Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

مدينة الطارمية: بين التحريض والابتزاز والتغير الديمغرافي!

 

المقدمة:
يبدو بأن الهجمات المسلحة تطل برأسها من جديد في مدينة الطارمية لتعود بقوة الى دائرة الاحداث السياسية والأمنية، خصوصاً بعد إن أوقع الهجوم(10)قتلى وجرحى من القوات الأمنية الحكومية، الأمر الذي وظّفته جهات سياسية وميليشيات مسلحة تابعة لإيران لتشن حملة إعلامية تحريضية واسعة ضد مدينة الطارمية من خلال منصات التواصل الاجتماعي وعبر وسائل اعلام محلية بدوافع طائفية ضد أهالي المدينة التي وصفوها بـ”الغدة السرطانية”، علماً بأن المدينة تعيش منذ عدّة سنوات تضييقاً أمنياً وأجواء عسكرية مستمرة تخللتها انتهاكات كثيرة من عمليات دهم واعتقال عشوائية دون أوامر قضائية، فضلاً عن تطويقها السيطرات الأمنية والميليشياوية المرتبطة بإيران والتي تنادي باستنساخ تجربة مدينة جرف الصخر في مدينة الطارمية من خلال حصار المدينة وتهجير أهلها ومنعهم من العودة اليها، علماً بأن “قيادة عمليات بغداد” نفذت عملية عسكرية أستباقية في المنطقة، الأمر الذي تسبب بأنتشار أمني وعسكري واسع وكثيف للقوات الأمنية في شوارعها ومنافذها ومزارعها، مما أنتج وضع أمني مرتبك تسبب بشل تام للحياة اليومية والمعيشية، بسبب قطع الكثير من الطرق والتقاطعات ومنع الحركة من والى المدينة مما تسبب برعب كبير في وسط الأهالي الذين يتخوفون من عمليات دهم وأعتقال عشوائية بتهم كيدية وانتقامية كما جرى سابقاً، خصوصاً مع تصاعد الحملات التحريضية ضدهم. 

ملخص العملية :
نعت “وزارة الدفاع العراقية” في بيان لها بتاريخ16 شباط 2023 قتلاها الذين سقطوا في تنفيذ عملية استباقية للبحث والتفتيش في “بساتين البوغبين” في ناحية الطارمية، حيث جرى الاشتباك خلال الواجب مع عناصر داعش الإرهابي ونتج عن العملية قتل الارهابيين جميعاً، وكذلك مقتل “أمر الفوج الثالث لواء مغاوير قيادة عمليات بغداد” وأثنان من مقاتلي الفوج، بينما جرح ضابط وأربعة مقاتلين أخرين، بينما قالت “خلية الاعلام الأمني” تقول في بيان لها: إن قوة من “لواء مغاوير قيادة عمليات بغداد” تمكنت من مداهمة وكر لتنظيم الدولة “داعش” وقتل ثلاثة ارهابيين أحدهم يرتدي حزام ناسف وذلك في قضاء الطارمية شمالي مدينة بغداد، وأسفرت العملية عن مقتل أثنين من الضباط واثنين من المقاتلين على أثر انفجار حزام ناسف وفقاً للبيان” علماً بأن “اللواء يحيى رسول الناطق بأسم القائد العام للقوات المسلحة” يقول إن “هناك خلايا نائمة تشتغل بعض المناطق شمال بغداد الكثيفة البساتين والأحراش للاختباء فيها”، وأضاف وردت معلومات استخبارية عن محاولة تلك الخلايا للقيام بعمل إرهابي تجاه زوار “الأمام الكاظم”، وتم تنفيذ عملية استباقية للبحث والتفتيش، وعلى أثرها حدث الاشتباك مع العناصر الارهابية” كما يشير “عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية ياسر وتوت” الى وجود ضعفاً في الاستخبارات، ولولا العملية الأمنية لحدث الانفجار في مرقد “الإمام الكاظم” ما يعني وجود تهديد على بغداد”.

