الكاتب: نظير الكندوري
جاءت تسمية “جعفر الصدر” كمرشح لرئاسة الوزراء من قبل التحالف الثلاثي، بعد مضي ساعات قليلة على تقديم مقتدى الصدر تهنئته بمناسبة تشكيل التحالف الثلاثي المسمى بـ “انقاذ الوطن” والمشكل من ثلاث قوى سياسية هي “التيار الصدري”، وتحالف “السيادة”، والحزب “الديموقراطي” الكردستاني، معتبرًا أن هذا التحالف هو الكتلة البرلمانية الأكبر التي من حقها تسمية رئيس الوزراء.
وبانتظار الجلسة الخاصة بانتخاب رئيس الجمهورية وتسمية الكتلة الأكبر بشكل رسمي، وتكليف جعفر الصدر بتشكيل الوزارة، تتوالى ردود الأفعال الرافضة لتصريحات الصدر، كان من أبرزها، ما رد به نوري المالكي زعيم ائتلاف دولة القانون وأحد قادة “الإطار التنسيقي” على الصدر، طعن خلالها بإعلانه، وشكك بقدرة التحالف الثلاثي على تشكيل الكتلة الأكبر، وأكد على أن “الإطار التنسيقي”، هو الكتلة الأكبر في البرلمان. وبين التصريحات والتصريحات المضادة في هذا الموضوع، يتساءل الكثير عن تقييم شخصية مرشح رئاسة الوزراء “جعفر الصدر”، وما مدى أهليته لهذا المنصب التنفيذي الخطير.
فمن يكون جعفر الصدر؟ وماهي مؤهلاته التي جعلت مقتدى الصدر يقع اختيارهِ عليه؟ وكيف ستكون طبيعة فترة حكمه؟ وأخيرًا، ما هي أوجه الشبه والاختلاف بينه وبين عادل عبد المهدي، رئيس الوزراء السابق، والذي كان أيضًا من اختيار مقتدى الصدر بالتوافق مع هادي العامري زعيم تحالف الفتح.
جعفر الصدر خيار مقتدى الصدر المفضل
إن ترشيح مقتدى الصدر لابن عمه جعفر الصدر لمنصب رئيس الوزراء القادم، يأتي لاعتبارات عديدة، ربما أهمها أن شخصيته طيَّعة يمكن لمقتدى التلاعب به كيفما يشاء، بالإضافة إلى أنه محسوب على العائلة الصدرية بكل الأحوال، كونه أبن عمه، ومقرب من الدول الغربية الفاعلة كونه شغل منصب سفير العراق في لندن لفترة لا بأس بها، والأهم من ذلك كله، صعوبة رفض ترشيحه من قبل أحزاب الإطار التنسيقي، لا سيما وأنه جعفر الصدر هو نجل مؤسس حزب الدعوة محمد باقر الصدر، والذي يتزعم الحزب حاليًا نوري المالكي، أحد أهم زعماء الإطار التنسيقي وغريم مقتدى الصدر الأول.
ولأجل ذلك، صدرت تصريحات عديدة من شخصيات مهمة داخل الإطار التنسيقي، تفيد بأنهم سيقبلون بترشيح جعفر إذا ما وقع اختيار مقتدى الصدر عليه، حتى لا يقعوا في أحراج مع جماهيرهم. وفي هذا الشأن، قال النائب ضرغام المالكي عن ائتلاف دولة القانون، إن “طرح اسم جعفر الصدر لتولي إدارة الحكومة امر مرحب به وهو الخيار الامثل إضافة لأنه غير محسوب على اي جهة فهو محسوب على البيت الشيعي كله”. أما زعيم مليشيا العصائب، قيس الخزعلي، فقد قال إن “الإطار التنسيقي لم يعترض على تقديم مرشح لرئاسة الوزراء من قبل مقتدى الصدر”، وهو بذلك يبدي موافقته الضمنية على ترشيح جعفر الصدر لرئاسة الحكومة القادمة.
