Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

مركز راسام يقيم محاضرة حول سجون العراق

ضمن نشاطاته المستمرة، أقام مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية “راسام” محاضرة، اليوم السبت 21 مايو/أيار 2022، بقاعة مركزه في مدينة إسطنبول التركية، وذلك لتسليط الضوء على أوضاع السجون في العراق والمآسي التي يعيشها المعتقلون تحت سطوة السجانين.
وأدار الدكتور جاسم الشمري جلسة المحاضرة التي حملت عنوان “سجون العراق.. مآسي وراء القضبان، سجن الحوت أنموذجا”، مستضيفا فيها الباحث في مجال حقوق الإنسان الدكتور أحمد الفلاحي، وسط حضور جمع من الأكاديميين والباحثين العراقيين والعرب المهتمين بالشأن العراقي، بالإضافة إلى عدد من الصحفيين ومراسلي وسائل الإعلام.

السجون عبر التاريخ
بيّن الفلاحي بأنه عبر العصور الغابرة وحتى اليوم ارتبط مفهوم السجون بمدى تطور النظام العقابي في المجتمعات الإنسانية، وكان السجن عبارة عن مكان يتم احتجاز المتهم به لانتظار محاكمته ليحن الانتقام منه، حيث ينتقم الفرد لنفسه بنفسه تحت إشراف الجماعة أو العشيرة لحين تنفيذ العقوبة عليه.
وأضاف الفلاحي: أنه في بداية القرن الثامن عشر، أخذ موضوع السجون يتطور لتصبح السجون أماكن لتأهيل وتقويم السجناء، فقد عني علماء العقاب في تلك الفترة بتحديد أهداف العقوبات السالبة للحرية، وفي مقدمتها الردع الخاص، عن طريق تأهيل المحكوم عليهم وإعدادهم لمواجهة المجتمع دون أن يعودوا إلى ارتكاب الجريمة.
ورأى الفلاحي بأن هذا القرن يعد عصرا جديدا في النظام العقابي نتيجة للاهتمام الكبير الذي حظيت به من قبل الأسرة الدولية، فبالنظر إلى جملت الاتفاقيات والوثائق والمؤتمرات الدولية التي كان لها دورا كبيرا في تطور المفهوم العقابي واصلاحه وتطويره، مؤكدا على أهمية أن يكون الهدف من العقوبة إصلاحيا، وإعادة التوافق الاجتماعي، وقال: “يجب أن يهدف السجن إلى الحفاظ على القيم الصالحة لدى الجاني وامكانياته البدينة والذهنية والعمل على تنميتها، ويجب على الدولة أن تتكفل بالتدابير المطلوبة لتطبيق السياسية العقابية التي تكفل تحقيق هذه الأهداف”.

قوانين ووثائق
ذكر الفلاحي أن أوّل قانون خاص بالسجون في العراق صدر عام 1924، ألا أنه أُلغيَّ بقانون رقم 66 لعام 1936، الذي ظل نافذا حتى صدور القانون رقم 151 لعام 1969، الذي بموجبه أُنشأت مصلحة السجون لتتولى الإشراف على السجون في كافة أنحاء القطر. وأخيرا صدر قانون المؤسسة العاملة للإصلاح الاجتماعي رقم 104 لعام 1981.
وفي سياق قانون السجون أكد الفلاحي أن القانون أعط اهتماما كبيرا في مجال تحديد أساليب المعاملة العقابية، بالإضافة إلى العمل على تصنيف النزلاء وتخصيص السجون، وتضمين المؤسسة العقابية العديد من الأخصائيين في مختلف النواحي الطبية والنفسية والاجتماعية، لافتا إلى أن الدستور الحالي في العراق قد حظر جميع أنواع التعذيب والمعاملة اللاإنسانية بحق السجناء.
مضيفا: أنه صدر قانون إصلاح النزلاء والمودعين رقم 14 لسنة 2018م، والمنشور في الوقائع العراقية في العدد 4499 في 16يوليو/تموز2018، والذي يعمل على تنظيم العلاقة بين إدارة السجن والمودعين فيه من النزلاء، ويبدأ من لحظة دخولهم الإصلاحية إلى حين خروجهم منها بالإفراج أو بانتهاء محكومية النزيل.
ولفت الفلاحي الأنظار إلى أن الفقرة العاشرة من قانون إصلاح النزلاء نصت على منع التعذيب والمعاملة المهينة واستعمال القسوة، واعتبار القيام بتلك الأفعال ظرفا مشددا.

