Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

دور الجيش العراقي في حرب فلسطين عام1948(4-4)

خطورة الهدنة الأولى على الموقف في فلسطين:
في11حزيران1948تم أيقاف أطلاق النار من الجانبين كهدنة لمدة أربع أسابيع، وهنا يقول “رئيس أركان الجيش العراقي الفريق الركن صالح صائب الجبوري” في مذكراته شعرت بخطورة الموقف، وإن الصهاينة بحاجة لهذا الوقت لإكمال نواقصهم، وتجهيزاتهم الإدارية، وقواتهم العسكرية، بما فيها الحصول على المؤن، وفتح الطرق، وتحصين المستعمرات، وتدريب واستقدام المقاتلين والخبراء، والحصول على طائرات جديدة، وجمع الأموال، وعملت على كتابة تقرير وقدمته بتاريخ15حزيران1948لوزير الدفاع، بينت فيه “خطورة الموقف، والخطأ الجسيم التي وقعت فيه القيادات العربية التي وافقت على الهدنة، وبينت خشيتي من حصولهم على أسلحة جديدة”، وخاصة سلاح الطيران، مما يكسبهم تفوق عسكري تفتقده القوات العراقية، وذكرت ضرورة التهيؤ لاستئناف القتال، وتهيئة الرجال، والسلاح، و”حذرت من العواقب الوخيمة التي ستترتب عن هذه الهدنة، التي تعتبر منتهية يوم9تموز1948حسب برقية القيادة العامة العراقية المرقمة (452)في8تموز1948″(1).

انتهاء الهدنة واستئناف القتال للجيش العراقي:
لقد جاء تقدير الموقف من قبل رئيس أركان الجيش العراقي أثناء أعلان الهدنة مطابقاً للتوقعات، بعد أن استغلت القوات الصهيونية هذه الهدنة فأكملت جاهزيتها القتالية، ووضعت خططها لمهاجمة مختلف المناطق العربية، وقد نفذوا هجومهم في9تموز1948، حيث ظهرت لديهم أسلحة ودبابات تستخدم لأول مرة ،وقد كانت الحركات تجري في قواطع الجيش العراقي كما يلي:
• قاطع جنين: لقد بقي العدو متحصناً ويسيطر على الراقم(152)في فترة الهدنة، وهو عبارة عن تل يقع في الشمال ويسيطر شمال بلدة “جنين”، من خلال نيران مدافع الهاون التي تعتبر السلاح الرئيسي في ذلك الوقت، كما إن التل يقع تحت تأثير نيران العدو الموجود في قرى “عرانة” و”جلمة” و”قيبلة” و”المعسكر البريطاني”، وهذا أوجب على القوات العراقية القيام بتطهير هذه القرى ثم السيطرة على منطقة التل، وفعلاً نفذ “اللواء الرابع” خطة تضمنت سلسلة من المعارك العنيفة بدأت يوم8تموز حيث تمت السيطرة على قرية “فقوعة” بعد قتال طويل، وفي10تموز تم احتلال قرية “قيبلة”، كما أرسلت قوة للهجوم على قرية “عرانة” وقريتي “دير الغزال” و”عربونة” لمنع وصول تعزيزات لقوات العدو الصهيوني، كما تم ارسال قوة من المتطوعين والمناضلين للهجوم على قرية “أم الفحم” و”عاره” لمنع القوات الصهيونية من مساعدة القواطع الأخرى، وبنفس الوقت تم الهجوم على الراقم(152)، بعد أن أرسلت سرية الى “عربونة” لتشكل قاعدة فيها، بينما تقدمت سريتان الى شمال “المعسكر البريطاني” فتم أحتلال قرية “جلمة” و”صندلة” وتم مهاجمة واحتلال التلال الكائنة “غرب المزار”، وقد أبدى العدو مقاومة شرسة ألا إن المدرعات العراقية تمكنت من إحاطة المنطقة “شمال مقيبلة” وهددت طرق مواصلاته باتجاه “العفولة “، واستمرت المعركة طول النهار والليل، وفي الصباح احتلت القوات العراقية مع المتطوعين الفلسطينيين سبعة قرى، والمعسكر البريطاني، ومطار مقيبلة، ووقفت على خط سفوح المزار، وخط صندلة- مقيبلة- عرانة-الراقم (152)، وفي11تموز1948تم أعادة تنظيم القوات، وتم أرسال دوريات مدرعة باتجاه “اللجون ” و”زرعين”، وهكذا تم السيطرة على منطقة واسعة وكبدت العدو خسائر كبيرة في الارواح والمعدات.
