Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

صراع الكبار (تحالف أوكوس) دلالات ومؤشرات ترسم ملامح المواجهة المقبلة (الحلقة الرابعة)

• ضربة موجهة لقدراتها العسكرية: إن فرنسا ترى بأن استبعادها عن هذا التحالف الأمني الثلاثي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية هو ضربة موجهة وقاسية لفرنسا، وهي استهانة متعمدة بقدراتها العسكرية، ومصالحها الاقتصادية، ووزنها الجيوسياسي، وموقعها الجغرافي، وحضورها العسكري البحري المهم بهذه المنطقة الحيوية كونها الدولة الأوروبية الوحيدة التي تمتلك العديد من الجزر التي تنتشر في المحيط الهندي والهادئ، مثل جزيرة “لرينيون”، و”هيفا”، و”بولينيزيا”، و”تاهيتي”، و”موريا”، و”مايوت”، وغيرها من الجزر الأخرى، كما إن لديها تواجد بشري بهذه المنطقة يصل الى أكثر من 2 مليون شخص وأكثر من (7) الأف جندي فرنسي، وهذا يعني بأن لها حضور جغرافي وبشري وعسكري واقتصادي ورغم ذلك تم تجاوزها من قبل واشنطن، ولندن، وكانبيرا، مما يعني بأن هناك مصالح فرنسية سياسية واقتصادية وعسكرية واستراتيجية كبيرة تم تجاهلها وتهميشها من قبل هذا التحالف الأمني، الأمر الذي أثار حفيظة فرنسا بشدة .

• الموقف من الصين: لا شك بأن هناك أختلاف كبير في الرؤى بين واشنطن وباريس فيما يخص المواجهة مع الصين، حيث ترى فرنسا بأن الصين لا تشكل تحدي سياسي وعسكري وأقتصادي لها ولكن يمكن أن تكون منافساً وشريكاً أقتصادياً لها، وبنفس الوقت هي لا تريد أن تستحوذ الصين على كل شيء في هذه المنطقة الاستراتيجية التي يجب أن تكون من وجهة نظرها مفتوحة وحرة، ولكن من خلال التفاهمات والاتفاقات وليس من خلال التصعيد العسكري والأقتصادي، كما أنها ترى بأن الموقف الأمريكي للصين عدائياً ومستفزاً ولا يمكن العمل عليه، مما جعل واشنطن تفكر بتشكيل تحالف أمني مع دول حليفة تتفق مع رؤيتها للنفوذ الصيني، بعيداً عن الموقف الفرنسي والأوروبي المتأرجح والغير مقبول أمريكياً في ظل التمدد الصيني الكبير في هذه المنطقة المهمة، لذا نقول بأن واشنطن لا ترى في هذا التحالف بأنه طعنة في ظهر فرنسا، ولكنها ترى بأن التحديات والتهديدات والنفوذ الصيني أصبح دقيقاً وحاسماً مما دفعها وأوجب عليها أن تقوم بتحرك سريع لإيجاد تحالف أمني بتواجد أمريكي واسع وسريع وقوي وأستراتيجي في منطقة جغرافية مهمة، بحيث تستطيع هذه الدول أن تقدم الدعم اللوجستي، والبنى التحتية المطلوبة للقوات العسكرية العاملة في المنطقة، بحيث تكون قادرة على الوقوف بوجه التمدد الصيني بالمنطقة لمعالجة أي ظرف طارئ، وهذا الأمر لا يستوجب انتظار موافقة باريس لذلك.

• خسائر أقتصادية فرنسية ضخمة: إن من تداعيات هذا التحالف الثلاثي (أوكوس) هو قيام أستراليا بفسخ وإلغاء عقد لشراء غواصات فرنسية بمبلغ يصل الى أكثر من (56) مليار دولار، مما يعني بأن هناك خسائر مالية، واقتصادية، وسياسية، وعسكرية، وأستراتيجية كبيرة لفرنسا، وقبلها كان هناك ألغاء لصفقة شراء (36) طائرات فرنسية من طراز “رافال” من قبل سويسرا وتم أستبدالها بطائرات (F35) من الولايات المتحدة الأمريكية، ثم جاءت الصفعة الأخيرة لفرنسا بإلغاء باكستان لعقد تجديد الغواصات الباكستانية وأحالته الى تركيا رغم التهديدات الفرنسية “لإسلام آباد”، بوقف الدعم لهذه الغواصات، وهذا يعني بأن هناك حرب أقتصادية تشن على فرنسا تشمل جميع المستويات، كما يعني بأن هناك تراجع كبير لمكانة فرنسا وهيبتها، وهناك فقدان للثقة بقدراتها العسكرية و التصنيعية، وهذا يفسر لنا ردة الفعل الفرنسية القوية والمبالغ فيها، وهذا ما كان ليحصل لولا التدخل الأمريكي الذي دفع أستراليا للتخلي عن هذه الصفقة وأستبدلها بغواصات أمريكية تعمل بالطاقة النووية، الأمر الذي يمثل ضربة موجهة للمصالح الفرنسية في المنطقة والعالم، وأضعاف لحضورها، وتقييد لحركتها.