عمليات عسكرية نفذت في مدينة الطارمية:
لقد نفذت القوات الأمنية الحكومية الكثير من العمليات العسكرية في مدينة الطارمية بذريعة مواجهة الإرهاب خاصةً بعد عام2014، حيث تم تنفيذ عملية عسكرية في عام2017من قبل قيادة عمليات بغداد أطلق عليها “السيل الجارف”، حيث شنت القوات الأمنية من خلالها حملة تدقيق أمني شامل واعتقالات ومداهمات واسعة طالت الكثير من أبناء هذه المدينة، وقد ترافق مع هذه الحملة تجريف الكثير من بساتين النخيل والفاكهة لتبسيط جغرافية المدينة المعقدة التي باتت تشكل عقبة كبيرة أمام تقدم القوات الحكومية، كما تم طمر الكثير من بحيرات الاسماك بحجة تمويل الارهاب، وقد أطلق على مدينة الطارمية بعد هذه العملية بـ”المدينة الآمنة”، علماً بأن القوات الأمنية نفذت الكثير من العمليات العسكرية والتي وصلت لأكثر من(13) عملية عسكرية كبيرة، بالإضافة الى عشرات العمليات الصغرى في المنطقة وصولاً الى عملية “إرادة النصر” التي نفذت في تموز عام 2019.

في عام 2020 وصلت العمليات العسكرية التي نفذت في مدينة الطارمية الى أكثر من(5)عمليات عسكرية، لتتوج في عام 2021 بتنفيذ عملية عسكرية أطلق عليها “عملية السيادة”، لملاحقة الخلايا النائمة على أثر مقتل أمر لواء(59)بالمدينة، حيث نفذت العملية بمشاركة الألوية(42- 43- 12)، واللواء(59)، بالاضافة الى قوة مشتركة من قيادة عمليات بغداد، والرد السريع، والشرطة الاتحادية مدعومة بإسناد جوي عراقي، كما نفذت ميليشيات الحشد الشعبي في مدينة الطارمية الكثير من العمليات العسكرية والتي لا زالت مستمرة الى يومنا هذا، حيث قامت قوة من اللواء(12)حشد شعبي بتنفيذ عملية عسكرية في آب عام2021، كما نفذت في حزيران 2022 عملية عسكرية أخرى لإحباط محاولة تسلل كما جاء في بيان هيئة الحشد الشعبي آنذاك، بالإضافة الى تنفيذ عملية عسكرية في 18 كانون الثاني2023، في مدينة الطارمية لاقتحام وتفتيش وتمشيط القضاء، علماً بأن هناك الكثير من عمليات التفتيش والدهم والتدقيق الأمني ونصب السيطرات التي تكاد مستمرة ولا تنقطع أبداً، وهناك تصريحات لكثير من القيادات الميليشياوية المسلحة التي تهدد الأهالي بالتهجير القسري من المدينة، علماً بأن أهالي مدينة الطارمية متعاونين جداً مع القوات الأمنية، وهم من أوقفوا تقدم تنظيم الدولة بأتجاه مدينة بغداد عام 2014 ومنعتهم من السيطرة عليها.

حملة إعلامية تحريضية:
إن من يتابع المشهد الإقليمي يجد بأن هناك الكثير من التجاذبات والصراعات السياسية والتهديدات العسكرية والأمنية والاقتصادية التي ألقت بظلالها على المشهد العراقي الداخلي، خصوصاً وإن هناك مشروع إيراني إقليمي ينفذ في المنطقة، ويتضمن هذا المشروع تنفيذ مخططات للتغير الديمغرافي والتركيبة السكانية، والذي ينفذ في المنطقة والعراق بشكل خاص بأدوات عراقية(ميليشيات الحشد الولائي)والتي تعمل على تنفذ أجندة خارجية، لذا نجد بأن الكثير من التصريحات التحريضية التي صدرت من القادة السياسيين وقادة الميليشيات المسلحة التابعة لإيران جاءت بدوافع طائفية وانتقامية زادت من الاحتقان الداخلي، خصوصاً وأنها وظفت جيوش الكترونية، ومواقع ومنصات التواصل الاجتماعي للترويج والتحريض على مناطق معينة بذاتها للسيطرة عليها وتحويلها الى مناطق مغلقة وخالية من السكان، كما فعلت بمناطق كثيرة ومنها: منطقة “جرف الصخر”، حيث منعت الميليشيات جميع السلطات التنفيذية، والتشريعية، والقضائية، والمنظمات الحقوقية والانسانية من الدخول إليها منذ عام 2014 والى يومنا هذا، حيث يجري تنفيذ هذه المخططات ضمن سياسات تخدم المصالح الايرانية تحت ذرائع واهية ومنها مواجهة الارهاب، وإيران والميليشيات لا تريد الاستقرار لهذه المنطقة.

