة مستمرة لتحقيق أهداف استراتيجية بعيدة المدى.

مستقبل الحزب في ظل التحديات الراهنة
على الرغم من نجاح الحزب في رفع مقاعده البرلمانية في الانتخابات الأخيرة إلا أنها خسرت الكثير من الأصوات وخاصة في بعض معاقلها في محافظة دهوك نتيجة للسياسات التي ينتهجها الحزب في أربيل ودهوك فيما يتعلق بملف حقوق الانسان والحريات، حيث تتميز مناطق نفوذ الديمقراطي الكردستاني بوجود رقابة عالية وقبضة شديدة وتضييق للحريات، فخلال الفترة الماضية تم اعتقال عشرات الصحفيين والناشطين في محافظة دهوك وإدانتهم بمحاولة إسقاط الحكومة وزعزعة الأمن، وقد دفعت هذه الإجراءات والأحكام التعسفية نحو صدور بيانات تنديد من قبل الولايات المتحدة الامريكية وألمانيا وكندا و فرنسا والعديد من المنظمات الحقوقية.
وعلى الرغم من محاولات الحزب تقديم صورة إيجابية عن حالة حقوق الإنسان في مناطق نفوذه إلا أن هذه التصرفات تساهم في تقويض هذه الصورة وزعزعة سمعة كردستان على المستوى الدولي، وبخصوص هذه النقطة تقول ميغان كونيلي الخبيرة في القضايا الكردية في أمريكا إن “كردستان العراق لديها حكومة – بشكل ما – منذ 30 عاما، فالجيل الأول من القادة الاكراد التزموا علنا بتطوير حكومة ديمقراطية، إلا أن الجيل الجديد من القادة أكثر التزاما بفكرة الحكم الاستبدادي، إنهم يتجاهلون فكرة أن للديمقراطية دور مهم”.
إضافة إلى ملف الحريات فإن الحزب الديمقراطي الكردستاني مُتهم باحتكار النشاط التجاري واستغلال الحكومة لخدمة المصالح الحزبية، حيث أن الشركات الحزبية تسيطر على السوق بشكل شبه كامل، إضافة إلى غياب الشفافية في إيرادات النفط والمنافذ الحدودية والإيرادات الداخلية، وعدم تفعيل آلية فعالة لمكافحة الفساد داخل مؤسسات الدولة، وعلى الرغم من تصدير الحكومة الكردية للنفط ووجود العديد من الإيرادات إلا أنها عاجزة عن دفع رواتب الموظفين بصورة كاملة بدون مساعدة بغداد نتيجة للفساد المنتشر.
فضلا عن كل هذه المشاكل فإن الحزب يعاني أيضاً من أزمة عميقة في شعبيته وهويته، إذ يقول الصحفي الموالي سابقا للحزب الديمقراطي (ريبوار ولي) بأنه: ” لا يتم إعداد قادة جدد ومتمكنين ، ويركز معظم أعضاء المكتب السياسي للحزب على أنشطتهم التجارية بدلاً من السياسة، ولا يتم عموما تنفيذ إصلاحات سياسية وثقافية في الحزب”.
يبدو واضحا أن الديمقراطي الكردستاني نجح حتى الآن في البقاء في الصدارة والتحكم بالسلطات الفعلية والرسمية في كردستان في ظل غياب أي طرف آخر بإمكانه منافسة الحزب على المدى القريب أو المتوسط، أما على المستوى البعيد فمن الممكن أن يواجه الحزب تحديات حقيقية في حال الاستمرار في السياسات الحالية وعدم تنفيذ إصلاحات حقيقية على مستوى الحزب والحكومة.

————————————————————

المراجع
• مسعود البارزاني، البارزاني والحركة التحررية الكردية، كاوا للثقافة الكردية، ط1 ،بيروت، 1986، ص 27
صحيفة خبات ، ع 792، في 27/7/1996
• محمد رزكار، تاريخ الديمقراطي الكردستاني، مجلة “المعلومة ” الكردية https://2u.pw/QwdiP
• صلاح الخرسان ،التيارات السياسية في كردستان العراق، مؤسسة البلاغ للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، بيروت، 2001، ص 55
• الموقع الرسمي للحزب الديمقراطي الكردستاني ، نبذة عن الحزب
https://www.kdp.info/p/p.aspx?p=23&l=14&s=010000&r=390
• هكذا هيمنت عائلة البارزاني على الحكم بكردستان العراق، قناة الجزيرة ، https://2u.pw/7nUeo
• مساع لأردوغان وبارزاني لإعادة السلام بين أنقرة والأكراد، 15 نوفمبر 2013 ، الحرة https://2u.pw/PRb0D
• ريناد منصور، دور كردستان العراق في مسعى أكراد سوريا للحكم الذاتي، مركز الجزيرة للدراسات، 17 أكتوبر 2017 https://studies.aljazeera.net/en/node/3456
• كاوة حسن، المجتمع المسيّس في كردستان يواجه نظاماً سلطانياً، مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط،18 آب 2015
https://carnegie-mec.org/2015/08/18/ar-pub-61024

Exit mobile version