Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

معارك بالنيابة.. الدم العربي يُراق على أرض أوكرانيا

الباحث: نظير الكندوري

ما أن بدأت ملامح الاجتياح الروسي لأوكرانيا تُشير إلى استمراره لمدة طويلة، أو أنه لن ينتهي بمجرد انهيار الجيش الأوكراني الرسمي، حتى بدأت عروض التجنيد تنهال من طرفي الصراع للتطوع في هذه الحرب لأجل إدامة زخمها بشكل غير رسمي، ولم يجدا طرفي الصراع هناك، أفضل من الدم العربي الرخيص، حتى يتم إراقته في أرض المعركة.
بدأت دعاوى التجنيد للقتال في أوكرانيا، من جانب أوكرانيا وحلفائها الغربيون، حينما دعوا المتطوعين من العالم، للالتحاق بـ “فيلق الدفاع الدولي الأوكراني” والقتال لصالح أوكرانيا ضد الجيش الروسي، بالمقابل ردت روسيا على دعوات أوكرانيا، بالدعوة للتطوع للقتال إلى جانب الجيش الروسي داخل أوكرانيا، وبسبب خبرة الجيش الروسي السابقة في القتال مع مرتزقة عرب في سوريا، فقد وجدت أن المليشيات العراقية والسورية، هي أفضل من تقاتل إلى جانبه في مدن أوكرانيا، على غرار ما فعلته في مدن سوريا المختلفة.

ما حجة الذهاب إلى أوكرانيا والقتال لصالح أحد طرفي النزاع
يتذرع المرتزقة العرب الراغبين بالذهاب للقتال في أوكرانيا بحجج كثيرة لتبرير فعلتهم تلك، وطرفي النزاع لعبا عليها بذكاء، فمن ناحية الحكومة الأوكرانية، بدأت بالترويج للقتال لصالحها ضد الجيش الروسي، باعتبار أن الأخير هو من دمر حواضر سوريا وفتك بأهلها وهجر الملايين منهم، وقتال هذا الجيش في أوكرانيا، فرصة مناسبة للمقاتلين العرب (السنَّة منهم تحديدًا) للثأر من هذا الجيش، والانتقام لقتلاهم في سوريا، ومدنهم التي دمرت على يد الجيش الروسي، بعد أن فشلوا في هذه المهمة داخل سوريا.
أما فيما يخص المقاتلين الشيعة المنخرطين في المليشيات الولائية مثل الحشد الشعبي وما سواها من مجاميع مسلحة إرهابية، فأن الروس يقنعونهم بأن هزيمة الجيش الروسي في أوكرانيا، أو على الأقل عدم تحقيقهِ لأهدافهِ في أوكرانيا، سيعني هزيمة لمحور “المقاومة” الذي تتزعمه إيران، هذا المحور المدعوم من الجانب الروسي بكل قوة.
أضف إلى ذلك، فأن الامتيازات المادية التي وعد بها كِلا طرفي الصراع الأوكراني للمقاتلين العرب المرتزقة، لها أكبر الأثر في إذكاء حماسة هؤلاء المرتزقة للقتال إلى جانب طرفي النزاع، لا سيما وان الشباب العربي في بلدان الشرق الأوسط، يعانون من فقر مُدقع وانعدام شبه كامل لفرص العمل. ففي هذا الشأن، أوردت صحيفة الغارديان البريطانية، أن روسيا تدفع لمرتزقتها ما يصل إلى 3000 دولار شهريًا، وهذا المبلغ يساوي 50 ضعفًا لراتب الجندي السوري، وخمسة أضعاف الراتب لمقاتلي الحشد الشعبي العراقي. بينما ذكرت دراسة منشورة للمركز الأوربي لدراسة مكافحة الإرهاب والاستخبارات، أن أوكرانيا تقوم بدفع مبلغ يصل إلى 2000 دولار “يوميًا” لكل مقاتل متطوع أجنبي.