سوف أسوق اليكم بعض التصريحات الطائفية المحمومة التي صدرت تجاه مدينة الطارمية لاستهدافها، حيث وصف القيادي “قاسم الكريطي” مسؤول عمليات اللواء(41)في ميليشيا الحشد الشعبي قضاء الطارمية بأنه “غدة سرطانية”، في طريق شمال بغداد، وشبهها بجرف الصخر، ويجب احالت ملفها لميليشيات الحشد للتعامل معها في اشارة واضحة الى  اجتياحها من قبل الميليشيات المسلحة، وتهجير أهلها، ومنعهم من العودة إليها، بينما دعا “عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية”  النائب “ياسر وتوت” الى “ضرورة تجريف الطارمية بالكامل وبدون ذلك لن تهدأ بغداد ولا حزامها”، بينما عد “الأمين العام لميليشيا سيد الشهداء” المدعو ” أبو آلاء الولائي” البلدة “موبوءة بالإرهاب”، وقال في تغريدة له “إن قضاء الطارمية شمالي بغداد بلدة “موبوءة بالإرهاب”، محذرا من ما قال عنه هشاشة الوضع الأمني فيها”، وكان زعيم ميليشيا العصائب “قيس الخزعلي” قد صرح في وقت سابق قائلاً: “بأن تنظيم الدولة لم يغادر منطقة الطارمية مطلقاً، وإن لديه ملاذات وأماكن آمنة فيها”، داعيا الى اجراء عملية عسكرية لتطهير المنطقة، علماً بأن ميليشياته هي من تحكم السيطرة على هذا القضاء منذ فترة طويلة.

لقد صدرت تحريضات طائفية سابقة من قبل الطائفي المجرم “باقر صولاغ”، المتهم بجرائم طائفية وتطهير عرقي عندما كان وزيراً للداخلية من ” الخلايا النائمة” في مدينة الطارمية، وحذر من ضياع الوقت، بينما يصمت على قتل المتظاهرين، وعن خلايا الكاتيوشا التابعة لميليشيات مسلحة، والتي تعمل خارج إطار الدولة، وتهدد السفارات ودوائر الدولة الرسمية، وتنفذ أجندة خارجية وعلى عينك يا تاجر، بينما طالب الطائفي “أحمد عبد السادة” الموظف في “شبكة الأعلام العراقي” سابقاً والمقرب من أعلام ميليشيا الحشد الشعبي حالياً “بتفريغ مدينة الطارمية من أهلها وجعلها “مدينة منزوعة السكان أذا أردنا فعلاً أن تكون مناطق منزوعة الإرهاب”، وأضاف بأن “المدينة عبارة عن حزام ناسف لمدينة بغداد”، بينما يقترح “هادي خيري الكريني” عمل حزام أمني عبارة عن معسكرات للجيش والشرطة الاتحادية والحشد على طول خط تماس الطارمية مع العاصمة”، أي تطويق المدينة وعزلها عن محيطها الجغرافي”، ويضيف أنه” يجب مصادرة جزء من هذه المنطقة لمقتضيات المصلحة العامة وتعويض أهاليها”.

وأخيراً نقول بأن من دوافع التحريض الطائفي ضد مدينة الطارمية هو موقعها الجغرافي الاستراتيجي المهم، كونها تقع في الجزء الشمالي لمدينة بغداد على الطريق الاستراتيجي الذي يربط مدينة بغداد بمدينة سامراء وصولاً الى محافظة صلاح الدين ومحافظة نينوى، كما أنها تمثل عقدة مواصلات مهمة ترتبط بمحافظة ديالى وصلاح الدين والانبار وبغداد، كما أنها تقع على نهر دجلة، ناهيك عن أهميتها الزراعية والاقتصادية والصناعية حيث توجد فيها منشآت التصنيع العسكري سابقاً وبعض الثكنات العسكرية الحكومية حالياً، لذا والميليشيات الطائفية تعتبر هذه المدينة شوكة أمام الأجندة الإيرانية الطائفية التي ترمي السيطرة على طريق بغداد- سامراء بشكل كامل، كونها تمثل أهمية أستراتيجية كبيرة لتنفيذ مشروعها الطائفي في العراق الذي يتضمن السيطرة على حزام بغداد وتفكيك حزامها العشائري السني على غرار ما جرى في مدينة جرف الصخر و”العوجة” والعويسات ويثرب ومناطق كثيرة في محافظة ديالى، وأطراف مدينة الطوز حيث توجد أكثر من (50)قرية تمتد من منطقة “حليوات” لمنطقة “نجانه”، والتي ترزح تحت السيطرة الكاملة لميلشيات الحشد والتي ترفض الخروج منها، وتمنع عودة النازحين اليها.