السجون في العراق
وحول أوضاع السجون داخل البلاد، أكد الدكتور أحمد الفلاحي بأنه لا توجد احصائيات نهائية لأعداد النزلاء في السجون العراقية، كما لا يوجد لحد الآن أي تحديث رسمي للاحصائيات القديمة. مشيرا إلى أنه وفق بيانات المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق، فإن أعداد السجناء بلغ حوالي 67560 نزيلا، في حين ذكر عضو المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق علي البياتي في نهاية عام 2021 م، بأن أعداد المعتقلين تجاوزت 76 ألف نزيل، بينهم 49 ألف محكوم، و 3000 مرأة، و2000 حدث.
وأشار الفلاحي إلى وجود 36 سجن في العراق تابع لوزارة العدل، يتراوح ما بين سجون مركزية، وسجون نساء، وسجون تسفيرات، ومدارس تأهيل، ودار ملاحظة، لكن سجن الناصرية المركزي (الحوت) يعتبر أحد السجون المركزية التابعة لوزارة العدل وهو سجن أمني مشدد.
وبيّن الفلاحي أن سجن الحوت يعتبر من أكبر السجون في العراق، وقد دخل الخدمة سنة 2008م، ويقع في محافظة ذي قار على مساحة 10 كيلومتر، ويضم حوالي 40000 نزيل، في حين أن الطاقة الاستيعابية له هي 6000 نزيل.

تعذيب مروع ومعاملة سيئة
تحدث الفلاحي في محاضرته عن المعاملات غير الإنسانية والأوضاع التي يعيشها المعتقلون داخل السجون، مؤكدا بأن المعلومات المستقاة من بعض عائلات الضحايا تظهر أن أبناءهم تعرضوا للتعذيب، وظهرت عليهم آثار ضرب مفرط على مناطق الخاصرة والأعضاء التناسلية وأسفل الظهر وكسور في الفقرات العنقية أسفرت تلك الممارسات إلى موت النزلاء، ولكن هذه الحالات سجلت أن سبب الوفاة هو بفعل ارتفاع ضغط الدم أو تسمم غذائي.

استغلال وابتزاز
سلط الفلاحي الضوء على مواجهة بعض عائلات المعتقلين جملة من المعاناة أثناء الزيارة، موضحا أن هذا هو ما أكدته تقارير حقوقية عدة لمفوضية حقوق الإنسان عام 2018، على أن هناك الكثير من العائلات التي تنام خارج أسوار السجن منذ الليل قبل ساعات من مواجهة ذويهم، بما يخالف الأعراف الدولية، وبطرق لا تمتُّ إلى الأخلاق السوية بصلة.
ولفت الفلاحي الأنظار إلى أن العراق يشهد نمو شبكات سمسرة واسعة النطاق ترتبط بشخصيات سياسية وأيضا عناصر بارزة في فصائل مسلحة، وأقرباء لقيادات أمنية تتولى عمليات غير قانونية بالتواصل مع ذوي السجناء وتستحصل أموالا منهم لقاء إدخال الملابس والأغراض الشخصية للنزلاء أو إيصال الطعام والأدوية اللازمة.
وأورد الفلاحي شهادات عوائل بعض النزلاء الذين ذكروا أنهم قدموا مبالغ مالية ليتم نقل ذويهم المعتقلين إلى المحكمة على الرغم من أن العجلات التي يتم نقل المتهمين إلى المحكمة هي حكومية، وفي حال عدم إعطاء المبلغ المطلوب فإن المعتقل يتعرض للعقوبة والتأخير في رفع أوراقه إلى المحكمة.

وأخيرا نقل الفلاحي عن تقارير صحفية معتمدة أكدت بأنّ السجون العراقية تشهد ارتفاعا في معدلات الموت بين صفوف نزلائها، وأظهرت السجلات بأن أكثر من نصف الضحايا من الشباب، ولا يعانون مسبقا من أي أمراض مزمنة، وأنّ سجني الناصرية (الحوت) والتاجي في بغداد تصدرا أكثر السجون التي شهدت حالات وفاة.

توصيات
وفي ختام المحاضرة، أكد الفلاحي على جملة من التوصيات، منها:
* يجب اعتماد تعريف مطابق لما نصت عليه المادة الأولى من اتفاقية مناهضة التعذيب.
* التأكيد على أهمية الوقوف على جميع الادعاءات التي تشير إلى ارتكاب جريمة التعذيب التي كشفت عنها المنظمات الحقوقية، ومحاسبة مرتكبيها.
* جمع وثائق شاملة عن ضحايا المعاملة اللاإنسانية وتحديد هوية الجناة
* إعادة النظر في نص المادة (136) الفقرة (ب) من قانون الأصول الجزائية، وإجراء تحقيقات فورية ومستقلة عندما يموت شخص في الحجز.
* ضرورة توفير ظروف اعتقال ملائمة، بما في ذلك وضع حد للحبس الانفرادي لفترات طويلة، والنهوض بالواقع الصحي في عموم سجون البلاد.
* إنشاء إصلاحيات جديدة لإنهاء مشكلة الاكتظاظ في السجون، بالإضافة إلى إصلاح وتطوير الخدمات كالكهرباء والماء داخل السجون، لافتا إلى ضرورة إعادة النظر بالنظام الغذائي المتبع داخل السجون من حيث النوعية والكمية.

وقد اختتمت المحاضرة بمداخلات الحاضرين من الأكاديميين والباحثين والصحفيين، متسائلين عن بعض النقاط التي تطرق لها الباحث، وحول التقارير الحقوقية التي كشفت عن حجم الانتهاكات الجسيمة التي تمارس بحق عشرات آلاف المعتقلين في سجون البلاد.

Exit mobile version