• قاطع طول كرم: هاجم العدو الصهيوني في يوم10تموز القوات المتواجدة في “رأس العين” وتم التصدي له ، ثم تكرر الهجوم على “رأس العين” و”المجدل” ولكنه فشل في ذلك ومني العدو بخسائر كبيرة، مما دفع العدو في11تموز1948الى مهاجمة قرية “الجراملة” فتم التصدي له من قبل المناضلون وقوات “الفوج الأول اللواء الأول”، كما حاول العدو التقدم على “رأس العين” فتم صدهم له كذلك، وفي يوم12تموز هاجم العدو “مجدل الصادق” ودامت المعركة ساعتين انسحب فيه المناضلون والمفارز المختارة تحت جنح الظلام، حيث تسبب تطور الموقف بقطع طريق “قلقيلة-رأس العين” نتيجة تعرضه لنار العدو، فقررت القيادة أحتلال قاعد أمنية في منطقة “بدية”، وخصصت لها القطعات اللازمة لتأخذ موضع دفاعي، كما أرسلت رعيل مدرعات يضاف الى الرعيل الذي يعمل بأمرة “اللواء الأول”، وأوعزت بتأمين الارتباط من “الفوج الأول التابع للواء الأول”، على أن يعمل على مراقبة الطرق القريبة بتجاه “مجدل يابا” و”مستمرة بيتح”، لتأمين انسحاب حامية “رأس العين” عند الضرورة.
• الهجوم المقابل: نظراً لأهمية “المجدل” والتلال المشرفة عليها وعلى “كفر قاسم” قرر “الفوج الأول اللواء الأول” استعادتها والمحافظة على الجناح الأيسر، فتم دفع سرية مختارة وعززها بالمناضلين وبأسناد رشاشات وبطرية مدافع(4،5) عقدة، على أن يتم ستر جناحها الأيمن من قبل المدرعات، فاحتلت “تل المقبرة” و”السفح الشرقي” للتل المشرف على “المجدل” والراقم(139)”، وكما احتلت القوة بعض مواقع العدو وكبدته خسائر كبيرة، ألا إن تعزيز العدو لقواته على طريق “كفار سركن- المجدل”، بوصول مدرعاته الى “المعسكر البريطاني” وتهديدها مؤخرة القوة أدى لفشل الهجوم، وانسحاب قواتنا الى التلال الشرقية.
• أخلاء رأس العين ونسف مشروع الماء: إن تقدم العدو في قاطع مسؤولية الجيش الأردني هدد الجناح الأيسر للقوات العراقية، وأحرج موقف حامية “رأس العين” حيث صدرت الأوامر بنسف مكائن الماء وانسحاب السرية من “رأس العين”، على أن يلاحظ عدم تسرب العدو ليلاً الى “المعسكر البريطاني”، وقطع الاتصال بين “كفر قاسم” و”رأس العين”، وفعلاً تم التنفيذ بالساعة (1600)يوم12 تموز.
• جلب فوج شرطة من العراق: حاولت القيادة العسكرية العراقية أن تناور بالقطعات من خلال أرسال فوج من الشرطة الى “جسر المجامع” في الأردن ليحل كبديل “للفوج الأول العراقي”، كي يتحرر ويتسنى للقيادة العراقية تحريك الأخير للقتال في “فلسطين” مع قواته العسكرية.
• معركة منطقة جلجولية: تقع هذه المنطقة على الطريق العام بين مدينة “قلقيلة” و”رأس العين”، وتتفرع منها طرق نيسمية الى “كفر قاسم” وهي عقدة مواصلات مهمة، وقد أرسلت قوة للسيطرة عليها والدفاع عنها، بينما حاول العدو التعرض عليها يوم13تموز1948، وهاجم الموضع الأمامية، وبعد أن تم تعزيز القوة هناك أنهزم العدو، ليعود مرة أخرى يوم14تموز ليقوم العدو بنسف القنطرة وزرع الألغام التي تم رفعها من قبل مفارز الهندسة، كما تم هجوم العدو يوم15/16تموز بقوة تصل الى(400)مسلح وتم صد الهجوم أيضاً، وفي يوم16تموز قامت قوة من “الفوج الأول اللواء الأول” بالهجوم على “المجدل” و”رأس العين” ألا أنها لم تستطع احتلالها لشدة المقاومة، وسرعة وصول التعزيزات من “رأس العين” و”بيتح تكفا” و”كفا سركن”، وفي يوم17تموز هاجم العدو موقع “جلجولية” متسللاً من حقوق الذرة فتم قصفه بالمدفعية، وتم اسكات رشاشاته وتكبد العدو خسائر كبيرة.