سياسات حكومية طائفية:
لقد أتبعت الحكومة الكثير من السياسات الطائفية لتفكيك حزام بغداد بالتواطؤ مع ميليشيات الحشد الولائي التابعة لإيران التي تنفذ مشروع تغير ديمغرافي بتوجيهات إيرانية، وما يجري في منطقة الرضوانية والطارمية وجرف الصخر هو خير دليل على ذلك، حيث يجري تهجير سكانها والاستيلاء على أراضيهم بحجج واهية منها بناء عاصمة إدارية جديدة لمدينة بغداد، ومنها لمتطلبات الأمن القومي، ومنها لمواجهة الارهاب، وتغلف هذه الدعوات بأعطاء تعويضات مادية لسكان هذه المناطق، وكذلك بإعطائهم أراضي في مناطق أخرى مما يعني تهجيرهم منها، ناهيك عن سياسة التضييق الأمني، والمداهمات، والاعتقالات، والتهديد بالقتل ، والابتزاز، ونصب السيطرات، واستخدام عبارات السب والشتم، والتهم الكيدية، وزيادة الحواجز الكونكريتية، وأغلاق الشوارع بحجج واهية عن سوء الوضع الأمني، وغلق المنافذ، وحرق البساتين وتجريفها، وإتلاف الكثير من أحواض الاسماك، وتخريب وحرق البيوت، والدخول الى المساجد في خطوة استفزازية لأثارة النعرات الطائفية والمذهبية، ناهيك عن الاعتقالات التعسفية التي طالت الكثير من شباب المنطقة، وجميع هذه السياسات تمارس ضد هذه المناطق المحيطة بمدينة بغداد، للتضييق على الناس وتهجيرهم، وإجبارهم على بيع أو ترك منازلهم واراضيهم، في خطة لتهجير وتغيير التركيبة السكانية لهذه المناطق، والغاية الرئيسية هو تفكيك حزام بغداد، وأجراء تغير ديمغرافي للمنطقة، تحت حجج أمنية واهية وكاذبة، وبتبريرات باطلة بذريعة الارهاب، وهم يحاولون أن يستغلوا أي حدث لتحقيق غاياتهم الطائفية.

 

 

التحليل:
في البداية يجب الإشارة الى إن مدينة الطارمية لم يستطع تنظيم الدولة من الدخول إليها عام 2014، وبالتالي فقد كانت عصية ومن ضمن المصدات التي وقفت أمام تقدم مسلحي تنظيم الدولة الى مدينة بغداد من الجهة الشمالية للعاصمة، خصوصاً بعد أن سقطت الكثير من المناطق المحيطة بها، وفي هذا رد كبير على الذين يروجون بأن هذه المدينة كانت بؤرة للإرهاب، وإن لديها ارتباطات مع تنظيم الدولة، ولو كانت الأمر كما يدعون لتمت السيطرة عليها كما حصل في بقية المناطق الأخرى، التي انسحبت منها القوات الأمنية بدأً من مدينة الموصل وصلاً الى محافظة صلاح الدين، وبقية المحافظات السنية في الانبار وديالى وحزام بغداد، لذا فالدعوات التي تقول بأن هذه المدينة هي حاضنة للإرهاب هي باطلة، ولا أصل لها، وهي دعوات طائفية مدفوعة بأجندة خارجية لاستهداف المدينة الاستيلاء عليها.