الاتحاد الأوروبي لم يستشر في تحالف أوكوس:
لقد شكل هذا التحالف الأمني(أوكوس)صدمة كبيرة ومفاجئة وغير متوقعة لدى دول الاتحاد الأوروبي التي تعتبر شريك أستراتيجي مهم للولايات المتحدة الأمريكية، ومع ذلك فقد تم تجاوزها في تشكيل هذا التحالف الأمني الذي كشف عن تصدع عميق، وخلاف حقيقي، وفجوة كبيرة في العلاقات بين الجانبين، كما إن هذا التحالف يعتبر ضربة موجهة تمخض عنها أضرار بمصالح الحلفاء، وفقدان للثقة بينهما، وتكريس للنهج الأقصائي لدى واشنطن في التعامل مع حلفائها، خصوصاً وأنه بدأ يتكرر في العديد من القضايا والملفات الساخنة في العالم بسبب تباين الرؤى بينهما، وسأذكر هنا على سبيل الذكر وليس الحصر بعض الملفات المهمة التي تباينت الرؤى فيها مثل: ملف الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي (5+1) والذي أبرم عام2015والتي انسحبت منه واشنطن دون أستشارة الدول الموقعة على هذا الأتفاق، بالإضافة الى تفردها باتخاذ قرار الانسحاب العسكري من سوريا، وكذلك من أفغانستان بعد أن أخفقت الأجهزة الأمنية والاستخبارية الأمريكية في تقدير القوة الحقيقية لحركة طالبان التي سيطرت على كامل البلاد في (20) يوماً، بينما كانت التقديرات الأمريكية تشير الى حاجة حركة طالبان الى ثلاثة أشهر على الأقل للسيطرة على البلاد، مما تسبب بفوضى عارمة ظهرت جلياً أثناء عملية الأجلاء العسكري من مطار “كابل”، حيث أنتقدت دول حلف الناتو التفرد والتسرع الأمريكي بقرار الأنسحاب، وكذلك فيما يخص الموقف من الصين، والموقف من تشكيل التحالف الأمني الذي قال عنه مسؤول السياسية الخارجية في الاتحاد الأوروبي “جوزيف بوريل” بأنه “لم تُجر استشارة الاتحاد الأوروبي بشأن التحالف الجديد، وهذا يدفعنا مرة أخرى … إلى التفكير في الحاجة إلى جعل مسألة الحكم الذاتي الاستراتيجي الأوروبي أولوية”.

تحليل الموقف الأوروبي:
لا شك بأن هناك تباين كبير في الرؤى بين واشنطن ودول الأتحاد الأوروبي فيما يخص الكثير من الموقف وخاصة الموقف من الصين وكيفية التعامل معها، وقد كان الأختلاف كبيراً وواضحاً، فدول الأتحاد الأوروبي ترى بأن موقفها من الصين مبني على مصالح أقتصادية مشتركة، وهي تنظر اليها كشريك أقتصادي وأستراتيجي تسعى للتعاون الأقتصادي معها بقوة، خاصةً وإن ألمانيا وفرنسا التي تعتبر المحرك الأقتصادي الرئيسي لدول الأتحاد الأوروبي قادت الكثير من الجهود لتوثيق العلاقة معها في الفترة الماضية، بل أنها قاومت الكثير من الضغوطات الأمريكية للتضييق عليها سعياً وراء مصالحها وأستثماراتها الأقتصادية، لذا فهي تتبنى استراتيجية فيها الكثير من الليونة مع بكين”، بينما ترى واشنطن بأنها هذه السياسية مرفوضة وجاءت على حساب المصالح الأستراتيجية للأمن القومي الأمريكي، الذي يرى بأن الصين عدواَ أستراتيجياً وليس شريكاً أقتصادياً ويجب التصدي لها وتطويقها والحد من نفوذها، وهذا يتطلب موقفاً حازماً من حلفائها للوقوف معها ومساندتها في ذلك، وهذا ما لم تفعله دول الأتحاد الأوروبي مع واشنطن، الأمر الذي دفعها للعمل حسب مصالحها الأستراتيجية وإن كانت على حساب مصالح حلفائها، وهذا يجعلنا نسأل ما هي الخطوات التي يمكن أن تتخذها دول الأتحاد للرد على هذا الاتفاق الأمني؟، وهل تستطيع القارة العجوز أن تعيد بناء نفسها من جديد أم أنها ستتشرذم أكثر؟ وهل ستكون قادرة على اتخاذ مواقف جادة في قضايا مهمة مثل جدوى البقاء في حلف الشمال الأطلسي؟، وهل تستطيع تشكيل وبناء قوة أوروبية مشتركة وموحدة؟، وهل تستطيع أتحاذ قرارات تمتاز بالاستقلالية بعيداً عن المظلة الأمريكية؟، علماً بأن وزير الدولة الفرنسي للشؤون الأوروبية “كليمون بون” صرح قائلاً قبل أجتماع كان مقرراً له مع نظرائه في الاتحاد الأوروبي في “بروكسل”، على “أن أزمة الغواصات ليست مشكلة فرنسية، بل تمس الاتحاد الأوروبي أيضا”.