جعفر الصدر ومن خلال سيرته الذاتية المنشورة، يتبين أنه ليس بالشخصية الفذة لقيادة العراق، ولا يمتلك المؤهلات الكافية ولا الخبرة الكافية التي تجعله مؤهلًا لقيادة العراق في هذه المرحلة الصعبة، فقد ذكر أنه حصل على شهادة البكالوريوس والماجستير من الجامعة اللبنانية عام 2011 وعام 2018 بعلم الاجتماع، وحصل قبلها على شهادة في الدراسات الدينية في النجف وقم 1995-2007. بمعنى أنه قبل الاحتلال الأمريكي لم يكن لديه شهادة جامعية قط، والمستغرب أن الشهادتين قد حصل عليها من جامعات لبنان سيئة الصيت في العراق.
وفيما عدا شغله لمنصب السفير العراقي في لندن، فأنه لم يمارس عملًا سياسيًا حقيقيًا يجعل لديه تراكمًا في الخبرة السياسية، لاسيما وأنه لا ينتمي لأي تيار سياسي، وغير فاعل في التيار الصدري بقيادة أبن عمه مقتدى الصدر. وحتى السنوات التي قضاها نائبًا في البرلمان، لم نسمع له بأي نشاط سياسي حقيقي، يجعل منه شخصية يُشار لها بالبنان.
وبالتالي فأن المتوقع، أن الفشل سيكون حليفه، وسيُقاد بشكل كامل من قِبل أبن عمه مقتدى وتياره الصدري. ولا يميزهُ عن غيره من رؤساء الوزراء الفاشلين من قبله، سوى أنه قريب لمقتدى الصدر، وابن زعيم شيعي سابق كان له جمهوره الكبير بالشارع الشيعي.
أوجه الشبه بين جعفر الصدر وعادل عبد المهدي؟
ويرى كثير من المراقبين أن ثمة أوجه شبه كثيرة بين جعفر الصدر المرشح الجديد لرئاسة الوزراء، وبين رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي، الذي تم اختياره من قبل الصدر أيضًا، وبالتوافق مع هادي العامري، فهما يتشابهان في كونهما من ترشيحات الصدر وموافقة غرمائه المنضوين حاليًا ضمن الإطار التنسيقي، وتمتاز الشخصيتان، بعدم انتمائهم لاي حزب سياسي، بالتالي فأن التحكم بجعفر الصدر سيكون سهلا على مقتدى الصدر كما كان التحكم سهلًا بعادل عبد المهدي من قبل أحزاب الإطار التنسيقي.
وفيما يتعلق بعادل عبد المهدي، فقد ثبت بالدليل القاطع على فشله في رئاسة الوزراء، بالرغم من أنه شغل مناصب وزارية وحكومية عديدة، وثبت أنه شخصية لا تصلح لإدارة مناصب سياسية مهمة، وشهدت فترة توليه لرئاسة الوزراء، توغل المليشيات في الشأن العام، واندلاع تظاهرات تشرين التي سقط خلالها مئات القتلى وآلاف الجرحى، والخشية كل الخشية أن يتكرر هذا السيناريو في حكومة جعفر الصدر القادمة.
والراجح لدينا، أن أخفاقات عادل عبد المهدي، من الممكن أن تتكرر في حكومة جعفر الصدر القادمة، فهما يتشاركان بصفات عديدة، ومن المتوقع أن تكون مخرجاتهما في إدائهما الحكومي متشابه، وهذا أمر خطير للغاية، يجعل الشعب العراقي أمام تحديات كبيرة على المستوى الاقتصادي والأمني، لكن الفارق المهم الذي سيكون في حكومة جعفر الصدر، ومختلفًا عن فترة عادل عبد المهدي السابقة، هي أن الشعب العراقي أختلف كثيرًا عما سبق، وأصبح لديه وعي أكبر وخبرات متراكمة كثيرة في التعامل مع أحزاب السلطة، ومع الشخصيات الهزيلة مثل جعفر الصدر، وربما ستكون حكومة جعفر الصدر، هي الحكومة الأخيرة لهذا النظام السياسي الفاشل.