الأمر الأخر هو إن من يسيطر على هذه المدينة قبل عام 2014 والى يومنا هذا هي القوات الأمنية الحكومية بجميع مكوناته النظامية والغير نظامية، كما إن الأهالي في مدينة الطارمية قد خضعوا للتدقيق الأمني والاستخباري من قبل جميع الأجهزة الأمنية العاملة بما فيها الجهاز التابع لميلشيا الحشد، كما أنها تخضع للتدقيق والتفتيش العشوائي بشكل مستمر وبين فترة وأخرى، وهناك مداخل ومخارج محددة للمدينة، كما إن أهالي المنطقة جردوا من الاسلحة بجميع أنواعها حتى بنادق الصيد منعوا منها، كما تم تركيب كاميرات حرارية والاستعانة بالطائرات المسيرة لرصد الحركة وملاحقة الارهاب والعصابات الاجرامية في الداخل والخارج، لذا فمن يتحمل الخرق الأمني والاستخباري ليس أهالي المنطقة، وإنما تتحمله القوات الأمنية والعسكرية الماسكة للمنطقة، خصوصاً وإن هناك عمليات إرهابية سابقة تثير الكثير من التساؤلات وعلامات الاستفهام ومنها: اغتيال آمر لواء (59) في عام 2020 في وسط المدينة، الأمر الذي يجعلنا نتساءل أين الجهد الأمني والاستخباري؟، وأين الكاميرات الحرارية التي تم تنصيبها في المدينة؟، علماً بأنه أمر اللواء تجول بقوة تتكون من(17)عجلة هانفي، وقوة تصل الى أكثر من (100) مقاتل، حيث تم تحديد عجلة أمر اللواء من بين كل العجلات، وتم قنصه في وسط المدينة، لذا فالخرق الأمني لا يتحمله المواطن البسيط، وإنما تتحمله القوات الحكومية الماسكة للقاطع.

إن أتهام أهالي مدينة الطارمية كلهم بالإرهاب والمطالبة بأخلاء المنطقة وعزلها وفرض الحصار عليها وجعلها منطقة منزوعة السكان على غرار منطقة جرف الصخر ويثرب والعوجة والعويسات وغيرها من مناطق محافظة ديالى وصلاح الدين والموصل هي دعوات طائفية، وتعطي دلالة واضحة على وجود دوافع ونفس طائفي لتهجير أهالي هذه المناطق قسرياً، خصوصاً وإن هناك توظيف لهذه الهجمات من قبل جهات سياسية وميليشيات مسلحة تابعة لإيران لتنفيذ مشروع طائفي يتضمن تغير ديمغرافي منطقة حزام بغداد، وهو مخطط لتفريغ مناطق معينة بعينها، وتغير تركيبتها السكانية وخاصةً مناطق الطارمية والمدائن والمحمودية وأبو غريب والراشدية والرضوانية، وهذا سيؤدي الى زيادة الاحتقان الطائفي بما يخدم المشروع الإيراني، الذي يرمي الى تمزيق النسيج الاجتماعي للمجتمع العراقي، لذا نرى بأن هذه المناطق تتعرض باستمرار حملات تحريضية طائفية، وذلك بافتعال الأزمات، وتشديد المضايقات، والقيام باعتقالات عشوائية، وكيدية، ومساومات، وأبتزاز، وتهجير قسري، بل هناك عمليات قتل خارج القانون بدوافع انتقامية وطائفية لإجبار أهالي هذه المناطق على بيعها، أو تركها قسرياً لتغير تركيبتها السكانية.