الموقف الصيني: أوكوس يهدد السلم والأستقرار الإقليمين:
لقد أنتقدت الصين هذه الاتفاقية الأمنية ووصفتها بأنها “غير مسؤولة” و”ضيقة الأفق”، وقال المتحدث بأسم وزارة الخارجية الصينية ” تشاو ليجيان” بأن التحالف الجديد يخاطر” بإلحاق أضرار جسيمة وخطيرة بالسلام والاستقرار الإقليمين.. ويزيد من حدة سباق التسلح، ويقوض معاهدة عدم أنتشار الأسلحة النووية”، وأعتبرتها تهديداً للأمن والاستقرار في المنطقة، كما أنتقد “ليجيان” ما وصفه بأنه “عقيلة الحرب الباردة التي عفا عليها الزمن”، محذراً من إن الدول الثلاث” تضر بمصالحها”، وأضاف “يجب أن لا تشكّل تكتلات إقصائية تستهدف مصالح أطراف ثالثة أو تضر بها”، كما أكدت الصين بأن “التحالف الجديد يؤكد أن الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا تستخدم التكنولوجيا النووية لتحقيق مكاسب جيوسياسية، وهو ما يعني أنهما يكيلان بمكيالين في هذا الأمر، ويقومان بتصرفات غير مسؤولة”، بينما أعتبرت الصحف الصينية بأن أستراليا “حولت نفسها الآن الى خصم للصين”، حيث نقل موقع “غلوبال تايمز” الصيني عن خبير عسكري كبير تحذيره من أن أستراليا قد تصبح “هدفا محتملاً لضربة نووية بعد حصولها على غواصات تعمل بالطاقة النووية، ولكنها ذات أصبحت قيمة عسكرية أستراتيجية تخدم المصالح الأمريكية في هذه المنطقة.

الموقف الروسي: أوكوس يتعارض منع انتشار الأسلحة النووية:
لقد جاء الرد الروسي على هذا التحالف الأمني متأخراً حيث صرح نائب وزير الخارجية الروسي “سيرغي ريابكوف بأن بلاده “ستطرح مسألة تحالف “أوكوس” أمام الوكالة الدولية للطاقة الذرية مشيراً الى إن فكره يتعارض مع منع أنتشار الأسلحة النووية” وأضاف بأن لديهم طيف من الاسئلة المتعلقة بإنشاء هذا التحالف، وقد سلمناها للجانب الأمريكي وسوف نوجهها الى أستراليا وبريطانيا، وهي تتعلق بمدى التوافق بين أحتمال تصدير وقود السفن الذي يحوي على نسبة تخصيب تصل الى (90%) والمنصوص عليه بموجب الصفقة الجديدة، مع التزامات أستراليا بموجب اتفاقية الضمانات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والملحق الإضافي الخاص بها، وأضاف بأن هذه الصفقة تذكر بـ” استخفاف الأمريكيين بتلك الأنظمة الخاصة بعدم انتشار أسلحة الدمار الشامل التي يعلنون دائما التزامهم بها ويدعون الآخرين إلى تطبيقها بشكل صارم”، كما صرح سفير المهام الخاصة بوزارة الخارجية الروسية “غريغوري ماشكوف” لوكالة سبوتنيك قائلاً: إن إنشاء تحالف “أوكوس” بين الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا سيؤدي حتمًا إلى رد فعل من دول أخرى في المنطقة حيال تهديدات محتملة، موضحا أن روسيا تدرس وتقيم العواقب التي يمكن أن تؤدي إليها هذه الشراكة وستتخذ الإجراءات المناسبة” وأضاف “إن تشكيل مثل هذه التحالفات الاستراتيجية ستؤدي حتما إلى رد فعل من جميع المشاركين في المعادلة الإقليمية للاستقرار.. وأنا على يقين من أن هذه المسألة سيتم تحليلها بعناية في موسكو، وسيتم اتخاذ التدابير المناسبة لضمان أمن الدولة ومصالحنا الإقليمية بشكل صحيح” علماً بأن “بختيار حكيموف ” سفير المهمات الخاصة بالخارجية الروسية، صرح قائلاً: بأن “منظمة شنغهاي للتعاون”، لا تعتبر نفسها نقيضا للتحالف الأمني (أوكوس) بين أستراليا، وبريطانيا، والولايات المتحدة.

Exit mobile version