• الهجوم على مجدل يابا: شرع “الفوج الأول اللواء الأول” يوم18تموز1948بالهجوم على “مجدل يابا” واستطاعت القوة المهاجمة من الدخول الى القرية، ولكن وصول التعزيزات، وصمود العدو، أجبر القوة المهاجمة على العودة الى مواضعها الأصلية ليعلن عن بدء الهدنة الثانية.
• معركة منطقة عين شمير: بدأ القتال في هذه المنطقة بتبادل القصف بين المفارز الأمامية، مع تقدم قوة معادية من مطار “عين شيمر” و”مانيت” ليلة10نوفمبر1948فتم ارسال فصيل مدفعي الى “باقة الغربية” كقوة للحماية، فتم قصف “عين شمير” و”معملاً للسكر” و”مخفر الشرطة” وكان القصف موفقاً، كما قصف العدو المواضع الأمامية لمناضلي “الشعراوية في باقة” وتلال “قرية ميسر” وتم اسكات مدفعية العدو .
• القتال في تلال قرية ميسر: هاجم العدو تلال “قرية ميسر” على طرفي الوادي الممتد من الشرق الى الغرب بين مستعمرة “مانيت” و”قرية ميسر” وأجبروا القوة المدافعة على الانسحاب، وتم القيام بهجوم مقابل تسنده مدافع(4،5)عقدة التي أرسلت الى “باقة الغربية” وتم طرد العدو منها، الذي عاد مرة أخرى للهجوم على التلين، فتم ارسال تعزيزات مكونة من فصيل مشاة، وفصيل مدفعي، واشتبكوا مع العدو وأرغموه على الانسحاب، وتم تعقبه الى مستعمرة “مانيت” .
• أرسال فوج عراقي لمنطقة الجيش الأردني: لقد كان العدو الصهيوني ينوي التسلل والنفوذ باتجاه “رام الله” وإحاطة القوات العراقية المرابطة في “رأس العين” و”كفر قاسم”، فطلبت “القيادة العراقية” من “القيادة الأردنية” القيام بالهجوم المقابل، لاستعادة الأماكن التي أحتلها العدو في منطقتها بالسرعة الممكنة، لأهميتها وتأثيرها على سير العمليات العسكرية، ولكن عدم استجابة “القيادة الأردنية” جعلت الموقف يتطور لصالح العدو الصهيوني، خاصة بعد ما حصل في “اللد” و”الرملة” التي انسحبت منها “القوات الأردنية” بدون قتال، وسلمت الى القوات الصهيونية، لتقوم بتشريد أهلها في فاجعة مؤلمة وقاسية، وهنا كان لا بد “للقيادة العراقية” أن تتصرف خصوصاً بعد وصول “جحفل اللواء الثالث” من العراق، حيث تم أرسال “الفوج الأول اللواء الرابع عشر” الى منطقة “دير نظام”، التي كانت من مسؤولية “القوات الأردنية” وبهذا تمتد مسؤولية الجبهة العراقية الى أكثر من(160)كم.
الجيوش العربية توافق على الهدنة مع العدو الصهيوني:
إن موافقة الدول العربية على الهدنة بصورة منفردة أضعف الموقف الفلسطيني، وجعل اليهود يفرضون شرطهم على الدول العربية بعد أن موقفهم العسكري في هجوم أيار حرج جداً، مما دفعهم للموافقة على الهدنة الأولى لكسب الوقت، والحصول على الاسلحة، التي مكنتهم من تغير الموقف لصالحهم وفرض شروطهم في الهدنة الثانية، وكانت توقيع الدول العربية للهدنة (3)كما يلي:
• مصر توقع اتفاق الهدنة مع اسرائيل: في6يناير1949بدأت المحادثات بين مصر وإسرائيل في جزيرة “رودس” اليونانية، وبعد بفترة وافقت اسرائيل على فك الحصار عن اللواء المصري المحاصر في منطقة “الفالوجة” والسماح له بالعودة الى مصر بأسلحته، على أن تسلم المنطقة للقوات الصهيونية وفي 24 فبراير 1949تم توقيع أتفاق الهدنة بين البلدين.
