Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

قانون خدمة العلم بين فرضية التشريع وواقعية التطبيق(2-3)

هل المؤسسة العسكرية بحاجة الى تشريع قانون الخدمة الإلزامية:
إن ترويج هذا المشروع من قبل حكومة الكاظمي مع بقاء المؤسسة العسكرية العراقية على ما هي عليه الأن من إشكالات في البناء التنظيمي، والتسليحي يثير الكثير من التساؤلات، حول ما هية هذا القانون؟، الذي سيدخل المكلفين الجدد في أليات المؤسسة العسكرية المعمل بها حالياً، والتي هي مزيج غير متجانس من الفساد، والطائفية، والمنطقية، والأهواء السياسية والشخصية، والولاء للخارج، الأمر الذي يجعلنا نقول بأن الحكومة كان يجب عليها أن تقوم بإعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية على أسس رصينة وصحيحة، بحيث تكون فوق الميول الاتجاهات السياسية ،والمحاصصة الطائفية التي جاء بها المحتل، وأن تقوم بإعادة التوازن في جميع مؤسسات الدولة العراقية المدنية والعسكرية وإصلاحها، كون الظروف التي رافقت تشكيل هذه المؤسسات كانت ظروف غير طبيعية واستثنائية، وكان العراق يرضخ تحت الاحتلال المباشر الذي سعى لبناء مؤسسة عسكرية هزيلة على أسس طائفية لخدمة مشروعه السياسي وأهدافه في العراق والمنطقة بعيداً عن المعايير الوطنية، حتى أصبح الانتماء للمؤسسة العسكرية والأمنية محصورا بأحزاب سياسية وميليشيات مسلحة دون أن يشمل جميع العراقيين، وخاصة الميليشيات المسلحة التي جاءت مع الاحتلال وشكلت النواة الأولى لبناء القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، لذا فأن طرح هذا القانون هو محاولة من قبل بعض القوى السياسية التي تعمل على إعادة أنتاج نفسها من جديد في المشهد السياسي العراقي ولو كان على حساب المؤسسة العسكرية، أو الشباب العراقي العاطل، أو المصالح العليا للعراق، والذي يعاني من حالة عدم الاستقرار على كافة المستويات.
إن من مساوئ طرح قانون الخدمة الإلزامية من قبل الحكومة لتشريعه في البرلمان هو وجود وفرة عددية كبيرة في القوات المسلحة الحكومية، الأمر الذي سيتسبب بترهل المؤسسة العسكرية أكثر مما هي عليه الأن، خصوصاً وأنه لا توجد هناك تهديدات مباشرة للأمن القومي العراقي يستوجب من الحكومة والبرلمان فتح باب التجنيد الإلزامي للشباب، علماً بأن الدول المتقدمة تعمل بنظام التجنيد الطوعي في بناء الجيوش والأجهزة الأمنية كي لا يتقاطع مع نظمهم الديمقراطية، لأن طرح هذا القانون بشكل قسري سيقيد حرية الفرد ويجبره على الالتحاق بالمؤسسة العسكرية عنوة وهو كارهاً لها، خصوصاً وإن تفكيره في هذه المرحلة يميل الى بناء حياته الشخصية والعائلية، كما إن تمرير هذا القانون سيفتح ويضيف باباً جديداً من الفساد المالي والإداري، واستدرار الأموال والرشى من خلال دفع مبالغ نقدية لقاء عدم الانتظام في الدوام الرسمي، أو من خلال تسجيل جنود فضائيين، أو لقاء دفع بدل الخدمة الإلزامية(البدل النقدي)، وهذا سيؤدي إلى غياب العدالة، وعدم المساواة بين أبناء الشعب العراقي، الذي يعاني أصلا من الفوارق الاجتماعية والطبقية، كما أننا سنعود مرة أخرى الى مسألة الهروب من جديد والمضايقات والحواجز الأمنية، والى الكثير من المشاكل التي ستظهر أذا ما شرع هذا القانون مما سيزيد من تعقيد المشهد العراقي أكثر مما هو عليه الأن.