تشير المعلومات حول تشكيل حكومة “السوداني” الى وجود صفقة سياسية أبرمت بين الجهات السياسية السنية المتمثلة بـ(تحالف السيادة)وبين الإطار التنسيقي والتي تمخض عنها تشكيل حكومة “السوادني”، ومن هذه الاتفاقات هو أنسحاب ميليشيات الحشد الشعبي من المناطق السنية التي تم استعادتها من تنظيم الدولة، خصوصاً بعد استتباب الأمن فيها واستبدالها بقوات نظامية أو من أهالي هذه المناطق، ولكن هذه الاتفاقات تصطدم بالمشروع الإيراني أو الموافقة الإيرانية الأمر الذي جعل الميليشيات المسلحة التابعة لإيران ترفض هذه الاتفاقات وتعمل على أفشالها لأسباب كثيرة منها سياسية تتعلق بالتأثير في الانتخابات القادمة بقوة السلاح، وكذلك لأسباب اقتصادية كون هذه المناطق تحقق ريع أقتصادي كبير من خلال المكاتب الاقتصادية التابعة لهذه الميليشيات ناهيك عن تجارة المخدرات والتهريب، وأسباب أمنية تتعلق بمشروعها في السيطرة على هذه المناطق ومنعها من تغير الوضع القائم، علماً بأنها تعمل حالياً على تشكيل ميليشيات محلية من أهالي هذه المحافظات تابعة لها لأحداث فتنة داخلية، وهذا يترافق مع وجود معطيات تتعلق بتنصل الطبقة السياسية التي وصلت رئاسة الوزراء عن التزاماتها التي قطعتها للموافقة على تشكيل الحكومة، لذا فهذه الهجمات تأتي على هذه المناطق لإعطاء صورة بأن الوضع الأمني غير مستتب ومرتبك، وهذا يتطلب بقاء هذه الميليشيات المسلحة التابعة لإيران للفترة قادمة، وهنا لا أستبعاد بأن هذه الهجمات موجهة وهي توظف من قبل هذه الميليشيات لخدمة أجندتها ومصالحها في هذه المناطق، بما فيها الانقلاب على الاتفاقات السياسية المبرمة.

إن تكرار الخرق الأمني في منطقة الطارمية يكشف الضعف الاستخباري، وقلة المعلومات والجهد الاستخباري، وعدم قدرة الأجهزة الأمنية على مواكبة التطورات واستباق الأحداث، العملية العسكرية الاستباقية التي نفذت كانت مبنية على معلومات غير دقيقة أدت الى حصول خسائر نوعية منيت بها القوات الأمنية أثناء تنفيذها الواجب ومنها مقتل أمر القوة، لذا يجب اعادة النظر بالعديد من الإجراءات الأمنية بما فيها إعادة تقدير موقف الاستخبارات، وتنوع مصادر المعلومات، وتغير القيادات العسكرية والأمنية في المنطقة، كما يستوجب تغير الخطط الأمنية، وتفعيل العمل والجهد الاستخباري، بما فيها أغلاق الثغرات الأمنية، واشراك أهالي المدينة في تثبيت الأمن والاستقرار فيها، بما فيها إشراكهم في القرار الأمني والاستخباري، وليس اتهامهم بالإرهاب، والمطالبة بتهجيرهم قسرياً، بما فيها أيقاف الحملات الأمنية والتحريضية التي تقودها قادة الميليشيات ضد أهالي هذه المدينة، ومحاسبة الطائفيين واحالتهم الى المحاكم.

إن قيام الأجهزة الأمنية والعسكرية الحكومية وميليشيات الحشد الشعبي بتجريف بساتين النخيل، والفواكه، والحمضيات، والمزارع، وحقول الدواجن، وطمر بحيرات الاسماك، وهي حرب اقتصادية بامتياز أدت الى أضرار كبيرة في المستوى المعاشي والاقتصادي لأهالي وسكان هذه المدينة، الذين يعتمدون في معيشتهم بشكل رئيسي على الزراعة، حيث يطلق على مدينة الطارمية بـ”سلة بغداد الغذائية”، وبالتالي هذه السياسية ستؤدي في نهاية المطاف الى تدهور الحالة المعيشية، وتجويع السكان، و محاربتهم بأرزاقهم، الأمر الذي يجبرهم على ترك المدنية والبحث عن مناطق أخرى يستطيعون العمل فيها، وهي في الحقيقة ضغوطات لتهجير أهلها بشكل قسري وإجبارهم على بيع أراضيهم والانتقال الى مناطق أخرى، خصوصاً وإن هناك ضغوطات أمنية واقتصادية واجتماعية تتزايد مع مرور الوقت.