• لبنان توقع اتفاق الهدنة مع اسرائيل: في23مارس 1949وقع لبنان أتفاق الهدنة مع الصهاينة في “رأس الناقورة”، على أن تسحب اسرائيل قواتها من(13)قرية لبنانية والتي تم احتلالها أثناء الحرب، على أن يكون خط الهدنة على طول الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين، أي ما يعرف بالخط الأخضر أو الخط الأزرق.
• الاردن يوقع أتفاق الهدنة مع اسرائيل: في3أبريل1949تم توقيع اتفاق الهدنة بين الأردن والصهاينة، على يسحب الأردن قواته الأمامية التي تشرف على “سهل شارون”، مقابل أن تسمح اسرائيل للقوات الأردنية الاستيلاء على بعض المناطق والمواقع التي كان يسيطر عليها الجيش العراقي.
• سوريا توقع اتفاق الهدنة مع اسرائيل: في20تموز1949وقعت سوريا على أتفاق الهدنة الدائمة مع الصهاينة.

مقابر الجنود العراقيين في فلسطين:
إن أنتشار الجيش العراقي على جبهة واسعة يزيد طولها على(110)كم جعلته يتحمل أعباء كبيرة في الدفاع عن هذه المساحات الواسعة التي تضم العديد من المدن والقرى الفلسطينية، وقد خاض الجيش العراقي منذ15 أيار 1948العديد من المعارك التي سقط فيها المئات من الشهداء والجرحى العراقيين، وقد ترك الجيش العراقي نتيجة هذه المواجهات والمعارك الكثير من المقابر المنتشرة في مدن “الطيرة”، و”طولكرم”، و”جنين”، و”كفر قاسم”، و”قلقيلية”، و”عرة”، و”عرعرة”، و”قرية الشجرة قرب الناصرة”، و”كفر كنا”، وقرى “عين غزال”، و”أجزم”، و”جبع في منطقة الكرمل” عند “الساحل الجنوبي لحيفا”، وقد كان لهذه التضحيات الدور الكبير في المحافظة على المدن والمناطق الفلسطينية، ومنع الصهاينة من دخولها أو السيطرة عليها، وخاصة المنطقة التي تعرف “بالمثلث العراقي” الممتدة من “كفر قاسم بالجنوب، وحتى مقيبلة، وصندلة في الشمال”.

المعوقات التي واجهت القوات العراقية في حرب فلسطين:
لقد واجهت القوات العراقية العديد من الإشكالات الادارية، والقتالية، واللوجستية، على حداً سواء وكما يلي:
• حاجة العراق لوسائط النقل الألية لإكمال وإدامة قواته العاملة في فلسطين، كونها قليلة، ولم تكن منظمة على أساس العمل خارج العراق، مما اضطرت القيادة الى شراء وتأجير واستكراء سيارات وباصات من مختلف الأنواع لتأمين وصول القوة الى شرق الأردن في الموعد المحدد لإكمال تحشيدها وتموينها قبل الحركات في يوم15أيار 1948، وهذا ما أوجد صعوبة في ترتيبها وإدارتها وأدامتها.
• طول خط المواصلات الذي يبلغ حوالي(1500)كيلو متر عن مراكزه الدائمية في العراق، الأمر الذي عقد مشكلة النقل وجعلها مرهقة وطويلة، وقد كانت السفرة الواحدة تستغرق عشرة أيام ذهاباً وإياباً.
• أمتناع الحكومة البريطانية عن تجهيز الجيش العراقي بأسلحة، وأعتدة، ومعدات وصواريخ، وأليات للنقل، لأسباب سياسية بسبب قضية فلسطين، رغم الاجتماع الذي جرى بين وزارة الخارجية بحضور وزارة الدفاع العراقية مع السفير البريطاني وعدد من المسؤولين، حيث تم تقديم طلبات لتجهيز القوة الجوية العراقية بمعدات، واسلحة، وصواريخ، كما تجري الأمور بالعادة من المستودعات البريطانية في مدينة “الحبانية” في حالتي السلم والحرب، وخاصة في الحركات الفعلية داخل العراق، ولكن هذه المرة تم تحويل طلبات الاسلحة والاعتدة التي تقدم بها العراق الى لندن، وفي2حزيران 1947تم فرض حظراً على العراق ولم نستلم شيء من الطلبات المقدمة.