أنا أسأل رئيس الوزراء ماذا سيضيف الشباب المكلف من خلال التجنيد الإلزامي للجيش الحكومي؟، وهو يعاني أصلاً من مشاكل الطائفية والفساد والمحسوبية والمنسوبية والجنود الوهميين (الفضائيين)، كما إن الجيش الحكومي بعد(14)سنة من الاحتلال فهو لا يزال يعاني من عدم وجود قوة بحرية قادرة على حماية المياه الساحلية والإقليمية؟، كما أنه لا يمتلك قوة جوية قادرة على حماية الأجواء العراقية؟، بل أنه لم يتمكن من مراقبة أجوائه نتيجة النقص الكبير في المنظومة الرادارية، فالجيش الحكومي يفتقر الى التنظيم والتسليح في القوة الجوية، والبحرية، والدفاع الجوي، وهناك نقص كبير في البنى التحتية والقدرة القتالية، كما إن الجيش يفتقر الى وجود عقيدة عسكرية صحيحة، ورأينا كيف انهارت ثلاثة فرق عسكرية في مدينة الموصل أمام بضع من المئات من تنظيم الدولة وكيف خرجت عدداً من المحافظات عن سيطرة الحكومة، لذا يجب على رئيس الوزراء أن يعمل على بناء وتطوير المؤسسة العسكرية، وإعادة هيكليتها خيراً من زيادة القوة البشرية بوجود هذا الكم الهائل من الأعداد البشرية في الأجهزة الأمنية والعسكرية والتي انتهكت في زمنها الأراضي، والأجواء، والمياه الإقليمية والساحلية، حتى تحول العراق الى ساحة صراع دموي للتصفية الحسابات الدولية والإقليمية، لذا يجب على الحكومة أن تقوم بإصلاح المؤسسة العسكرية والأمنية بدلاً من اللجوء الى تشريع هذا القانون الذي لن يغير من المحاصصة الطائفية شيء، كما أنه لن يغير من سطوة الميليشيات الولائية التي تعمل خارج إطار الدولة والتي ساهمت في تصاعد موجة التوترات الأمنية على المستوى الداخلي والخارجي، بحيث أصبحت تصرح بأنها أقوى من تشكيلات القوات المسلحة الحكومية، كما صرح بذلك “هادي العامري” زعيم ميليشيا “بدر” أثناء استعراض ميلشياته المسلحة في محافظة صلاح الدين.
يجب على رئيس الوزراء أن يعرف جيداً بأن الجيوش الحديثة لا تقاس بالكثرة العددية وعسكرة المجتمع، وإنما يقاس من خلال تشكيل وبناء قوات نوعية يمكن تسميتها “بالجيوش الذكية” التي تمتلك قدرات تسليحية، وتكنلوجية نوعية ومتطورة، كما تمتاز بالمهنية، والحرفية، والعقيدة العسكرية الصحيحة، والقدرات التدريبية العالية والراقية، بالإضافة الى القوة النارية، وقابلية الحركة، وامتلاك قدرات تسليحية متطورة، تشمل: الطائرات المقاتلة بمختلف أنواعها، والطائرات من دون طيار، واقتناء مختلف أنواع الصواريخ، وامتلاك والمعدات، والتقنيات المتطورة، بما فيها الاقمار الاصطناعية التي تؤمن الكثير من المعلومات بالتصاوير الجوية التي تدخل في أعداد الخطط، بالإضافة الى المنظومات الاستخبارية التي تستطيع تأمين المعلومات الدقيقة واللازمة لمواجهة التهديدات المحتملة، مما يمكنها من تغير موازين القوى في الميدان، وهنا أسال ماذا سيعطي الجندي المكلف الذي سيخدم من خلال قانون الخدمة الالزامية من قوة للمؤسسة العسكرية؟، مع التطورات الكبيرة في الحرب الحديثة؟، ولماذا يتم التركيز على الكم على حساب النوع؟، وما هي الوطنية التي سيجلبها شباب خرجين ينتظرون أن يوظفوا في دوائر الدولة ثم يدفعون للخدمة الإلزامية التي ستجعلهم كارهين وباغضين لخدمة العلم!، لأنهم كانوا ينتظرون فرصة عمل!.