إن توجيه أصابع الاتهام لمسلحي تنظيم الدولة يطرح الكثير من التساؤلات حول قدرة التنظيم فعلياً على تنفيذ مثل هذه الهجمات في منطقة الطارمية المغلقة أمنياً، خصوصاً وإن هذه العمليات الهجومية تعتبر نوعية، كونها سريعة ومباغتة، وأدت الى وقوع خسائر في القوات الأمنية، كما أنها تأتي في توقيت يمكن أن يثير الكثير من التساؤلات لأنه يتزامن مع زيارة بعض المقدسات الشيعية في بغداد وسامراء، مما يعني بأن هذه الهجمات تحمل رسالة واضحة لإعادة أنتاج البعد الطائفي بين المكونات، خصوصاً مع وجود ردود أفعال تثير الطائفية والمذهبية، علماً بأن تنظيم الدولة في تقديري بأنه يمر في أضعف مراحله بعد الضربات التي وجهت له في العراق وسوريا، وهذه الهجمات تطرح سؤال مهم حول قدرة التنظيم على بناء وإعادة انتاج نفسه من جديد في هذه المناطق المحصنة أمنياً وهذا ما أستبعده تماماً، علماً بأن هذه العمليات الهجومية وظفت من قبل ميليشيات الحشد الولائي للتحريض ضد السكان المحليين بشكل كبير، مما يعني بأن هناك محاولة للعودة الى الحرب الطائفية والاهلية، كما إن هذه التطورات تطرح تساؤل مهم عن الجهة المستفيدة من زعزعة الامن والاستقرار في هذه المدينة؟، كون المنطقة وأهلها لا مصلحة لهم بتنفيذ مثل هذه العمليات، لأنهم يعرفون بأنهم سيدفعون الثمن بعد ذلك نتيجة الاجراءات الحكومية الانتقامية، لذا فالجهة المستهدفة من وراء هذا التصعيد هم أهالي المنطقة.

لا شك بأن هذه الحملات التحريضية الطائفية والسياسات الطائفية التي تنتهجها الجهات السياسية والميليشيات المسلحة والقوات الحكومية ستكون لها تداعيات كبيرة على أستقرار الوضع الداخلي، كما سيكون لها تأثير على السلم الأهلي والمجتمعي، كونها ستؤدي الى فقدان الثقة تماماً بالقوات الأمنية التي فقدت القدرة في تأمين الأمن والاستقرار لهذه المناطق التي تعاني من أزمات كثيرة بسبب تغول الميليشيات المسلحة التي تسيطر على هذه المناطق كونها تعمل خارج إطار الدولة، وذلك كون القوات الأمنية تقف عاجزة عن ردع الميليشيات المسلحة، كما جرى في الفرحاتية، وقرية الأمام، وقرية الجيايلة، وجبلة، كما إن اتهام هذه المدينة بالإرهاب سيزيد من الاحتقان الطائفي، خاصةً وإن هناك من ينادي بأخلاء المدينة وجعلها منزعة السكان كما جرى في جرف الصخر، مما يعني بأن جميع المدن العراقية معرضة للتهجير والأغلاق حسب سياسية هذه الميليشيات في التعامل مع هذه المناطق المنزوعة السلاح، فلا هم جعلوا أهل المدينة يدفعون عن أنفسهم ومناطقهم، ولا هم قاموا بتأمين الحماية اللازمة لهم، وأي خرق أمني يحصل في هذه المناطق يتم تحميله لأهالي المدينة، وجميع هذه السياسات تصمت عليها الحكومة و أجهزتها الأمنية التي أصبحت تابعة لميليشيات الحشد في الكثير من المناطق، علماً بأن الحكومة واجهزتها الأمنية تصمت عن الاسلحة الثقيلة التي تمتلكها العشائر في جنوب العراق وعن النزاعات العشائرية التي تجري في المحافظات الجنوبية، بينما تضيق على المدن السنية الى حد تجريدها من سبل الدفاع عن نفسها بشكل كامل ثم يحاسبونهم لماذا لم يدفعوا عن مناطقهم.

قد يتبادر الى الذهن سؤال مهم وهو أين الحكومة من هذه التهديدات في منطقة الطارمية؟، ولماذا لا تقوم بلجم هذه الميليشيات وهذه الاصوات التي تؤجج الطائفية والمذهبية والتي تطالب بأخلاء المدينة؟، وهنا نقول بأن من المعروف بأن الميليشيات المسلحة هي من تحكم بالوضع الأمني والسياسي والاقتصادي في العراق، وإن من يسيطر على المدينة هي قوات الحشد الشعبي الولائي، وهي تعمل خارج إطار الدولة، وفوق القانون، والحكومة والدولة بجميع مؤسساتها فشلت في إخراج هذه الميليشيات من ناحية جرف الصخر، فكيف لها أن تنجح في الطارمية!، كما إن حكومة السوادني هي الأقرب الى هذه الميليشيات وهي من جاءت به الى سدة الحكم في العراق، لذا فلا يمكن أن ينتظر المواطن منها الكثير في هذا الملف، ولكن السؤال الأهم الى متى سيبقى الوضع على ما هو عليه؟، و من يتحمل المسؤولية فيما يخص الضغوطات التي تمارس على الأهالي في مدينة الطارمية، وخصوصاً الحرب الاقتصادية التي بدأت بتجريف البساتين والمزارع وحقول الدواجن وبحيرات الاسماك؟، ناهيك عن الاعتقالات والمداهمات والتهم الكيدية ولا نعرف بماذا ستنتهي.