• حاول العراق التشبث ورفع الحظر ولو جزئياً ألا إن تعند البريطانيين حال دون ذلك، مما أضطر العراق الى أرسال وفود الى أوروبا، وسويسرا، وإيطاليا، وفرنسا، وإسبانيا، ولكنهم لم يوفقوا في مهمتهم بسبب الحظر المفروض، وعدم ملائمة الشروط التي تقدمت بها البائعون، بالإضافة للتأثيرات الخارجية، وعدم مساعدة الموقف المالي.

أسباب فشل خطة الحركات:
بعد أن قررت الحكومات العربية اشتراك جيوشها في القتال الفعلي لمواجهة الصهاينة زاد الأمل، ولكن مع بدء تنفيذ خطة الحركات بانت جدية الأنظمة الحاكمة في ذلك، وخاصة من خلال مشاركة قواتها العسكرية في المعركة، والتي فشلت للأسباب التالية:
• لم تكن القوات العسكرية المشاركة في المعركة كافية لتنفيذ هذا الواجب الخطير، الذي يتمثل بتخليص فلسطين من الصهاينة، بحيث لم تكن قوات بعض الحكومات تتناسب من قواتها وجيشها وإمكانياتها وخاصة مصر.
• عدم تنفيذ أوامر القيادة العامة التابعة الى لجنة الجامعة العربية من قبل الجيوش العربية، وهذا ينسحب على مواقف الدول العربية وموافقتها على الهدنة واحدة بعد الأخرى.
• حداثة تأليف الجيش السوري، واللبناني، وقلة اسلحتهم وقواتهم وضعف تدريبهما.
• النفوذ البريطاني المسيطر على الجيش الأردني، والشكوك حول قيادته الأجنبية ونوياها الخفية، والتي حالت دون تنفيذ خطة الحركات، بل زادت على ذلك انسحبت من كثير من المدن والمواقع بدون قتال.
• الجيش المصري كان معول عليه في هذه المعركة من بين الجيوش العربية ولكنه أرسل لواء واحد فقط، مما فت من عضد المجتمعين، وظهر للعيان عدم كفاية القوات المخصصة للقتال، علماً بأنه في عام1946مر بالقاهرة ضابطان من الجيش العراقي وهما في طريقهما الى إنكلترا، وحضرا استعراض للجيش المصري، ومن جملة ما شاهداه تجهيزات لفرقتين كاملتين، وأرسلا تقريراً بذلك الى رئاسة أركان الجيش في بغداد.

الجيش العراقي يسلم قواطع المسؤولية الى الجيش الأردني:
نظراً لتطور الموقف ونتيجة القرارات السياسية التي اتخذتها الحكومات العربية بتوقيع الهدنة مع اسرائيل كلاً على حدة بداية من مصر، ثم سوريا، ولبنان، وأخيراً الأردن، الأمر الذي ترك الجيش العراقي بمفرده في الميدان، مما يفسح الفرصة والمجال لتركيز الجهد العسكري اليهودي على القواطع التي تسيطر عليها القوات العراقية، كما إن مماطلة وتلكؤ الاردن في استلام المناطق التي يسطر عليها الجيش العراقي من شأنه أن يخلق وضعاً خطيراً على يهدد سلامة القوات العراقية، خصوصاً وإن “الفريق غلوب” أفاد بأن سيضطر لأخذ إجازة في حال وافقت السلطات الاردنية على أستلام قواطع الجيش العراقي، وسيترتب على ذلك تعين خلفاً له يتحمل مسؤولية الاستلام، وفعلاً بعد الضغوطات تم تسليم قواطع المسؤولية في المناطق والمدن الفلسطينية الى الجيش الأردني وكما يلي(4):
• في6نيسان/ابريل عام1949سلم الجيش العراقي قاطع “دير نظام” للجيش الأردني.
• في7نيسان/ابريل عام1949سلم الجيش العراقي منطقة “المجامع” للجيش الأردني.
• في7/8نيسان/ابريل عام1949سلم الجيش العراقي قاطع “طولكرم” و”قلقيلة” و”كفر قاسم” للجيش الأردني.
• في8نيسان/ابريل عام1949سلم الجيش العراقي منطقة “وادي المالح” للجيش الأردني.
• في9نيسان/ابريل عام1949سلم الجيش العراقي المنطقة الواقعة بين “وادي المالح” و”طريق جنين”- “العفولة” للجيش الأردني.
• في11نيسان/ابريل عام1949سلم الجيش العراقي بقية قاطع “جنين- العفولة” حتى “باقة الغربية” للجيش الأردني.