نقاط مهمة حول جدلية قانون الخدمة الإلزامية:
إن طرح قانون خدمة العلم جاء في ظروف معقدة، وغير مؤاتيه سياسياً، وأمنياً، واقتصادياً، واجتماعياً، وعلماً بأن طرح هذا القانون يفوق قدرات الكاظمي وفريقه الحكومي لأن فاقد الشيء لا يعطيه، فالخلافات سياسية كبيرة على المستوى الداخلي، ناهيك عن التدخلات الخارجية التي صادرت قراره السياسي والأمني، كما إن الانقسام المجتمعي كبير بسبب تخريب النسيج الاجتماعي الداخلي وبسبب سياسات الاحتلال، والسياسات الحكومية الطائفية للحكومات المتعاقبة، والتي أدت الى تفشي الطائفية، والعرقية، والمذهبية، والفساد المالي والإداري، وانتشار السلاح المنفلت الذي يعمل خارج إطار الدولة، لذا فأن هذا القانون هو جدلي تقف ورائه دوافع سياسية وطائفية لا تبت الى الوطنية بصلة، وهو محل جدل كبير في الأوساط السياسية، والشعبية، والشبابية، التي كانت تتأمل أن تكون هناك مشاريع حكومية صناعية، وزراعية، وتقنية، تحتوي الشباب العاطل بإيجاد فرصة عمل مناسبة له، بدل أن تلجأ للحكومة الى عسكرة المجتمع العراقي، وخاصة أصحاب الشهادات والخرجين الذين كانوا يطمحون الى التوظيف في دوائر الدولة، ثم يتفاجؤون بأن الحكومة قدمت لهم قانون الخدمة الإلزامية الذي سيضيف معاناة جديدة لمعانتهم.
إن طرح هذا التشريع يحتاج الى تحضيرات فنية، ولوجستية، وقضائية يتطلبها هذا القانون، ومنها إقرار القوانين اللازمة للمتخلفين ودوائر التجنيد، وجميع هذه الأمور لا يمكن تطبيقها في الوقت الراهن نتيجة الخلافات السياسية والانقسام الكبير بين الكتل السياسية، يضاف الى ذلك بأن الميزانية الحكومية لهذا العام تم اقرارها ومن المؤكد أنها سترحل الى السنة القادمة، وأذا كانت الدولة قادرة على توفير هذه المبالغ فلماذا لا تقوم بإيجاد فرص عمل للشباب بأنشاء مشاريع صناعية وزراعية وبناء المصانع، واستغلال الصحاري في بادية “السماوة”، و”الانبار”، و”الموصل”، لتوفير فرص عمل لتشغيل الشباب العاطل والقضاء على البطالة، خيراً من تنفيرهم، وتجنيدهم، والحاقهم بالمعسكرات، والرجوع لعسكرة المجتمع التي طال ما انتقدوها في الفترة الماضية؟، كما إن الحكومة لن تقنع الشباب العاطل بأن هذا القانون سيحل مشاكلهم!، أو أنه سيغير من مستقبلهم شيء!، بل أن طرح هذا القانون هو مجرد ضياع للجهود والطاقات والأموال، ولن تحل مشكلة البطالة بعد انتهاء فترة الخدمة، خصوصاً وإن العراق لا يعاني من قلة عددية في وزارة الدفاع والداخلية، وسينتج هذا القانون جيل باغض وكاره للجيش والدولة.

Exit mobile version