أما موقف السياسيين السنة فهو مخزي ولا يرتقي الى مستويات التحديات والتهديدات التي تتعرض لها المناطق السنية، وما يقع عليها من ظلم وحيف، وما يجري فيها من تنفيذ لمخططات للتغير الديمغرافي بتوجيهات إيرانية، وذلك من خلال الاستيلاء على مناطق معينة، ومنع الأهالي من العودة اليها، و خاصةً مناطق حزام بغداد، ناهيك عن وقوفهم متفرجين على ما يحصل من جرائم قتل، وتهجير قسري، واعتقالات عشوائية، وقتل بلا محاكمات، وإفلات المجرمين من العقاب بعد أن ارتكبوا الكثير من المجازر في المناطق السنية، لذا فهم غير قادرين على مواجهة أو إخراج هذه الميليشيات التابعة للحشد الشعبي من مناطق جرف الصخر ويثرب والعوجة والعويسات ومناطق كثيرة في محافظة ديالى وصلاح الدين، واليوم يتفرجون على ما يجري في مدينة الطارمية، فهم يمهدون للسيطرة عليها وهناك حملة تحريضية ضد أهالي هذه المدينة لتهجيرهم قسراً، وهذا يجري بسبب غياب مبدأ المحاسبة والعقاب، وغياب السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية والتي فشلت في تنفيذها واجباتها بحماية المواطنين، بسبب تغول هذه الميليشيات التي تعمل خارج إطار الدولة، لذا نرى بأن هذه الجرائم مستمرة وتتنقل من منطقة الى أخرى.

الخاتمة:
وأخيراً نقول: بأن مدينة الطارمية أصبحت بين مطرقة التنظيم وسندان الميليشيات التابعة لإيران، والتي تشن حملة تحريضية لعزل وحصار وأخلاء هذه المدينة من أهلها وجعلها منطقة منزوعة السكان كما حصل في جرف الصخر، علماً بأن هذه المدينة هي منزوعة السلاح تماماً، مما يعني بأن الخرق الأمني والاستخباري تتحمله القوات الأمنية الماسكة للمنطقة وليس المواطن البسيط، كما إن السياسات الحكومية الطائفية فاقمت من أزمة هذه المدينة التي عانت من سياسات حكومية طائفية تمثلت بتجريف الكثير من بساتين النخيل والفاكهة والمزارع مما أثر على الحالة المعيشية لأهالي هذه المناطق، التي تعاني من التضيق الأمني والاعتقالات العشوائية، والمداهمات، ونصب السيطرات، وأغلاق منافذ المدينة، ومنع الحركة في الداخل، لإجبار الناس على بيع أراضيهم والانتقال الى مناطق أخرى، ناهيك عن الابتزاز والتهديد لبيع ما يملكون من منازل وأراضي وذلك لإجراء التغيير الديمغرافي لمناطق حزام بغداد وتغير التركيبة السكانية بما يتلائم مع المصالح الإيرانية ومشروعهم الطائفي في العراق والمنطقة، بعد أن وقفت السلطات الحكومية والقضائية والتشريعية عاجزة عن إخراج ولجم هذه الميليشيات التي تعمل خارج إطار الدولة وتنفذ أجندة إقليمية وطائفية بعد أن رفضت الخروج من المناطق التي تم استعادتها من تنظيم الدولة، لذا ما يجري من حملة تحريضية على مدينة الطارمية هو مخطط مدروس للسيطرة على هذه المدينة، وتفكيك مناطق حزام بغداد بذريعة مواجهة الارهاب والاستثمار.

 

Exit mobile version