الآلاف يلبون نداء التطوع للقتال في أوكرانيا
وعلى هذا الأساس وخلف تلك الحجج، فقد لبى ألاف المتطوعين دعوة رئيس أوكرانيا “فولوديمير زيلينسكي” للقتال في بلاده، ومنهم أعداد كبيرة من دول عربية. ولأجل تشجيع هؤلاء المتطوعين، وبالإضافة إلى المحفزات المالية، فقد أصدرت السلطات الأوكرانية لوائح تسمح بها للمقاتلين الأجانب باكتساب المواطنة الأوكرانية في غضون بضعة أشهر من تقديم طلب انضمامهم رسميًا للقتال إلى جانب أوكرانيا.
فيما قامت بعض الدول الغربية، بتجاهل قوانينها عن عمدٍ لتسهيل أمر التحاق هؤلاء المرتزقة للقتال لجانب أوكرانيا، فمثلًا بريطانيا، قامت بتجاهل قانونها للتجنيد الأجنبي لعام 1870، الذي يحضر الذهاب إلى دولة أجنبية للقتال، واكتفت بنصح مواطنيها بعدم السفر إلى أوكرانيا، وقد سبق لبريطانيا أن قامت بعملٍ مماثل حينما أرسلت ما يقارب 3000 بريطاني ليقاتلوا في الحرب الأهلية الاسبانية عام 1936-1939.
بالمقابل، أعطي الرئيس الروسي بوتين، ضوءً أخضرًا لمشاركة آلاف المقاتلين العرب من الشرق الأوسط، للقتال ضد أوكرانيا. وقال وزير دفاعه سيرغي شويغو، إن هناك 16 ألف متطوع من الشرق الأوسط وسوريا مستعدون للقتال مع روسيا داخل منطقة دونباس الانفصالية شرقي أوكرانيا. وأوردت صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية، أن نحو 400 مقاتل من الجيش السوري الرسمي التابع للأسد ومن المتمرسين بحروب المدن، بدأوا بالفعل بمشاركة القوات الروسية في معركة كييف.
وفي وقت سابق، أعلنت قنصلية روسيا في البصرة، عن استمرارها بتلقي طلبات من مواطنين عراقيين للانضمام إلى صفوف الجيش الروسي للمشاركة في غزو أوكرانيا. وتم رفع صورة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وسط بغداد وعليها تعليقًا باللغة الانجليزية (نحن ندعم روسيا). حتى بدأت لعبة نقل المقاتلين العرب الى أوكرانيا تعمل بالاتجاهين، وأصبح الشرق الأوسط وعنصره العربي، هو الخزان البشري الرئيسي لهذه اللعبة الدموية.

ما موقف الحكومة العراقية؟
التزمت الحكومة العراقية الصمت إزاء الدعوات التي تقوم بها الأطراف الولائية للتطوع والقتال داخل صوف الجيش الروسي في أوكرانيا، ولم يصدر أي تصريح رسمي عراقي حول انتشار خبر تجهيز ما يقارب الـ 600 مقاتل من فصائل تابعة للحشد الشعبي، والذهاب لسوريا تمهيدًا لالتحاقهم بالقتال في أوكرانيا. رغم إن مثل هذه الأنباء، ستُسبب أحراج شديد للحكومة العراقية مع الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية بشكل عام. بل وصل الأمر إلى أن أطراف مليشياوية فاعلة فيما يسمى محور المقاومة الذي تديره إيران، أبدوا انحيازاً واضحاً لروسيا، وحماسة للتطوع للقتال لصالحها، وقامت وسائل إعلامية عراقية مقربة لإيران، بالترويج إلى أخبار تدَّعي خلالها، بوجود منظمات مجهولة تقوم بتجنيد شبان عراقيين “سنَّة” للقتال في أوكرانيا لصالح الحكومة الأوكرانية، وادعت أن عمليات تدريب هؤلاء المتطوعين، تقوم بها القوات الأمريكية في قاعدة عين الأسد في الأنبار.

عربي يقتل عربي من أجل صراع دولي
ليس غريبًا إننا سنكون في الأيام القليلة القادمة، أمام مشهد نرى فيه أن عربيًا يقاتل عربيًا أخر، لأجل صراع دولي في أوكرانيا، ليس لنا فيه مصلحة بالمطلق، وسنكون قريبًا أمام تحدي خطير بعد نهاية هذه الحرب، يسمى “الأوكرانيون العرب” على غرار “الأفغان العرب” من الذين سيرجعون من أوكرانيا. سيكونون ثقلًا أمنيًا كبيرًا على شعوب المنطقة العربية، وستتحمل وحدها تبعة احتواء آلاف المقاتلين داخل شعوبهم، من المتمرسين على سفك الدماء.
وهنا يتبادر السؤال، إلى متى يبقى الدم العربي رخيصًا يُستخدم في حروب الأخرين ولأجل قضايا لا تهمهم ولا تعود عليهم بالنفع؟ ومن يتحمل مسؤولية ذهاب هؤلاء الشباب للقتال هناك عبر القارات لا لشيء سوى لتأمين ما يوفر لهم لقمة العيش في بلدانهم التعيسة؟
إن مسؤولية ذلك بالأساس تتحملها الأنظمة العربية التي فرَّطت بدماء أبنائها وجعلتهم مشاريع تجنيد لمختلف الأجندات الدولية، بدءً من إيران حينما حوَّلت شباب المنطقة لمرتزقة يقاتلون من أجلها بأرخص الأثمان، لتقتفي أثرها الدول الغربية التي وجدت ضالتها في الشباب العربي ذو الدم الرخيص، لتجنيدهم في صراعاتها الدولية، والخاسر الوحيد هي الشعوب العربية التي تُضحي بأغلى ما تملك، وهو شبابها الذين يُفترض أن يكونوا الأساس في بناء أوطانها.

Exit mobile version