• في14نيسان/ابريل عام1949سلم الجيش العراقي ما تبقى من قواطع المناضلين للجيش الأردني.

عودة الجيش العراقي من فلسطين الى الأردن والى العراق:
بعد أن عقدت الحكومات العربية المواجهة لفلسطين الهدنة الدائمة مع الكيان الصهيوني، وتوقف القتال، واستقر الموقف على ما كان عليه، لم تبقى حاجة لبقاء القوات العسكرية العراقية، خصوصاً بعد أن أخبر ملك الأردن وزير الدفاع العراقي بعدم وجود حاجة لبقاء القوات العراقية في فلسطين، حيث انتقلت القوات من “الضفة الغربية” وتم تحشيدها في “شرق الأردن” في منطقة “المفرق” و”الزرقاء”، وفي25نيسان أغلق مقر القيادة العراقية في “نابلس” وفتح في “الزرقاء” بنفس اليوم، حيث قررت القيادة سحب القوات العسكرية الى العراق، بعد أن صدرت الأوامر بعودتها حسب أسبقية الذهاب، وفي نهاية شهر تموز1949عادت جميع القوات العسكرية العراقية عدا أمرية خط المواصلات ومعاونياتها، وبعض أكداس العتاد، بعد أن دام بقائها سنة وبضعة أشهر عام1949، وقد تحدث “بن غوريون اول رئيس وزراء لإسرائيل” عن موقع “عارة” و”عرعرة” والمناطق المحيطة بها، عندما قال: “إنه فشل في احتلال المنطقة بثمانية الاف مقاتل إسرائيلي بسبب تحصينات القوات العراقية المرابطة في هذه المواقع ودفاعاتها الرصينة”، والتي كانت سببا في عدم نزوح السكان الفلسطينيين من تلك المناطق، وعدم تهجيرهم واحتفاظهم بها الى يومنا هذا.

الخاتمة:
لقد كانت مشاركة العراق كبيرة في دعم القضية الفلسطينية سواء كان ذلك على المستوى الرسمي أو الغير رسمي، فقد شارك العراق بقوات نظامية وصلت الى أكثر من فرقة عسكرية مع قطعاتها الملحقة بها، وقوات غير نظامية من خلال أرسال المتطوعين، كما شارك العراق بدعم مالي، وجوي، وسياسي، بالإضافة الى المشاركة الفاعلة لثلاثة قيادات عسكرية رفيعة المستوى في اللجنة العسكرية للجامعة العربية، التي قدمت التوصيات وشاركت في تقدير موقف، وبناء خطة الحركات والعمليات العسكرية المزمع أجرائها في فلسطين بعد15أيار عام1948، كما أشرفت هذه اللجنة على تشكيل وتنظيم “جيش الإنقاذ” الذي قاده “فوزي القاوقجي”، والتي ساهمت في تسلحيه وإمداده بالذخيرة، كما كان لهم دور كبير في أرسال المتطوعين، وتشكيل وتجهيز أفواجه، كما ساهم العراق في تشكيل الأفواج الفلسطينية(المتطوعين)ومنها “فوج الكرمل” الذي كان نواة “لمنظمة التحرير الفلسطينية”، لذا فقد لعب الجيش العراقي دوراً كبيراً في حرب عام1948، وقد التضحيات للدفاع عن المناطق والمدن الفلسطينية، كما إن الجيش العراقي هو الجيش الوحيد الذي لم يهزم في المعارك التي خاضها مع العدو الصهيوني، كما أنه الجيش الوحيد الذي لم يوقع على أية هدنة معه، ولعل الاحتفال المهيب الذي جرى لتوديع الجيش العراقي عند انسحابه من المدن الفلسطينية، وخاصة منطقة “باقة الغربية” تبين وشائج المودة والتقدير لهذا الجيش، الذي كان يتقاسم الأغذية والمؤن مع سكان المناطق التي كان يعمل فيها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
(1)كتاب: محنة فلسطين وأسرارها السياسية والعسكرية، الفريق الأول الركن صائب الجبوري، رئيس اركان الجيش العراقي، الطبعة الأولى عام1970.
(2)نفس المصدر السابق.
(3) كتاب نكبة فلسطين والفردوس المفقود1947-1952، تأليف عارف العارف- إصدار دار الهدى.
(4)كتاب: محنة فلسطين وأسرارها السياسية والعسكرية، الفريق الأول الركن صائب الجبوري، رئيس اركان الجيش العراقي، الطبعة الأولى عام1970.

Exit mobile version